نشر ظروف استدراج تيننباوم لم يؤثر على مفاوضات تبادل الأسرى / حلمي موسى

نشر ظروف استدراج تيننباوم لم يؤثر على مفاوضات تبادل الأسرى / حلمي موسى

وأخيرا سمحت المحكمة العليا بنشر ظروف أسر العقيد الحنان تيننباوم. ولكن هذا السماح لم يضف للصحافة أي جديد. فجميع المعلومات التي نُشرت بعد قرار المحكمة كانت معروفة قبل ذلك، والمفاجأة الكبيرة هي ان ما تعلمه إسرائيل، او الصحافة الإسرائيلية، لا يزيد عما كان الجميع يعرفه. بل ان هذه المعرفة كانت أقل مما كان يُعتقد وقد تضمنت الكثير من <<التقديرات>> والاتهامات <<غير المسنودة>> أكثر مما تضمنت حقائق ووقائع. وقد جاء نشر المعلومات، على الأقل بصورتها المعروفة الآن، ليثبت حالة جمود الاطراف الإسرائيلية المتساجلة عند مواقعها الراهنة.
فالذين كانوا يقولون بأن العقيد تيننباوم كان مجرد تاجر مخدرات او صاحب <<صفقات مشبوهة>>، لم يوفروا أي برهان على ذلك. والذين كانوا يقولون عكس ذلك لم يفلحوا في إقناع أحد بأنه كان <<حسن السمعة والسلوك>>. غير ان قضية النشر، او عدمه، كانت تدور في الأساس حول اثر ذلك على صفقة التبادل. والواقع ان ما انطبق بشكل ما على <<سمعة>> تيننباوم انطبق بشكل أكبر على آثار نشر ظروف اختطافه على مفاوضات التبادل، إذ يبدو ان هذه المفاوضات لم تتأثر لا من قريب ولا من بعيد بنشر المعلومات، وان كانت هناك من آثار فهي بالغة الهامشية، إذ استمرت المفاوضات.

ومن المقرر ان يصل غدا الثلاثاء الى برلين رئيس الطاقم الإسرائيلي للمفاوضات الجنرال ايلان بيران حاملا حسب وسائل الاعلام الإسرائيلية الصيغة النهائية لقائمة أسماء من توافق إسرائيل على الافراج عنهم. وأكدت مصادر إسرائيلية ان هذه الجولة حاسمة، فإن لم تفشل المفاوضات هذه المرة، فلن تفشل في الجولات الفنية التي ستعقب الاتفاق التفصيلي الرسمي، على الأقل لن تفشل كمفاوضات.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم قد أعرب يوم أمس عن تفاؤله بنجاح المفاوضات وقرب الاعلان عن اتفاق. وقال في جلسة الحكومة الإسرائيلية يوم أمس: <<لقد تلقيت الانطباع من اتصالاتي في المانيا اننا أقرب من أي وقت مضى لاتمام الصفقة>>. ومع ذلك أقر شالوم ان <<المفاوضات لا زالت في ذروتها، وثمة تفاصيل كثيرة لم يتم الاتفاق عليها بعد>>.

وكانت بعض المصادر اللبنانية قد أبدت هي الأخرى تفاؤلها تجاه امكانية التوصل الى اتفاق قريب حول الصفقة. وقالت هذه المصادر ان الحديث الإسرائيلي عن رفض الافراج عن معتقلين لبنانيين يصنفون كأصحاب <<أيدي ملطخة بالدماء>> هو لاغراض اعلامية فقط.

عموما، من الواضح ان جهاز الشاباك الإسرائيلي أعد قائمة تشمل أربعمئة اسم من اللبنانيين والفلسطينيين والعرب. وحسب مصدر سياسي إسرائيلي <<رفيع المستوى>> وفق صحيفة <<هآرتس>> فإن "إسرائيل لن تفرج عن معتقلين ملطخة أياديهم بالدماء سواء أكانوا فلسطينيين او لبنانيين". وحتى الآن فإن هذه القائمة لم تعرض على المختصين في وزارة العدل الإسرائيلية الذين سيفحصون القائمة قبل ان تعرض على الحكومة الإسرائيلية بكامل قوامها للمصادقة عليها.

وهكذا، وحسب آخر المعطيات، فإن مفاوضات التبادل تسير نحو الحسم. وهذا يعني انها لا زالت مجرد مفاوضات ولم تتحول الى صفقة، إذ ان هناك بين الإسرائيليين من يحاولون اشاعة أجواء تقول بأن حزب الله <<مضغوط>> أكثر من إسرائيل، وانه يمكن تخفيض الثمن المطلوب دفعه. ولهذا تصر أوساط حكومية إسرائيلية على ايجاد رابط، ولو عن طريق طرف ثالث، بين الصفقة ورون أراد لتسهيل قبول الجمهور والحكومة الإسرائيلية بها. وتصر فضلا عن ذلك على ايجاد طريق التفافي نحو الأردن يبتعد عن تمرير المعتقلين الأردنيين بحزب الله، والشيء نفسه، وان بحدة أقل، مع المعتقلين المصريين. وعلى الصعيد الفلسطيني يبدو ان حزب الله نجح في تقليص الآمال بعد ان أوحى انه حصل على <<أعلى سعر>> منطقي لمن بين يديه من الأسرى او الجثث.

وهكذا، إذا كانت هناك عقبات جدية، فإنها في الحقيقة عقبات إسرائيلية: هل ستصر الحكومة الإسرائيلية على الربط بين الصفقة ورون أراد؟ وهل ستنفذ تراجعها عن المبادئ المتفق عليها وترفض الافراج عن المعتقلين اللبنانيين من ذوي الأحكام العالية؟ وكيف ستتصرف في قضية المعتقلين الأردنيين والسوريين، خاصة بعد مطالبتها بترحيل كل من تريد الافراج عنهم الى خارج الأراضي المحتلة.

غير ان العقبة الأكثر رسمية هي ان أي اتفاق يوقع عليه المفاوضون الإسرائيليون مع الوسطاء الالمان، لن يكون اتفاقا رسميا إلا إذا صادقت الحكومة الإسرائيلية عليه. وقد وضع شارون هذا الشرط في الأساس لإقناع وزرائه بضرورة التزام الصمت طوال فترة المفاوضات. ولكن آخرين أبدوا اعتقادهم أن هذا الشرط كان أحد الألغام التي زرعها شارون، إن لم يكن في طريق الصفقة، فربما في طريق التسوية السياسية او الاستقرار الاقليمي برمته.

صحيح ان وسائل الاعلام الإسرائيلية أظهرت مواقف متناقضة للجمهور الإسرائيلي تجاه الصفقة، فأشارت استطلاعات صحيفة <<يديعوت أحرونوت>> الى تأييد هذا الجمهور بأغلبيته لها، وأشارت استطلاعات <<معاريف>> الى العكس تماما. ومع ذلك، وحسب المعلقين، فإن القرار سيكون في النهاية قرار الحكومة. وتختلف التقديرات أيضا في هذه النقطة. فمقربو شارون يؤمنون بأنه قادر على اقناع وزرائه، ولو بكثير من الجهد، بتأييد الصفقة، وآخرون يعتقدون انه لن ينجح، وربما لا يريد ان ينجح في ذلك.

هذا الأسبوع، في الغالب، هو الأسبوع الحاسم الذي سيُظهر إما فشل الاتفاق، وإما ان الأمر يحتاج الى جولات أخرى في الأسابيع القادمة.

______________________________________________

( المصدر - جريدة "السفير" ، بيروت)