وجبــة طائفيـــة سريعــة! / رازي نجّار

وجبــة طائفيـــة سريعــة! / رازي نجّار

الغالبية العظمى من شعبنا الباقي على هذه الأرض، صدفة، تستنكر الطائفية وتنبذها، حتى تلك الحركات السياسية التي تتغذى على هذا المنطق، فتجد الجميع، عندما يرفع «المارد الطائفي» رأسه، في أيّام غير عادية، كما حصل في المغار قبل سنتين أو في طرعان أو في الناصرة قبل عقد من الزمن، يسارعون لمحاربة هذه الآفة بالفعل وغالبًا بالقول فتنهار علينا التصريحات من كل حدب وصوب وجميعها تقول ما معناه «إننا شعب واحد، لا تفرقنا أديان، كلنا عرب، لسنا مسلمين ومسيحيين ودروزًا (وبدوًا!!) كما تريدنا إسرائيل». يعني اننا جميعًا ندرك، بما أننا عشنا مع الحركة الصهيونية ما يكفي من الزمن، مآرب المؤسسة الحاكمة وتخطيطاتها الظاهرة والباطنة، وهذا أمر مطمئن بحد ذاته. لكن السؤال الذي ينتصب مرهقًا من كثرة التكرار: هو لماذا نقع في هذا الفخ في الأيام العادية جدًا؟!


 



وقبل أن نعود إلى التحليل، أطرح أمامكم ما استفزّني واستكتبني بموجز من التفصيل: في نهاية الأسبوع الفائت ورد خبر من فئة الـ»ع.ع» في عدد كبير من صحفنا العربية يبشّر بافتتاح «أوّل مكدونالدز درزي في العالم» في محطة وقود تقع بين عسفيا ودالية الكرمل. الافتتاح كان احتفاليًا كما يليق بهذا الحدث «الجلل» وبحضور مدير عام مكدونالدز في إسرائيل، عمري بادان.


 



وفي هذه المناسبة، أسجل فيما يلي بعض الملاحظات والتساؤلات الـ»سريعة»:


 


أولاً: لكي لا نتّهم بالغيرة والحسد نقول مبروك لأصحاب المطعم، ونلحقها بـ»صحة وعافية» (إذا جاز التعبير في حالتنا هذه) لروّاد المطعم الجدد.


 



ثانيًا: ماذا يعني «مكدونالدز درزي»؟ وهل يحقّ للمسوّق استعمال كل الأساليب في سبيل تحقيق الربح المادي؟ وأي ربح مادي أصلا يحققه جمع هاتين الكلمتين؟.. نعلم أن بين الكلمات وقع مصطلح «الوسط الدرزي»، فلماذا نعيد اجترار ما تريده ثقافة المحتل منّا. وهل اتباع هذا المنطق سيقودنا مستقبلاً نحو «ع.ع» جديد يبشّر بافتتاح أول مكدونالدز مسيحي في معليا وأول مكدونالدز بدوي في رهط؟


 



ثالثًا: عوّدتنا آلة الإعلام المؤسساتية، الظاهرة منها والمتخفية، على نشر أخبار «أول عربي في إكس» و»أول عربية في واي» من باب نشر ثقافة الاندماج من خلال تسويق هذه «الإنجازات». لكنني أعترف بأنني تفاجأت، إي والله، من عبارة «أول مكدونالدز درزي في العالم»، فهذا «الإنجاز» العظيم لا يمكن إلا أن يحدث هنا في ديارنا؛ فـ»دروز العالم» يعيشون إما في ديارنا أو في سوريا أو في لبنان، ويعجز العقل أن يتخيل يومًا يفتتح فيه «مكدونالدز درزي» في لبنان أو في سوريا أو في الجولان المحتل، والخلفية معروفة ولا حاجة لسبر أغوارها. يكفي أن نرمز إلى أن الـ»بيتا دغوزيت» ما زالت تسمّى في لبنان وسوريا، كما في فسوطة وبيت جن «خبز رقيق» أو «خبز صاج»...


 



رابعًا: ألا يحق لي أن أسأل، بناء على هذا المنطق المريض، لماذا ورد في الخبر أن الموسيقى التي ستبث في المطعم الجديد هي موسيقى غربيّة وعربيّة؟ كيف غابت عنكم مسألة «الموسيقى الدرزية»؟.. اسمحوا لي أن أدخل في دهاليز عقولكم وأفكّر مثلكم لأستنبط أن أغاني نصري شمس الدين هي أغان درزية وأن إيقاعات صديقي يوسف حبيش هي إيقاعات درزية وأن مواويل معين شريف هي مواويل درزية... عجبي!


 



خامسًا: لمن لا يعرف، الأخبار التي نراها في صحفنا وتوقّع بالحرفين «ع.ع» وهي اختصار لـ»علاقات عامة»، هي أخبار عن منتجات وحملات إعلانية جديدة . هذه الأخبار تأتي جاهزة ولا دخل للصحيفة في مضمونها، لكن تبقى مسؤولية الصحيفة في تبنّيها أو عدم تبنّيها من خلال قرار «يُنشر أو يُهمل»، وكان جدير بالقائمين على الصحف أن يمتنعوا عن المشاركة في نشر ثقافة التقسيمات الطائفية، كالتي وردت في هذا الخبر، حتى لو كلفهم ذلك خسارة بعض النقود.



"ع.ع" - عيب عيب!


ألخّص ما جاء أعلاه، كي أتوجّه بعدها لتناول وجبة صحيّة، بأن أقول إن هذا الموقف هو موقف كل العرب، بمن فيهم الدروز، الرافضين لأن يتحوّلوا إلى أداة تسويقية لسلعة كهذه أو في حملة كتلك. وما الـ»ع.ع» في حالتنا هذه إلاّ اختصاراً لـ»عيب عيب»!


(فصـ المقال ــل)



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018