وقائع غزو العراق ما قبلها وما بعدها: ملاحظات أولية /ماجد كيالي

وقائع غزو العراق ما قبلها وما بعدها: ملاحظات أولية
/ماجد كيالي

لا يمكن أن نكتفي بالشعور بالمرارة والغضب تجاه ما جرى في العراق، فالذي جرى فاجأ وأذهل معظم المتابعين والمراهنين على اختلاف اصطفافاتهم ومراهناتهم. كذلك لا يمكن تفسير الأحداث بمصطلحات التآمر والخيانة وموازين القوى، لأن هذه المصطلحات تحجب الحقائق القاسية والمؤلمة التي خضع لها شعب العراق طوال العقود الماضية، من حكم صدّام وحروبه الداخلية والخارجية.

المعنى أنه لا بد من التأمل والتفكّر بما حصل وتسمية الأشياء بأسمائها بمنأى عن الادعاءات الأيدلوجية التي هي مجرد تعميات وتهويمات للاستهلاك، وبمنأى عن الرغبات الذاتية التي لا سند لها في واقع التفاعلات وموازين القوى، وأيضا بعيدا عن العواطف التي تعودنا أن تأخذنا بعيدا عن العقلانية ورؤية الواقع. وباختصار فقد اختبرت وقائع "حرب العراق" العديد من الفرضيات وأكدت العديد من الحقائق، وهو ما يمكن تسجيله في الملاحظات التالية:

1 ـ أن الشعب العراقي قاوم بحدود إمكانياته أما النظام فلم يصمد ولم يقاوم، الشعب دافع عن ذاته وأرضه وتاريخه وثقافته، ولكن النظام الذي اشتغل بالسلطة والتسلّط لم يعد لديه ما يدافع عنه، فعندما ظهر له ندّا أقوى منه تجلّت له حقيقة ضعفه فتفكك وتلاشى. والراجح أن بغداد لم تذرف دمعة على سقوط الطاغية، ولكن الثابت، أيضا، أن بغداد لم تفتح أبوابها أمام الغزاة..فهي قاومت بأسلحتها البسيطة، بعد أن تركها النظام عارية بدون تحصينات ودفاعات ومتاريس، وعبرت عن رفضها للغزاة بمشاعرها وبانكفائها على ذاتها لتصون حرماتها وكرامتها. ولذلك فإن المشهد التلفزيوني، الذي اختصر البغداديين ببضعة عشرات من المتجمهرين حول تمثال صدام يوم 9/4، لا يبدو مقنعا، فأهل بغداد ماكان لديهم ترف الخروج للمشاركة في هذا "الفيلم" فقد انكفأوا ليضمدوا جراحهم وليختزنوا ألمهم وغضبهم على المصير المأساوي الذي وضعهم فيه الطاغية وعلى استباحة مدينتهم بهذا الغزو الهمجي. الخلاصة هنا أن أهل بغداد لم يريدوا أن يدافعوا في معركة خاسرة عن سلطة امتهنت كرامتهم وحريتهم ولقمة عيشهم، وهم فضّلوا، على الأرجح، حماية أنفسهم ومدينتهم وتجنب المزيد من الانتهاك والخراب.

2 ـ أكدت أحداث العراق أن المراهنة الحقيقية في بناء الأوطان والدفاع عنها ترتبط أساسا ببناء الإنسان والمجتمع، لا في الإمعان في برامج التسلح (المستوردة أصلا) فهذا السلاح يمكن أن يتحول إلى خردة وإلى عبء في الحرب، حين لا يجد من له مصلحة في حمله أو حين لا يستطيع أحد استعماله من الناحية التقنية؛ فكيف إذا كان السلاح وسيلة للتسلط على الناس ووسيلة لاستنزاف وهدر ثرواتهم بدلا من توجيهها بتنمية البلد والإنسان والمجتمع؟

المعنى أن السلاح ليس بديلا من الإنسان والجيش ليس بديلا عن المجتمع، لاسيما في أوضاع تحتل فيها السلطة مكانة الدولة والأجهزة مكان المؤسسات والولاء للقائد مكان الولاء للقانون، ففي هذه الأحوال تصبح الانتماءات الحزبية والمناصب العسكرية والولاءات الفردية سلّم للارتقاء والانتفاع والتسلط، وعندما تتهدد هذه الامتيازات، كما بينت التجربة، تنهار الأجهزة وتنقلب الولاءات، وقد حصل ذلك سابقا في تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الاشتراكية.

3 ـ في العراق عسكر صدّام المجتمع وحزّبه واختصره بشخصه (كلنا صدّام!)، فحبس حريته ومحاه، والنتيجة أن الجيش والحزب والأجهزة باتت مرتعا للوصوليين والنصّابين، على الأغلب، وبذلك خسر العراق الجيش وخسر الحزب والأحزاب والمجتمع المدني، وهكذا في لحظة الغزو وجدنا الشعب يقاوم الغزو بتعبيراته البسيطة الوليدة، ولكن أجهزة النظام: الحرس الجمهوري ـ فدائيو صدام ـ الاستخبارات ـ الحزب (وأسلحته التي أنفق عليها عشرات مليارات الدولارات)، تلاشت وكأنها لم تكن، فهذه ليست معركتها والميدان ليس ميدانها!

وفي العراق مزّق صدّام الشعب إلى طوائف وإثنيات وعشائر وعوائل وإلى عساكر وحزبيين وموالين ومعارضين ولا مبالين وسلبيين(وهذه ليست نتاج مؤامرة إمبريالية وصهيونية فقط)، وبذلك مزق النظام الصدّامي المجتمع وأضعفه ثم استنزفه وأنهكه، في حروب ليس وقتها لا في المكان ولا في الزمان ولا في الموضوع، وهي حروب لم يستشر بها أحد، بدءا من الحروب ضد الأكراد مرورا بالحرب ضد إيران (8 سنوات) وصولا إلى غزو الكويت وحرب الخليج الثانية، ما جعل العراق فريسة لاملاءات الإدارات الأمريكية التي أمعنت في حصار شعب العراق وإرهاقه (1990 ـ2003)؛ وحصل كل ذلك من دون أن يكلف النظام نفسه بعض التواضع لمراجعة سياساته وأوضاعه على الصعيدين الداخلي والخارجي.

والدرس الأساس هنا هو أن الشعوب التي تعرف معنى الحرية والكرامة هي التي تدافع عن وجودها وأرضها وحقوقها، أما المجتمعات المهمشة والمغيبة والمكبلة، في دول تتأسس على العنف والإكراه ومصادرة مؤسسات الدولة وتغييب القانون وتهميش المجتمع واحتكار السلطة وعبادة الفرد، فهي قد لا تجد معنى لما تدافع عنه وهي بالأحرى لاتعي ذاتها..طبعا قد تنشأ دفاعات ومقاومات ولكنها فردية ومبعثرة، بمعنى أنها ليست دفاعات ومقاومات كتل بشرية تاريخية أي ليست دفاعات مجتمع، لذلك يخشى أننا في مأزق كبير..من هذه الناحية.

4 ـ بيّنت الوقائع العراقية كم أن الايدولوجيا والسياسة باتت مجرد وسيلة للدعاية والادّعاء، أكثر من كونها همّا وقضية، وهكذا فإن ادعاءات نظام صدام القومجية والشعبوية، التي تلطّى خلفها لتعزيز شرعيته في الإطار العربي ولحجب ممارساته الاستبدادية في الداخل، تكشفت عن هشاشة مذهلة، وفي الحقيقة فإن النظام الذي لم يحقق الاندماج المجتمعي في دولة وطنية لا يمكن أن يحمل رسالة قومية، والنظام الذي ادعى التسلح لمحاربة الإمبريالية والصهيونية سلّم أمره في أول امتحان جدّي له، ومن الأساس فإن النظام الذي أضعف شعبه وغيّبه وامتهن كرامته لا يمكن أن يكون مقنعا في ادعاءاته مهما كانت الشعارات التي تلطى بها جميلة ونبيلة، وطبعا المشكلة هنا ليست في الشعارات وإنما في حاملها وفي كيفية ترجمتها، وهكذا فإن ادعاءات صدام لم تجد فتيلا حين أزفت لحظة الحقيقة، لأنها بقيت مجرد ادعاءات، ليس ثمة ما يسندها في واقع السلطة العراقية.

5 ـ في مناخات الحرب ظهر أنه ثمة حرب أخرى تدور رحاها بين المثقفين العرب، على طريقة الجدل البيزنطي (البيضة والدجاجة!) في السؤال عن الاولويات: هل الأولوية للأمة والنظام والدولة أم للإنسان (الفرد) للشعب للديمقراطية (شكل الدولة)؟ وفي هذه الحرب تمترس المثقفون بشراسة كل في خندقه، فثمة من وقف مع الحرب والغزو لإسقاط النظام بدعوى مصلحة الشعب والديمقراطية ووعود الرخاء الأمريكية! وثمة من وقف ضدها ووصل به الأمر حد الدفاع عن النظام بدعوى الدفاع عن الوطن. الخطاب الأول هو خطاب حقوق الإنسان، بغض النظر عن الدولة والأمة والهوية، والثاني خطاب حركة التحرر، وهو يركز على الأمة والدولة. واللافت أن الخطابين وقعا في شراك المبالغة والمراهنات الخاسرة، وقد كشف كل منهما جانبا من الحقيقة ليغطي الجانب الأخر.
ويبدو أن عقلية الثنائيات التي تسكن العقل العربي هي التي توقعنا في هذا التخبّط وتحجب عنا إمكانية رؤية الواقع المعقد بشكل مركب. والثابت هنا، حتى الآن، أننا أمام عملية احتلال تقف وراءها مصالح أمريكية: أمنية وسياسية واقتصادية، داخلية وكونية، وهذا الاحتلال تقاطع مع وضع عراقي مناسب، فحماقات صدام سهّلت على المحتلين ما خططوا له، والوضع العراقي الداخلي بضعفه وتفككه أسال لعاب الطامعين به. المهم أن عواطفنا أو رغباتنا أو توهماتنا لا يجب أن تحول دون امكانية انتاج تحليل واقعي لما جرى ولأهدافه، لأن هذا التحليل هو الذي يقودنا إلى وضع الأسس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتجنيب العراق الوقوع في أسر السيطرة الأمريكية: السياسية والاقتصادية، لأمد قد لا يستطيع أحد التكهن به أو بعواقبه على العراق وعلى عموم المنطقة العربية. والمبشّر في هذا السياق ظهور وجهة نظر أخرى، وإن كانت خافتة وخجولة، تناولت الأمر من زاوية ثالثة مفادها أن معركة النظام خاسرة والمهم حماية البلد والشعب من الاستهدافات الأمريكية والإسرائيلية المريبة، أما الديمقراطية فلا يمكن اصطناعها بالقوة ومن فوق..والاستعمار لا يجلب الرخاء..فلا توهمات هنا ولا عواطف.

7ـ أخيرا..تمخضت هذه الحرب المفبركة عن كذبات أو خدعات إمبراطورية (أميركية) كبيرة، فلا أسلحة دمار شامل ولا أسرى كويتيين، في العراق، ويبدو أنه ليس ثمة أثر لابن لادن وجماعاته لا في العراق ولا في العالم! أما الحقيقة الأساسية المرة من جهتنا فهي التأكد من عقم النظام العربي وتابعه الشارع العربي، وأنه ثمة حاجة ماسة وجريئة لمراجعة الواقع العربي، جملة وتفصيلا، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل فوات الأوان.