وهم احياء مسار التفاوض مع الفلسطينيين/ أسعد تلحمي

وهم احياء مسار التفاوض مع الفلسطينيين/ أسعد تلحمي

يثير تحذير زعيم عربي العرب من «ضياع الفرصة المتوافرة لحل القضية الفلسطينية» الاستغراب حتى لكأنه يُفهم منه ان اسرائيل القابضة وحدها، بدعم اميركي مطلق، على مفاتيح الحل توفر فرصة لحل الصراع مع الفلسطينيين فيما الأخيرون او العرب يرفضون استغلال هذه الفرصة.

ويثير الاستغراب ايضا تحمس بعض العرب من التصريحات التي تصدر في الأيام الأخيرة عن وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني وبعض اترابها الداعية رئيس الحكومة ايهود اولمرت الى ان يمن على رئيس السلطة الفلسطينية باجتماع، لن يحقق اية نتائج كما تؤكد الوزيرة بعظمة لسانها.

وبينما يريد بعض العرب ادراج هذه التصريحات على انها تغيير في السياسة الاسرائيلية القائمة على التعنت والتشدد وانكار حق الآخر في العيش مستقلا مرفوع الرأس فوق تراب ارضه، تؤكد التصريحات الاسرائيلية ذاتها وتحليلات كبار المعلقين ان اسرائيل ليست في وارد احياء المسار التفاوضي مع الفلسطينيين، انما الغرض الحقيقي من الحديث المفاجئ عن وجوب عقد اللقاء بين اولمرت وعباس هو قطع الطريق على «تسلل» أي مبادرة دولية لحل الصراع ووأدها وهي في المهد، مثل المبادرة العربية للسلام المنوي طرحها على جدول اعمال مجلس الأمن الدولي الذي باتت اسرائيل ترى فيه هيئة دولية يجب على الغير، وليس عليها احترام قراراته، او المبادرة الروسية لعقد مؤتمر دولي للسلام «بمشاركة جميع الأطراف»، كما أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافاروف خلال زيارته المنطقة مطلع هذا الاسبوع.

لقد انتبهت اسرائيل الى ان تحسن علاقاتها مع اوروبا في اعقاب دعم الأخيرة للقرار الدولي الرقم 1701 المتعلق بلبنان قد يكلفها ثمن تدخل اوروبا في الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، فسارعت الى اعلان رفض مثل هذا التدخل، مستندة الى موقف مماثل من صنيعتها الولايات المتحدة بزعم ان هناك مشروعا سياسيا واحدا لا غير مطروح لحل الصراع يتمثل بخريطة الطريق الدولية.

وفضلا عن ان اخراج «خريطة الطريق» من الرف، فجأة بعدما غطاها الغبار قد يخدم اولمرت لجهة صرف أنظار الاسرائيليين ووسائل الاعلام العبرية عن اخفاقات الحرب في لبنان ومطالبتهم له بالتنحي عن منصبه، فإن اسرائيل تبغي من ذلك ان تتظاهر بالتجاوب والليونة والانفتاح مع المطلب الدولي إحياء عملية السلام بعد الحرب على لبنان. لكن من المهم متابعة ما تقوله ليفني بصدد اللقاء المتوقع مع عباس الذي غدا وكأنه قمة حلم الفلسطيني.

تقول ليفني بصريح العبارة ان لقاء مع عباس هو مصلحة اسرائيلية في الوقت الراهن اذ يفضل ان تكون اسرائيل هي المبادرة لا ان تتلقى فجأة دعوات متنوعة لمؤتمرات دولية. وتضيف ان احداً لا يعتزم «الضغط على دواسة عجلة المفاوضات مع الفلسطينيين...بعد ان أفرغت الانتخابات في الأراضي الفلسطينية الهواء من دواليب العجلة..».

وعند الحديث عن خريطة الطريق فإن اسرائيل تقرأها كما يحلو لها وهي التي أضافت عليها 14 تحفظا أفرغتها عمليا من مضمونها. وفي قراءة مبتورة لما ورد في المرحلة الأولى من الخريطة تتجاهل اسرائيل استحقاقاتها في هذه المرحلة وفي مقدمها تفكيك اكثر من مئة بؤرة استيطانية في انحاء الضفة الغربية ووقف النشاط الاستيطاني في المستوطنات القائمة.

فحكومة اولمرت المهزوزة بعد الحرب على لبنان لا تجرؤ، حتى ان رغبت، على مواجهة المستوطنين بل تواصل ارضاءهم من خلال بناء الاف الوحدات السكنية الجديدة فيما تخطط وزارة القضاء ( تسمى وزارة العدل!!) لتبييض غالبية البؤر الاستيطانية الصغيرة لضمها الى الكبرى المرشحة اسرائيليا، ووفقا لخريطة الطريق، للضم الى تخوم الدولة العبرية.

في المقابل فإن اسرائيل تجيد قراءة المطلوب من الفلسطينيين تنفيذه في اطار خريطة الطريق من «نزع السلاح عن الفصائل الفلسطينية» و تلقي على الفلسطينيين «واجب اثبات نياتهم»، كما تقول ليفني..

خلاصة القول ان حكومة اولمرت تواصل نهج حكومة شارون القائم على التضليل بأن اسرائيل معنية بانعاش المسار التفاوضي مع الفلسطينيين ثم تضيف الشروط لذلك فتفرغ كلامها المنمق من أي مضمون حقيقي.

وما نراه اليوم من المساعي المحمومة التي تبذلها ليفني في واشنطن لتنسيق المواقف بشأن رفض التعامل مع الحكومة الفلسطينية المزمع تشكيلها الى حين تقبل بالاملاءات الاسرائيلية كاملة يؤكد ان اسرائيل لا تريد العودة الى المربع الأول فحسب بل الى مرحلة ما قبل المربع بعد ان جعلت اللقاء مع عباس، حتى من دون ان يسفر عن أي نتائج، مشروعها السياسي الوحيد قد تجمّله بابداء استعدادها للافراج عن الوزراء والأسرى الذين اختطفتهم مقابل الافراج عن الجندي شاليت او بتمنين عباس بتسليم قوات الرئاسة التابعة له المسؤولية الأمنية عن مدن فلسطينية لتعفي (اسرائيل) نفسها من تحمل كلفة الاحتلال المادية والبشرية.

"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018