"الانتصار" لا يأتي من هناك/ فراس خطيب

"الانتصار" لا يأتي من هناك/ فراس خطيب

ما يمرّ به الإعلام الإسرائيلي هو حالة مستعصية، يحاول القائمون من خلالها اقتناص انجاز ما في حرب لبنان الثانية، بعدمّا عجزت الحكومة الإسرائيلية عن تزويده بما يبتغي. وكان الأمس خير دليل على هذا، وبدا واضحًا في التغطية والتعليقات لخطاب الأمين العام لحزب الله، الشيح نصر الله، الذي احتل الصفحات الأولى من الصحف العبرية قاطبة. كل الصحف دونَّت عناوين صاخبة، تمنوها دائمًا، ولكن من دون مقابلة يجريها نصر الله، أو حتى من دون حاجة لأي تحليل لها أو اخراج جمل من سياقها واستثمارات لغوية لم تكن… بما معناه، تمنى الإعلام انتصارًا يأتي من تل أبيب وليس من بيروت. تمنى انتصارًا يأتي من الكنيست وليس من الأمم المتحدة. كانوا يتمنون انتصارًا من تصريحات أولمرت في "خطابه للأمة" وليس اقتناصًا لعبارات من على شاشات "نيو تي في". والإعلام يدرك، والجميع يدرك، أنَّ الانتصار لا يأتي من هناك. انتصار الشيء يأتي من قلبه.

كتبت صحيفة "معاريف" عنوانًا رئيسيًا: "حسن نصر الله وخطاب الندم"، علمًا بأنَّ ما كان هو مقابلة وليس خطابًا، لكنَّ الانتقال من حال الحرب، أو من خطابات الحرب إلى ما بعدها، بات مستعصيًا على "معاريف" لأنها لا زالت هناك،في أيام القصف. لأنها تريد قصفًًا وتريد خطابًا للأمين العام من تحت القصف. وهذا بطبيعة الحال ترجمةً لنوايا سابقة، نوايا تمنت فيها "معاريف"عدم وقف اطلاق النار"، ليس على لسان كتابها فحسب، بل على لسان رئيس تحريرها، دانكنر، الذي، ولولا الخجل، لأعد خطة عسكرية مفصلة بنفسه لاجتياح لبنان حتى شمال الليطاني.

تقول سمدار بيري في "يديعوت احرونوت": "من توقع منكم أن يسمع خطابًا ملتهبًا نال نصر الله معتذرًا وملتزمًا بقرار 1701.". وبالمقابل، من سمع المقابلة يعرف تمامًا، أنَّ أحدًا لم يتحدث أصلاً عن التزام أو عدمه. لقد تحدث الشيخ نصر الله عن التحفظات من 1701. والأكثر من هذا، تحدث عن بداية مفاوضات لتحرير الأسرى، في وقت يدعو به 1701 الى اطلاق سراح الجنديين الاسرائيليين من دون قيد أو شرط. لكنًَّ بيري، كما عهدناها طبعًا، تعشق قرارات الأمم المتحدة بشأن لبنان، تتغزل غزلاً بـ 1559. والآن في 1701.

في صحيفة "هآرتس" كان الوضع مختلفًا. في "هآرتس" تحدثوا عن استمرار تمسك حزب الله بـ "حقه بالدفاع عن لبنان وعن سلاحه". وفي هذا "الحق" بالمعنى الاسرائيلي تحذير. تحذير لاسرائيل لتبقى على "أهبة الاستعداد" لعاصفة قد تأتي. كي لا يخيب الاسرائيليون "أمل الصحيفة" كما فعلوا في الحرب الثانية. لقد توسلت "هآرتس" في افتتاحيتها قبل أربعة أيام من وقف اطلاق النار توسلاً لضرورة "اقتناص نصر ولو صغير" من هذه الحرب. إلا أنَّ بيرتس، من دعمته الصحيفة في الانتخابات الأخيرة، لم يزودها بهذا "الطلب المتواضع"..

الاعلام في اسرائيل أراد عناوين، لكنَّ الحرب زودته بعناوين لم يكن يتوقعها. حتى لو توقع نصر الله الضربة الاسرائيلية أو لم يتوقعها.

ها هو الاعلام اليوم يسعى إلى دعم "احتجاج الاحتياط" عن طريق سلسلة تقارير. على الرغم من أنَّ الاحتجاج فاهيًا وباهتًا لا معنى له. تمامًا كما كانت الحرب الاسرائيلية غير محددة، هكذا الاحتجاج، ليس محددًا.

لقد وحدت الحرب كل الاقطاب الاسرائيلية المتشرذمة فأجمعت على "ضرورتها". والآن، كل هذه الاقطاب مجمعة، لكن على ضرورة التشرذم. وفوق هذا، الاعلام مصمم على اظهار الاحتجاج مرتبًا… ليس حبًا بالجنود وشفقة على من لم يجد ماء وطعامًا. لا بل من واقع أن الاعلام من يحتج وليس الجنود. وهذا أيضًا مؤقت..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018