"عام آخر يضاف الى ألفية" اهل الكهف (!) /امين الامام *

"عام آخر يضاف الى ألفية" اهل الكهف (!) /امين الامام *

.... (1) ....

سؤال حتمي استهلالي:
هل هُناك فرق بين ساعة وساعة، يوم ويوم، عام وعام، وقرن وقرن (؟).
لو سمحتم سأطوِّر السؤال أكثر:
هل هُناك فرق بين ألفيّة وألفيّة (؟).
السؤال ومُلحَقه المُطوَّر، خاص فقط بالسادة العُربان الأكارم (!).

.... (2) ....

شدّني صديقي الصدوق، أخي الذي لم تلده أمِّي، أسامة عليّان (ابن القضيّة الفلسطينيّة البار)، لضرورة الابتعاد عن "البيات الشتوي" القسري، الذي أقحمت نفسي فيه، دون حقّ، ودون إرادة، والعودة لعالم الكتابة، وقد حاول أكثر من مرّة، خلال أكثر من 50 يوماً مضت... في الواقع، لا أعرف حتّى الآن، لماذا أصبحت أرى "كلّ" شيءٍ تافهاً (!).

إذا عُدنا إلى مدارات السؤال الاستهلالي ومُلحَقه، قد أجد لنفسي "البعض" المهمّ من المبرِّرات. لكن في الوقت نفسه، لا يجب إغفال دور "تربية الأمل"، كاصطلاح أساسي جدّاً (كما كان المدخل والمخرج، في قصيدة "حصار"، للعملاق محمود درويش).

باختصار، دخلت حالة "الحصار"، كتلك التي يعنيها ويعانيها درويش، لكن المهندس الفلسطيني الشاب أسامة عليّان، حاصر نفسه بتحدِّيات لا حدود لها، مع مثابرة الأخ الكريم الصحافي عادل أبو هاشم، واهتمام لائق من الخبير الإعلامي بلال الحسن، من أجل استمراريّة مشروع "الحقائق"، كصحيفة ورقيّة وإلكترونيّة، وهذا ما يجعلني أبحث عن "تربية الأمل" تلك، أملاً في استشراف ما يأتي من بريق واخضرار.

.... (3) ....

توقّف مداد الكتابة، وإمداد خيالاتي الصحافيّة الصغيرة (على سذاجتها، وتفاهتها، وعدم أهمِّيتها، وفقاً لرأيي الشخصي على الأقلّ!)، مع نشر المقال الأخير، الذي جاء قبيل نهاية العام الماضي 2003، بأيّام محدودة ومعدودة، تحت عنوان: [ قمصان القانون و"يوسف" و"عثمان"... وصدّام]. أعتقد أن ذلك الطرح، إن كان هناك ثمّة عشرات يتذكّرونه، ليس جديراً بالاهتمام، كما أحسّ دائماً – والله أعلم – بتفاهة ما أكتب من اختلاجات داخليّة، تنازعني بين عقلي وقلبي، بين وعيي وانتمائي، بين يأسي وأملي، وبين أمسي وغدي.
أرجوكم، لا تصفوني بـ"المتشائل"، ولا بـ"المتفائل"، فأنا لا أرقى لشيء (!).

إن كان ما أكتبه يمثِّل شيئاً، من مشروع ومشروعيّة إبداء الرأي الحُرّ، في زمن لا أحد يفهم فيه الحرِّية، فعليّ الآن أن أطالب كلّ من يقرأ هذا المقال، بضرورة مراجعة ما يستطيع مراجعته، وقراءة ما يستطيع قراءته، من عشرات المقالات الموثّقة، في موقع "أمين" الإلكتروني (شبكة الإنترنتّ للإعلام العربي).

من خلال الآراء الحُرّة (لاحظوا: آراء حرّة!)، في ذلك الموقع الإعلامي الحُرّ، ابحثوا عن أي مقال باسم المدعو: أمين الإمام. بعد فتح ذلك المقال، ستجدون على أعلاه إشارة بلون مختلف، مكتوب عليها: "مقالات أخرى من أمين الإمام" (شكراً لأهل موقع "أمين"، على أمانة "الأرشفة" ودقّتها). اضغط على تلك الإشارة، ستجد فوراً المجموعة الكاملة لتلك المقالات، التي جعلتني أتصوّر أنّ كلّ ما أفعله بلا معنى، حيث لم أجد الاستجابة، من أي جهة إعلاميّة عربيّة "حرّة"، من أجل ضرورة احترام القليل من رغباتي، بالمشاركة في صناعة وعي إعلامي جديد، بعد أن عملت في الصحافة لأكثر من 12 عاماً، وأعاني الآن الصمت والغياب والتجاهل، لأكثر من 6 أشهر، بسبب مؤامرة دنيئة خسيسة، شرّدتني من وظيفتي كسكرتير تحرير في صحيفة "الوطن" السعوديّة، دون وجه حقّ، في يونيو من العام الماضي، بعد أن حجبوا مقالاتي بها، لأكثر من 20 شهراً، قبل توقيت ذلك الإبعاد الجائر (!).

.... (4) ....

إذا توقّفت عزيزي القارئ، عند أي مقال مرتبط بأي اختلالات واعتلالات إعلاميّة وصحافيّة، من تلك المجموعة المُؤرشَفة "أمينيّاً"، لا تجدني أبتعد كثيراً عن النموذج الإعلامي، الذي عايشته لنحو ثلاثة أعوام ونصف العام، وهو صحيفة "الوطن"، الصادرة من جنوب السعوديّة، في مدينة أبها الوادعة. في أروقة تلك الصحيفة، عايشت ما عايشت، وأدركت ما أدركت، وفهمت كيف يمكن أن تقشَِّر بصلة حصدوها من أنتن حفرة، وتغلِّفها بقشرة تفّاحة زاكية، قادمة من ساحل أرجواني حالم (!).

في "الوطن"، يبقى فقط من يفهم حقيقة تلك "البصلة المتفوحة".

في "الوطن"، يتسيَّد من ينافق صاحب الرعاية الطموحة.

في "الوطن، تتحرّك فقط داخل مساحات مسموحة.

في "الوطن"، لا تحلم بـ"بحبوحة"، ولا "رحروحة".

في "الوطن"، تنظير يتجاوز مساحة صالة التحرير الممنوحة.

... ومن "الوطن"، ليت الأمير خالد الفيصل، يعطي شاهد عيان متواضع مثلي، فرصة صغيرة سانحة لـ"نكش ركام المصائب"، التي توالت وتتوالى هُناك، والتي أطاحت برؤوس العديد من الشرفاء، الذين لا تسمح مساحة وصيغة الكتابة، لسرد أسمائهم كنبلاء من أبناء المهنة، كما أنّي لست وصيّاً عليهم، لأتحدّث باسمهم، مع أنّ من بينهم، من زادت معاناتهم لما يقرب من ثلاثة أعوام، حتّى شارفت تخوم المرض والقهر، وأشياء أخرى... والعياذ بالله (!).

.... (5) ....

وبعد أيّام "الوطن"، التي لازمني فيها الذهول والأفول حيناً، والغثيان والنسيان حيناً آخر، يبدو أنني أعيش حاليّاًَ، نفس الحالة الرباعية المزرية، حيث أنّ أوصياء الكثير من الأروقة الإعلاميّة العربيّة، لا يعجبهم صحافيّاً مُتطاولاً مثلي، يكتب ضد نفاق الرئيس الأمريكي "المُبجَّل"، وذيله البريطاني "المُؤصَّل"، والوحش الصهيوني "المُعدَّل"، والبقيّة الباقية من ربائب "الزرائب الأمريكائيليّة". لهذا السبب، أنتظر على أرصفة أولئك الأوصياء، فرصة وظيفيّة عابرة، أحقِّق بها عُشْر ما أحلم به إعلاميّاً.
للحقيقة، لا أريد وظيفة إعلاميّة لي وحدي، وإنّما لشرذمة " البراغيث المُهمَّشين"، من أبناء المهنة القاسية، الذين أنتمي إليهم حتماً، كحقيقة انتمائي القاسية لتلك المهنة (مصطلح "البراغيث" اخترعته مع صديق عزيز، نساني أو تناساني، وهو ينتمي لنفس أيّام "الوطن"!). لازمني الذهول ولا يزال. لِمَ لا يُذهَل عقلي، وساعة الزمن المرّ تسير ضد اتجاهها، إذْ تنشد الظلام.

لازمني الأفول ولا يزال. لِمَ لا يأفل حلمي، وعواصف الخبثاء تنسف تلك الأحلام.

لازمني الغثيان والنسيان، وتوابع وزوابع أخرى لا حصر لها، ولا تزال. لِمَ لا، فهذا زمان المهازل العظام.

(*) ليس ضرورياً أن أضع علامة تعجُّب، أو أي علامة ترقيم مناسبة، بعد الأسطر الثلاثة أعلاه...

.... (6) ....

بعد 17 عاماً، من اغتراف الغياب والاغتراب (دراسة وعمل)، وبعد الوصول إلى نتيجة الخدعة الكبرى، وفقاً لمؤامرة خبثاء "الوطن"/الصحيفة، لجأت بكامل إرادتي إلى الوطن/الأم.
لجأت إلى وجوه أهلي، وصدر أبي، وعقل أحداث سوداننا الراهنة، وأشياء أخرى ليس ضروريّاً الإفصاح عنها كلِّها. تأمّلت الوجوه حين تنطق، ولا تنطق، وحين تصرخ، ولا تصرخ، وحين تُطمَس معالمها تماماً، أو تتحوّل فقط إلى عيونٍ ذاهلة. تناغمت مع صدر أبي ثمانين يوماً، حاكيته وتحاكيت مع مكنون قلبه الكبير، أعدت معه كتابة 36 عاماً من عمري، كنت قد أضعت نصفها تقريباً في غربة. وبعد تلك الأيّام الثمانين، فارقني ذلك الجميل الوقور، وفارق هذه الفانية، في أفضل شهور الله عند صيام عباده، وهذي لعمري أفضل ما جنيت، من قرار اللجوء إلى أهلي ووطني، بعد أصداء تلك المؤامرة.

ولتعلموا أنّني طالبت المسؤول الإداري الأوّل، في تلك الصحيفة التي لم تنصفني، بإعطائي تأشيرة خروج وعودة، بسبب ظرف صحِّي طارئ للوالد، بعد تسليمي مكتوب المؤامرة، لكنّه ماطلني بشيءٍ من الإذلال، إذ لا يودّ أن يعطيك وضوحاً أو غموضاً، فطلبت من أحد مساعديه، أنّ يحوِّل التأشيرة إلى خروج نهائي، حتّى لا أفقد فرصة اللجوء إلى "صدر أبي".
جنى عليّ ذلك الرجل، وأنا من ساهم معه في بضعة حلول هامّة، من أجل الصحيفة التي أسّسناها ورعيناها، بشهادة أقرب مساعديه، ومنعني من أرض الحرمين الطاهرة، التي تربطني بالكثير من أهلها، في مهنة الصحافة تحديداً، علاقات وصداقات لا حدود لها. ومع ذلك، لا زلت أكنّ لذلك الرجل كلّ الاحترام، وليسامحه الله إن آب إليه، مثلما أكنّ كلّ الاحترام لصحيفة "الوطن"، وأتمنّى لها مستقبلاً واعداً، إن تخلّصت من أعدائها الذين يديرونها، بقرار جريء من عرّابها، لا "عاربيها" (!).

.... (7) ....

مع الأيّام الأولى، لدى عودتي إلى الوطن/القضيّة، وإلى الأهل والأمل (... لِمَ لا أربِّي الأمل حينذاك؟)، شرعت في كتابة سلسلة كتابيّة، عبارة عن رسالة صادقة متألِّمة، بصوت "ماء السودان"، عندما تصادفت تلك العودة، مع موسم الماء والمطر، وخريف بلادي "الاستوائي". وقد نشرت تلك السلسلة، في أكثر من موقع صحافي إلكتروني عربي، ولم تنشرها الصحافة الورقيّة في موطني، بعد أن أرسلتها إلى المسؤول الأوّل، في أبرز صحيفة سودانيّة (ليس ضروريّاً الكشف عن اسمه، واسمها)، وأيقنت بعدها أن الجوّاب واضح من عنوانه، ولا داعي للإرسال لبقيّة الصحف الأخرى التي تدور في فلكها (!). وأيضاً لم تنشر الصحافة الورقيّة "الدوليّة"، في مواقع عربيّة أخرى، تلك السلسلة الكتابيّة، مع أنّها – أيّ تلك الصُحُف – صاحبة ريادة في تصدير الكلمة الحرّة، والإعلام الأكثر حرِّية (!).

ومثلما لمّ يكلِّف مسؤول الصحيفة السودانيّة نفسه، بضرورة الاعتذار "الأدبي" عن النشر، لأي دواعي يقتضيها، كان يفعل مسؤولو الصحف العربيّة الأخرى، التي كنت ألجأ إليها، باستثناء رئيس تحرير صحيفة عربيّة راسخة وناجحة، حيث كان كبيراً كهامة صحيفته، وهو يعتذر بلباقة تبقيك صامتاً، خجلاً، وفي الوقت نفسه متحيِّراً، إزاء ذلك "القيد الحريري"، الذي طوّق به قلمك (!). رغم معاناة العائد إلى وطنه، بعد غياب طويل، في أمور تتعلّق بعدم الاستقرار، وعدم التركيز والانتباه، وأشياء من هذا القبيل، كتبت منذ أيّام وصولي الأولى، رغم فوارق الانتقال والتكيُّف. ورغم الاصطدام بآخر آمال النشر الورقي، التي أبقيتها في صدري، مع قرار عودتي، من خلال صحافي بلادي، حينما علّقوا تلك السلسلة الكتابية، على كتف مشنقةٍ ما في الخرطوم، واصلت الكتابة في مناقب رؤيويّة أخرى، لا تخرج عن ديدن قضيّتنا العربيّة الأهمّ، عبر الموقف الواضح، إزاء تسلُّط الإمبرياليّة الجديدة، المصبوبة في قوالب – أو مقالب – "العولمة"، و"الديمقراطيّة"، و"الانفتاح"، و"...."، و"...."، إلى أن وجدت نفسي لا أستطيع الركض والاستمرار، بعد ذلك "اللهاث"، الذي لا يفضي لشيء، فتوقّفت وآثرت الصمت.
أفهمت الآن يا أسامة، يا ابن عليّان، لماذا فعلتها وتواريت (؟).
ومع ذلك عُدت، وليت بعضهم يستوعبون (!).

.... (8) ....

بعد غياب أكثر من 50 يوماً من الكتابة، العالم هو العالم، كما أشرت في مدخل هذا المقال، فلا فرق بين ساعة وساعة، يوم ويوم، عام وعام، قرن وقرن، وربّما ألفيّة وأخرى.

كلّ شيء يشبه نومة أهل الكهف، بعد أن ضربوا سنين عددا، نائمين في كهفهم، برفقة كلبهم. على الأقلّ، صحا أهل الكهف، ووجدوا أنّ معالم الإظلام والمظالم، قد تغيّرت كثيراً، لكن في زماننا هذا، لا فرق بين عام 2004، و2000، و1948، و1900، وربّما 1000، خصوصاً بالنسبة لكم أيُّها العربان الأشاوس، إلى أن يرحمنا ربِّي (!).

قالها صلاح عبدالصبور، ذات زفير و"نهيق"، في لحظة من اللحظات المتشابهة، في هذا العالم "الاستحماري":
لا تحلموا بعالمٍ سعيد
فخلف كلّ قيصرٍ يفوت
قيصرُ جديد
وبعد كلِّ ثائرٍ يموت
بلا أحزانُ جدوى
ودمعةُ سدىً

عبثاً نصنع الحلم ونربِّي الأمل، أملاً في التغيير والتثوير والتنوير. فمن ربّ البيت "المُتجبِّر"، ومن المنبر الإعلامي "المُتجبرِت"، إلى تخوم صفات الحاكم المتسلِّط، يجب أن تتصاعد سلسلة طويلة من التغييرات، إلى مصاف الواقع الأفضل، في إطار أحلامنا المشروعة.

ومع ذلك، أخشى وبصفة شخصيّة جدّاً جدّاً، أن أكرِّر مقطع صغيرة، تردّده مجموعة "عقد الجلاد" السودانيّة، عبر أغنية رائعة للشاعر والمغنَّي والمسرحي الرحل عبدالعزيز العميري، يقول (بـ"العاميّة" طبعاً):

آه يا يُمَّى
لسّة بخوض في بحر الزيف ...
وحتّى أخرج من بحر الزيف، سأنتظر الأمل وانتظر تفاعلكم...

______________________
* كاتب صحافي سوداني
minimam8@hotmail.com