"فيسبوكيات" تكافح الفناء../ راجي بطحيش

"فيسبوكيات" تكافح الفناء../ راجي بطحيش

"لا أعرف كيف تضعون صوركم الشخصية والعائلية في الفيس بوك كي يراها كل هذا العالم" هذا ما قالته لي امرأة أعرفها من بعيد وتعتقد (باقتباس مبتذل شديد ) أن العالم يدور حول محورها... أي أنها هي وحياتها التي لا تهم أحدا (حتى أصدقاءها ورجالها السابقين) هي بقعة الضوء الأكثر شعبية في العالم من كاليفورنيا وحتى أستراليا...

لا شك أن هذا التكالب الإنساني على برامج الواقع والمواقع الاجتماعية في الشبكة العنكبوتية، خاصة تلك التي تضع الفرد كعالم متكامل مقابل الجماعة اللامتناهية كمتفرج لا يمل، تبرز ذلك الخوف الإنساني.. من الفناء أو الاختفاء دون ترك بصمة ما أو وقع... حتى وإن كان ذلك الفرد- لعالم المتكامل لا يملك ما يساهم فيه للارتقاء بهذه الإنسانية المأزومة..

وما الاشتراك في برامج الواقع التي لا تعتمد على مواهب خاصة ملفتة للفرد، كـ"الأخ الأكبر" مثلا، سوى إثبات لما يمكن أن يذهب إليه الكائن البشري في سبيل أن يوثق حياته ويخلد نفسه في أشرطة... وقد تقنعه هذه الحرب على النسيان في أحيان كثيرة أن يهبط بإنسانيته وكرامته البشرية إلى أحط المواضع وأحرجها (كإلتهام الديدان والتقيؤ ببث مباشر وكشف أسرار شخصية خطيرة مثلا) في سبيل ثوان قليلة في "البرايم تايم".. ثوان قليلة من الاعتراف والتكريس على خارطة بشرية غير واضحة المعالم.

وما الفيس بوك سوى تكريس لهذه النزعة العالمية الطاغية والتي تحول فيها الفرد العادي والوسطي إلى نجم بدون جمهور محسوس من المتفرجين... أصبحنا نتحرك وكأن كاميرا ما ترافقنا ليتفرج علينا المليارات السبعة (ناقص 1).

وقد يكون أطرف ما في "الفيسبوك" هي تلك الجمل التي تلازم البروفيل والتي يكتبها الأعضاء لشرح حالتهم (status (.. فهنا تتأجج بالفعل الاحتفاليات النرجسية للأشخاص وفق فئات محددة واليكم بعض النماذج:

• الفئة الهستيرية التي تستجدي الاهتمام بجمل مثل : الآن نهضت... ما ألذ قهوة الصباح... رائحة المرحاض عذبة... سأصعد إلى القطار... ضغط العمل لا يطاق... لا زلت في العمل... في الطريق من الناصرة إلى القدس... عدت من شفاعمرو.. في المقهى.. في الطريق إلى السرير. وهكذا (المقصد من هذه الجمل: أرجوكم أن تعيرونني اهتماما فأنا لا استطيع أن أكون مع نفسي لحظة واحدة).

• فئة استعراض العضلات: في الطريق إلى روما... ما أروع أصدقائي... القناعة كنز لا يفنى... حياتي رائعة... عدت من أنطاليا.. .كانت حفلة رائعة... ليتهم يضيفون ساعتين لل-24 (المقصد هنا: أرجوكم أن تعترفوا بكمالي قبل أن أنتحر...والمخفي أعظم).

• فئة الكآبة التي لا تعني أحدا: أتمنى الموت... قد أقتل أحدا الآن... لا يوجد ما يستحق الحياة... تتهكم الجدران علي (القصد: مطلوب طبيب نفسي حالا!!!)

• فئة الأغاني الملتزمة: هذه الفئة بحق تغيظ فهي تضيف وبدون مناسبة "عمال على بطال" عناوين لأغان so called ملتزمة – لفيروز وزياد الرحباني ومارسيل خليفة وجوليا وريم بنا والماجدة وغيرهم (والقصد هنا: أنا أيضا أعشق الأغاني الملتزمة ولكنني لا أعرف كيف أصبح نخبوي\ة، ساعدوني)...

• فئة- الكينكيون – وهي فئة تشعرك أنها تدخل الفيس بوك وتضيف جملا في الفسحة الواقعة بين حفلتي جنس جماعي...


• فئة الوطنيين 24\7 : هذه الفئة بحق لا تطاق... وهي تطلق أبيات الشعر العروبية والوطنية والتحريرية (عالطالع والنازل) وتشعرك بالثقل والتقصير وأن قوات حرس الحدود بانتظارك على عتبة البيت لإعدامك وإخفاء معالمك... وتشعرك هذه الفئة أنها عادت لتوها من "بلعين"، وبأنها تملك مفاتيح الوطن المستعصية على العظماء كل هذه السنين... بجمل مثل... كل عام والشهداء بيننا.... أو أحتسي قهوتي وفي رأسي طفلة يتيمة من غزة (والقصد هنا: اختبئ خلف الشعارات الوطنية كي أخفي حقيقتي التي هي فارغة جدا).

وغيرها وغيرها..

انه خوف قديم جديد ومتأصل لدى الإنسان من أن يمر عبر هذه الدنيا دون أن يشعر بذلك أحد... خوف وجد وسائط سهلة تستغله أو تعبر عنه... لا أعرف...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018