نصف الوظائف ستختفي خلال 25 عاما

نصف الوظائف ستختفي خلال 25 عاما

اعتمدت الحملة الانتخابيّة للرئيس ترامب على وعوده بتوفير الوظائف للأميركيين، على أنّ الاعتماد المتزايد على الآلات قد أصبح هو السبب الأكبر لاختفاء الوظائف الصناعيّة. لقد أدّت هذه الخسارة للوظائف إلى احتجاجات شعبيّة في عدد من الدول. ولكن، بدلاً من أن نأمل بمستقبل يوفّر نموّاً أكبر في فرص العمل، فإنّ علماء الاقتصاد متشائمون بخصوص خسارة المزيد من فرص العمل في المستقبل، مع تزايد حلول التكنولوجيا والروبوت محلّ العنصر البشري. والنقاش اليوم هو ما مدى سرعة واحتماليّة حدوث ذلك؟

مؤخّراً، بدأ الخبير في كليّة وارتون للأعمال في جامعة بنسلفانيا بقرع أجراس الخطر، وفقاً لآرت بيلجر، المضارب الرأسمالي والعضو في كليّة الأعمال، فإنّ جميع دول العالم المتطوّرة ستشهد هبوطاً في فرص العمل بنسبة 47% في 25 سنة المقبلة، وفقاً لدراسة صادرة حديثاً عن جامعة أكسفورد، فإنّ 'الحكومات كلّها غير مستعدّة لذلك'، كما يؤكّد العالِم الاقتصادي. وهو ما سيشمل الوظائف المكتبيّة والميدانيّة على السواء. حتى الآن كانت الخسائر في الوظائف محصورة على العمل الميداني، بخاصة في المصانع.

لمكافحة 'الفقدان البنيويّ للوظائف'، والمشاكل التي ستنشأ عن ذلك في الشعب الأميركي، أسس بيلجر مؤسسة غير ربحيّة تُدعى 'أمّة العمل Working Nation'، والتي تعمل على تحذير الرأي العام، وتساعد في إعداد خطط لحماية المجتمع من التداعيات المقلقة مستقبلاً. فالمسألة لا تكمن في أنّ مفهوم الوظيفة على وشك التغيّر بشكل دراماتيكي، وإنّما في أنّ هذا الاتجاه لا يُمكن العودة عنه. دعا المُضارب الرأسمالي الشركات والأساتذة الأكاديميين، والحكومة، والمؤسسات غير الربحيّة للتعاون في تحديث القوّة العاملة.

لنكن واضحين، فإنّ الاعتماد المتزايد على الآلات والماكنات كان سبباً دائماً في خسارة الوظائف. فالنول الميكانيكي، على سبيل المثال، أنهى وظيفة النساجين في كافّة الورش والمصانع. ولكنّ الآلات قد وفّرت وظائف جديدة أيضاً، فعلى الميكانيكيين أن يحافظوا على سير الماكنات وضمان استمرار عملها، وعلى العمّال أن يُشغلّوا الماكنات وهكذا. أحياناً، تستبدل الآلات وظيفةً بأخرى. في بداية القرن العشرين على سبيل المثال، تسببت السيارات في توقّف أعمال الحدادين؛ فلا أحد سيحتاج الأحصنة والحدوات والعربات بعد ذلك، ولكنّهم سرعان ما تحوّلوا إلى أعمال الميكانيك، وكان ذلك مناسباً.

ولكنّ الأمر لا يسير على هذا النحو اليوم. ففقدان الوظائف بات أمراً ذا أهميّة كبرى في الدول المتقدّمة، وهو يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. بحلول عام 2034، بعد أقل من عقدين، فإنّ وظائف المستوى المتوسّط ستختفي. وستكون الطبقة الغنيّة، التي تؤلّف 1% من المجتمع، هي المستفيد الأكبر. ومن المرجّح أن تؤدّي الثورة التكنولوجيّة القادمة إلى محو الطبقة الوسطى تماماً. فأجهزة الكمبيوتر لن تكون قادرة على أداء المهام التي يقوم بها البشر بثمن أرخص وحسب، بل وبكفاءة أعلى.

أيها المحاسبون، أيها الأطباء والمحامون، أساتذة المدارس، أيها البيروقراطيون ومحللو الاقتصاد انتبهوا: وظائفكم ليست آمنة. وفقاً لصحيفة الإيكونومست، فإنّ أجهزة الكمبيوتر ستكون قادرة على تحليل ومقارنة كميّة هائلة من المعلومات لاتخاذ القرارات الاقتصاديّة والطبيّة. وعليه، فإنّ احتماليات الاحتيال وسوء التشخيص ستقلّ، وستسير العمليّة بشكل أكثر كفاءة. لا يقتصر الخطر على هذه الوظائف، فمن المرجّح أن يؤدّي هذا الاتجاه إلى تجميد الرواتب لمن سيتمكنون من المحافظة على وظائفهم، وهو ما يعني تضخّم الفروقات في الدخل. ولكم أن تتخيّلوا تأثيرات ذلك على الاستقرار السياسي والاجتماعي.

لم يعد من الممكن إيقاف مسار الاعتماد المتزايد على الآلات والحواسيب، كما لا يمكننا إعادة الجنّي إلى القمقم. وسيؤثّر ذلك على الجميع في نهاية المطاف. تفكّر هذه العقليّة على النحو التالي: ستستفيد البلدان الأخرى من مثل هذه التقنيات للحصول على ميزة تنافسيّة ثمّ علينا أن نتبناها أوّلاً. في النهاية، فإنّ التقنيات الجديدة ستشرع بالعمل، وقد تتمكن مجالات العمل الأخرى من الاستفادة جزئياً ممن خسروا وظائفهم. ولكن من المتوقّع أن تسير العمليّة بشكل بطيء تفادياً لوقوع كارثة نتيجة الفقدان السريع للوظائف.

وفقاً لبيلجر، فإنّ المشكلة موجودة منذ زمن طويل. فإذا أخذت بالاعتبار طول أعمارنا التي بتنا نعيشها اليوم، بالإضافة إلى نظام التعليم الأميركي المتداعي فستجد أنّ المشكلة باتت مضاعفة. يقترح البعض الحلّ التالي: أن توفّر الحكومات راتباً ثابتاً لأفرادها يوفّر الحدّ الأدنى للحياة. بعد ذلك، ستساعد أنظمة التعليم الجديدة البشر على إيجاد مساعي جديدة لهم. فقد يجد البعض فرصاً للبدء بأعمال تجاريّة جديدة أو يشاركون في مشاريع إبداعيّة. وقد ينتج عن ذلك حقبة ازدهار للإنسانيّة، حيث سيُتاح للبشر أن يبحثوا عن شغفهم الحقيقيّ بدلاً من قضاء حياتهم في مطاردة الدولارات العزيزة!

تحدّث بيلجر مؤخّراً، في أحد البرامج الإذاعيّة، عن إعادة تجهيز النظام التعليمي برمّته، بما في ذلك إضافة حصص لضمان تملّك الطلّاب احتياجاتهم لأداء الوظائف التي ستكون متاحة لاحقاً. كما ناقش الحاجة إلى إعادة تدريب عمّال الطبقة الوسطى لكي يتمكّنوا من المشاركة في الاقتصاد، بدلاً من أن يجدوا أنفسهم خارج الاقتصاد الجديد. يقول بيلجر إنّ ' العديد من المشاريع قد بدأت لتحقيق هذا الهدف'. وعلى الرغم من أنّه يعترف بأنّ العديد من العاملين من الأعمار المتوسّطة يُقاومون ويرفضون إعادة دخول الصفوف الدراسيّة من جديد، فإنّه يؤكّد على ضرورة ذلك. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تطوير الحصص الدراسيّة لتصبح تجربة الدراسة أكثر ديناميكيّة، كاستعمال تقنيّة الواقع المعزز Augmented Reality لأهداف تدريبيّة، بالإضافة إلى إعادة ابتكار نظام دراسي لا يقوم على 12 سنة دراسيّة بالضرورة، ولكنّ مثل هذه الأفكار لا تزال في مراحلها الأوّلية.

بالإضافة إلى ذلك لا بدّ من توسيع نطاق برامج التدريب التعليمي والصناعي. فالمشكلة اليوم، كما يؤكّد البعض، لا تكمن في عدم وجود وظائف كافية، وإنما في عدم وجود عاملين يمتلكون المهارات الكافية لملء الشواغر المتاحة. يبدو أنّ بيلجر يرى بأنّ هذه المشكلة ستتصاعد في الفترة المقبلة.

ولكن، ماذا عن أولئك الذين يقودون العربات ليجدوا لقمة العيش، هل سيجد سائقوا الشاحنات وسيارات الأجرة مكاناً في الاقتصاد الجديد حتى لو تدرّبوا من جديد، إذا انتشرت السيّارات والمركبات آليّة القيادة؟ لا أحد يعرف على وجه الدقّة. ففي مثل هذه التحوّلات الكبرى في المجتمع، هناك رابحون وخاسرون دوماً. إنّ المستقبل يحمل احتمالات كثيرة تتراوح بين يوتوبيا براغماتيّة إلى حالة اضطراب اجتماعي واسع، أو إلى حالة ما بينهما؛ وهو الأرجح.

اقرأ/ي أيضًا | 10 صراعات مرتقبة في 2017!

وختم بيلجر مقابلته بالقول: 'كيف سيكون شكل مجتمعنا بعد خسارة 25% أو 30% أو 35% من الوظائف؟... لا أعرف كيف سنحتمل ذلك، ولكن حتّى لو تحمّلناه، فسيبقى السؤال هو، ماذا سيفعل هؤلاء البشر في فراغهم؟ إنني أعتقد بأنّ امتلاك هدف للحياة هو جزء مهمّ من استقرار المجتمع'. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018