أميركا: الدولة الضحلة في مواجهة الدولة العميقة

أميركا: الدولة الضحلة في مواجهة الدولة العميقة

ترجمة خاصة: عرب 48

دعونا من نظريّة المؤامرة. هناك شيء أكثر خطرًا يحاول أن يدمّر حكومتنا ويغيّر طبيعة مجتمعنا.

أصبح الحديث عن 'الدولة العميقة'، هو الشغل الشاغل لأصحاب نظريّة المؤامرة والمفتونين بالمروحيات السوداء السريّة. الفكرة تقول إنّ مسؤولي الاستخبارات والجيش، والبيروقراطيّون، قد حشدوا قوى الدولة المؤسساتيّة، التي قضوا سنوات طويلة في التحكّم بها، لتحقيق أهدافهم بغض النظر عن نزوات أو رغبات المسؤولين المنتخبين، ومن ثمّ يوصف هؤلاء المسؤولون باعتبارهم الكيان الذي لا يُمكن مقاومته.

ولكنني قد رأيت ما هي 'الدولة العميقة'، ولذلك دعوني أخبركم، بناء على خبرتي التي تمتدّ إلى 25 سنة من العمل والعيش في واشنطن، إنّ خوفي الأكبر لا ينبع من وجود مسؤولين حكوميين ذوي خبرة، يعملون في الخفاء. ما يُقلقني هو شيء جديد، حقيقي جدًا، وأكثر خطرًا، وهو الدولة الضحلة.

الدولة الضحلة هي الأطروحة النقيضة للدولة العميقة، من عدة نواحي وجوانب. تنبع قوّة الدولة العميقة من الخبرة، المعرفة، العلاقات، التوجهات، والمهارات الخاصّة، والتقاليد الراسخة، والقيم المشتركة. هذه الصفات، مجتمعةً، تحوّل البيروقراطيين إلى حكومة عليا لا تستند إلى أحد، وهذا منظور مخيف بطبيعة الحال. ولكنّ طبيعة البيروقراطيّة المليئة بالجمود والضوابط والتوازنات، واحترام تسلسل الأوامر الإداريّة تجعل من فكرة الدولة العميقة احتمالاً بعيداً. (ستقوم البيروقراطيّة بتوجيه ترامب، مثلما فعلت مع العديد من الرؤساء، وفي بعض الأحيان ستتحداه، ولكنّ هذين شيئان مختلفان).

ومن الجهة الأخرى، فإنّ الدولة الضحلة لم تستقر، لا لأنّ ملامحها مرئيّة للجميع، بل لأنّ تأثيرها لا يزال ينمو بوضوح. ولكنّها تبدو احتمالاً مخيفاً أكبر، لا لأنّها تتعمّد تجاهل الخبرة والمعرفة والعلاقات والتوجّهات والمهارات الخاصّة والقيم المشتركة وحسب، بل لأنّها تحتفي بالجهل وازدراء الخبرات.  لقد انتصر دونالد ترامب، بطل ورمز الدولة الضحلة، بالسلطة، لأنّ أنصاره يشعرون بأنّهم مهددون من قبل أشياء لا يفهمونها، ويبدو أنّ ما لا يفهمونه هو كلّ شيء. بدءًا من المعلومات المتراكمة حول اقتصادنا، مروراً بعلم اللقاحات (التطعيم)، ووصولاً إلى الأخطار التي نواجهها في العالم. إنّهم يرفضون كلّ هذه المواضيع ويتجاهلونها بهدف تأكيد تصوّراتهم عن العالم. إنّهم لا يبحثون عن الحقيقة، ويتصفّحون وسائل الإعلام بحثاً عن أيّ شيء يجعلهم يشعرون شعوراً أفضل تجاه أنفسهم. بالنسبة للعديد منهم، فإنّ المعرفة ليست أداة مفيدة، وإنما أداة ماكرة ابتكرتها النخب لتحافظ على سلطتها وتمنعها عن الرجال والنساء العاديين. ولديهم الموقف ذاته من الخبرة والمهارات المختلفة. فهذه الأشياء تتطلّب وقتاً وجهداً كبيراً من المرء كما تتطلّب منه أن يواجه اعتقاداته المسبقة. الحقيقة صعبة، أما الضحالة فهي الأسهل دوماً.

فالقائد العام في الدولة الضحلة، على سبيل المثال، لا يجد الكثير من الفائدة في قراءة تقارير الخبراء. وهو يتحرك بناء على دوافعه الشخصيّة وغرائزه وحدوسه وأيديولوجيّته. كما إنّه، وفريقه، لا يهتمون كثيراً بالحقائق. (لقد تتبعت صحيفة الـ'واشنطن بوست' أداءه يوماً بعد يوم، وحتى الآن لم يترك الرئيس يوماً يمرّ دون كذبة جديدة). ومن الواضح أنّ ترامب وفريقه لديهم مناعة خاصّة أمام الحقائق المبرهن عليها في القضايا العلميّة والسياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة على السواء. مع قادة مثل هؤلاء، فإنّ الدولة الضحلة لا تتواجد إلا على السطح، ولا تتحرّك إلا بناء على المشاعر والتأمّلات التي لا تستند إلى وقائع. ومن ثمّ، فإنّ الحقائق الثمينة التي تشوّش وتعطّل اتجاههم، تتحوّل بالنسبة لهم إلى أحجار تعكّر بركة أفكارهم الراكدة.

لقد رأينا بعض القادة الضحلين أو السطحيين من قبل. فقد انتقد أبراهام لينكون حزب الجهلة وأتباعه، الذين كانوا يمثّلون حركة كبيرة في المشهد السياسي الأميركي في منتصف القرن التاسع عشر. ولو تذكّرنا رؤساء مثل جورج دبليو بوش ورونالد ريغان فإنّنا سنتذكّر حتماً بأنّهما لم يكونوا رئيسين يمتلكان بصيرة فكريّة. ولكنّ ظاهرة ترامب أكثر تطرّفاً من ذلك بكثير. فرئيس الولايات المتحدة، بكلّ الموارد المتاحة له، لم يوفّر أيّ تشويه ممكن للحقائق، إلا واستغلّه طيلة أيام الشهر الأوّل من رئاسته، دون أيّة مبالاة بالتعلّم، بل بالإصرار على أنّ الكذب يُمكن أن يدعم مواقفه أكثر من الحقيقة (ويبدو أن أتباعه سعيدون بقبول تلك الأكاذيب). علاوة على ذلك، يبدو أنّ فريق ترامب يركّز على تقديم شيء شبيه بالعرض التلفزيوني بدلاً من التركيز على الحكم الفعليّ. وهذا العرض لا يُقدّم إلى الصحف – بل يحاول تشويهها-، وإنّما في وسائل التواصل الاجتماعي، ظنّاً أنّ سياسات الحكومة يُمكن أن تفسّر من خلال 140 حرف على التويتر، أو يُمكن أن تتأسس على مجموعة من التغريدات والصور الشعبوية. وفي الوقت الذي يبدو فيه أنّ الأمور تتطلّب عملاً حقيقيّاً في الكواليس، لا يُمكن ترجمته إلى تغريدات على تويتر أو إلى دردشات تلفزيونيّة، يبدو أنّ فريق ترامب لا يُعطي الأولويّة لذلك مطلقاً (كاهتمامهم بترشيح الأسماء للمناصب في مجلس الشيوخ)، ولا يقوم بأيّ جهد يُذكر (كالذي يبذله بخصوص قضايا التشريع).

من المقنع أن نلوم ترامب، ونتحدّث عن عيوب شخصيّته وعيوب مساعديه. ولكننا، في الحقيقة، لم نحظَ برئيس تلفزيوني لا يمتلك خبرة أو اهتماماً بالأفكار الكبرى ولا يمتلك حتى اهتماماً وإلماماً بالمعارف الأساسيّة (كمعرفة طبيعة الأسلحة النووية، دون أن يكون هناك رأي عام داعم ومؤيّد له. تذكّروا حقيقة أنّ اثنين من آخر أربعة رؤساء جمهوريين جاؤوا من عالم المشاهير ( وثالث اكتسب جزءاً من خبرته كمدير في عالم البيسبول).  لا شكّ أنّ صعود العقليّة السجاليّة والجداليّة في قنوات الأخبار، قد قوّض الروح المدنيّة للخطاب السياسي الأميركي، ولكنّها أيضاً حوّلت السياسة إلى ما يشبه برنامجاً تلفزيونياً. فيُمكننا أن ننتقل من أخبار كيم كاردشيان إلى مسلسل The Apprentice (مسلسل عن ترامب) إلى خطابات ترامب، دون أن نشعر بفرق. فقد باتت البرامج التلفزيونيّة تسعى لإثارة المشاهد بدلاً من تحفيز أفكاره أو تحدّيها. لا يعني هذا غياب برامج تحقق ذلك اليوم، ولكنّ هذا الاهتمام بات قليلاً وضعيفاً. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك. فقد أصبحها مستهلكين لوجبات إعلاميّة صغيرة، وكذلك باتت الصحافة اليوم التي تنشر موادّها على شكل قصاصات قصيرة ليقرأها المستهلكون على هواتفهم بسرعة. و بات متوسّط وقت الزيارة لمواقع الأخبار هو دقيقتان، في حين أنّ الوقت الذي قد يقضيه القارئ في قراءة إحدى المواد بات أقلّ من ذلك.

معظمنا يقرأ الأخبار من خلال الانترنت، ومعظم من هم دون الـ30 يطلعون على الأخبار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك. وهذا يعني أنّ أصدقاء المرء باتوا هم من يحددون ماذا يرى وماذا يقرأ (وهو ما يخلق صدى متضاعف لأخبار معيّنة)، كما إنّ هذه الأخبار باتت تظهر على صفحة الفيسبوك بين صور الأطفال الرضّع وفيديوهات القطط المضحكة! ومن ثمّ فقد أصبحت الأخبار، لكي تتمكّن من منافسة فيديوهات القطط، تميل إلى السرعة، وسهولة الهضم، والجمال البصري؛ وإلا فلن يقرأها أحد.

لقد دارت الكثير من الحديث عن ظاهرة تسطيح أميركا، [الميل إلى التسطيح والأخبار البسيطة والابتعاد عن العمق النظري]. ولكنّ النظر إلى هذه الظاهرة في ضوء الدولة الضحلة في عهد ترامب، بحاجة إلى مزيد من التمعّن. فجمهور الناخبين لم يعد فقط قليل الصبر على التعمّق في الأفكار؛ بل بات الآن يسعى وراء الخطابات السياسيّة التي لا تختلف عن البرامج التلفزيونيّة السهلة. ومن ثمّ كانت النتيجة هي انتخاب رئيس من الوجوه المألوفة في عالم التلفزيون.

مرّة أخرى، باتت الحياة هي فنّ التقليد. والأمر أسوأ من ذلك. فالآن لدينا رئيس قد اتخذ قراراً بأنّه طالما أنّه سطحيّ وضحل وأن أتباعه كذلك، فعليه أن يجعل المجتمع بأكمله أكثر سطحيّة وضحالة. وربما يكون هذا أكبر أهدافه نظراً للمستوى الذي انخفض إليه. ولكنّه الآن يُقدّم ميزانيّة قد تقضي على ما تبقّى من الجيوب الصغيرة داخل حكومة الولايات المتحدة، والتي تدعم المعرفة العميقة أو الحقيقيّة. فإدارة ترامب تقوم بقمع كلّ النظريات العلميّة والاقتصاديّة التي تقوّض نظرياته، وتواجه كلّ المعارضين، حتى لو كانوا داخل فريقه. وهو يسعى الآن لحجب الدعم عن الصندوق الوطني للفنون، والصندوق الوطني للعلوم الإنسانيّة، ومؤسسة البث العام. وهي جميعها برامج ذات معايير حكوميّة؛ لا تصل الميزانيّة السنويّة للصندوق الوطني للفنون إلى التكاليف السنويّة التي تُنفق لتأمين حمايّة ميلانيا ترامب في شقّتها في نيويورك. وجميعها مؤسسات تُعنى بزيادة العمق في حياتنا، وبالبحث والاكتشاف في ميدان الخبرة الإنسانيّة، وفي طبيعة مجتمعنا. وهي مؤسسات تقدّم جهوداً لدفع الجمهور والمواطنين نحو التفكير.

إنّ الفن ليس مجرّد ترف أو زينة للمجتمع. بل هو هدف للمجتمع، وهو تراثنا الذي يتشكّل. كما إنّه ميدان للتعلّم يساعدنا على إدراك واقعنا وعلى إدراك الواقع الذي نريده. إنّه يحفّزنا بطريقة تجعلنا نحفّز أنفسنا ومن معنا في الحياة أو في العمل. ولهذا السبب تحديداً، يستهدف ترامب هذه البرامج. فهي العدو الحقيقي للدولة الضحلة. بالإضافة إلى الصحفيين الذي يصفهم ترامب بأنّهم 'أعداء الشعب'. ولكنّ العدو الحقيقي للشعب هو من يعادي الصدق والحقيقة: ترامب وداعموه، أبطال الدولة الضحلة. ولهذا، وفي الوقت الذي من السهل أن نغضب أو نسخر من الرئيس الذي لا يقرأ أو الذي يُصدّق نظريات المؤامرة المشروخة كـ'الدولة العميقة'، علينا أن نعترف وندرك مدى خبث وضرر هذه الدولة الضحلة. لقد وصلت هذه الإدارة إلى السلطة لأنّ أميركا أفسحت المجال للخطابات العموميّة، وللمساواة والجودة في التعليم، وبسبب المعايير التي وضعناها لأنفسنا، والتي بدأت تنهار. وجهد ترامب ينصبّ على مأسسة هذا الانهيار. لقد أشعل ترامب حرباً مع كلّ المكوّنات التي جعلت مجتمعنا عظيماً. إنّه يسعى لإزالة دعائم الحكم وتشويه صورة أبطال مجتمعنا الحريصين على تعميق أفكارنا، والذين تعتمد عليهم الحضارة.

لا يُمكننا فقط أن نغيّر القناة. ولا يُمكننا الاكتفاء بالتغريد على تويتر. لا يكفي ألا نتابعه. علينا أن نقاتل، أو سنخسر أفضل ما فينا وأفضل ما في بلدنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018