رؤية عن ترامب في الحرب: كيف يمكن أن ينزلق الرئيس إلى الصراع؟

رؤية عن ترامب في الحرب: كيف يمكن أن ينزلق الرئيس إلى الصراع؟

ترجمة خاصة: عرب 48

(نشر هذا المقال قبل الضربة الأميركيّة لقاعدة الشعيرات  في سورية)

مع مرور عدّة أشهر على تسلُّم ترامب للرئاسة، لا يزال المسار الذي سيتبعه في سياسته الخارجية أمراً غير واضح. ولكن ما بات واضحاً أنّ ما تميّزت به حملة دونالد ترامب الانتخابية من اندفاع وتنافس وتهوّر قد استمرّ بعد وصوله إلى الرئاسة. فقد استمر ترامب، منذ توليه الرئاسة، بتحدي القواعد وكسر التقاليد الدبلوماسية، والتعامل مع الانتقادات الموجَّهة لإدارته باعتبارها إهانات وتهديدات شخصية. إن الرسالة الأساسية من سياسة ترامب الخارجية هي أن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تتعرّض للاستغلال من قِبَل الأصدقاء أو الأعداء الخارجيين بعد الآن. يقول ترامب أنه، وبعد عقود من "الخسارة" أمام البلاد الأخرى، لا بد أن يجعل "أميركا أولاً" ويبدأ بالانتصار مرة أخرى.

قد يكون ترامب ببساطة، في حالة بحث وترصّد لموقف تفاوضي أفضل كأسلوب تكتيكي، وهي مقاربة في المفاوضات يُسمّيها هو بـ "فن عقد الصفقات". طوَّر الرئيس ريتشارد نيكسون فيما مضى "نظرية الرجل المجنون"، وهي فكرة تقوم على إشعار خصومه بالرعب عبر جعلهم في حالة ترصُّد لمزاجه المتقلب وإبقائهم متخوّفين من قيامه بأفعال مجنونة إذا ما فشلوا في تلبية مطالبه؛ وهو تكتيك يبدو أن ترامب سيوظِّفه ببراعة، فالسمعة المعروفة عنه هي تقلب المزاج.

ولكن المشكلة تكمن في إمكانية فشل المفاوضات في بعض الأحيان، كما أن الخصوم عادةً ما يكونون بارعين ومفاجئين. ففي النهاية، لم تعمل نظرية الرجل المجنون مع نيكسون بشكل جيد، وهي النظرية التي صيغت من أجل إجبار الفيتناميين الشماليين على القبول بالتسوية. والأهم من ذلك أن وضع هذه النظرية في موضع العمل يتطلب القدرة على اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة، وهو شيء لم يتمكن ترامب من إظهاره حتى الآن. وفي حين يمكن أن يخرج طرفا المفاوضات، إذا فشل الاتفاق في المشاريع الاستثمارية، محبطين ولكن متسالمين، فإنّ بداية الفشل الدبلوماسي يمكن أن يؤدي إلى عدم استقرار سياسي أو منازعات تجارية مكلفة أو تسابقاً على الأسلحة المدمرة أو حتى الحرب. إن التاريخ مليء بالأمثلة عن قادة – مثل ترامب – ممن أتوا إلى السلطة محمَّلين بمشاعر المظلومية الوطنية وتوعّدوا بإجبار خصومهم على الإذعان لهم، لينتهي الأمر بالتورّط في صراعات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية، يندمون عليها فيما بعد.

هل سيحدث ذلك لترامب؟ لا أحد يعرف، ولكن ماذا لو كان بإمكان أحدهم معرفة ذلك؟ ماذا لو كان ترامب مثل شخصية إبنزر سكروج في قصة تشارلز ديكينز "أنشودة عيد الميلاد"، حيث يلتقي شبحاً من المستقبل يقدِّم له صورةً عن المآلات الممكنة لسياساته مع نهاية فترة حكمه قبل البدء باتخاذ قراراته السياسية؟

من الممكن أن يظهر مثل هذا الشبح ليقدِّم لترامب نسخةً عن المسبقل، حيث تكون إدارته، وبعد بداية مضطربة، قد أصبحت أكثر اعتدالاً مع مرور الوقت، وأثبتت أنها أكثر اعتياديّة عما كان متوقعاً، بل وتمكنت من تحقيق بعض الاتفاقات الناجحة، كما راهن هو على تحقيق "صفقات أفضل". ولكن هناك احتمالاً كبيراً بأن تؤول الأحداث إلى ما هو أسوأ بكثير من ذلك – مستقبل تكون سياسات ترامب الهوجاء والصدامية فيه سبباً في تدمير النظام العالمي الهشّ يؤدي إلى حالة من الصراع المفتوح –  بخاصّة مع إيران والصين وكوريا الشمالية.

في الأحداث التي سنرويها الآن، سنقدم وصفاً تمت صياغته قبيل حلول منتصف شهر آذار/ مارس 2017، وهي أحداث تُروى كتخيّل للأحداث فيما بعد ذاك التاريخ؛ على الأقل حتى تاريخ إصدار هذا المقال.

الانزلاق إلى الحرب مع إيران

إنه شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2017، حيث استُهلك البيت الأبيض بجدالات حول خيارات التصعيد ضد إيران، كما قُتِلَ العشرات من الأميركيين في هجوم إيراني على القوات الأميركية في العراق، حيث غضب الرئيس من فشل الهجمات الجوية السابقة على إيران في ردع هذا النوع من العدوان العنيف. وقد بات يودّ الآن الانتقام بعنف أكبر هذه المرة، ولكنه يعلم أنّ فعل ذلك سيكون مخاطرة كبيرة بالجنود الأميركان في معركة مكلفة وغير مرغوبة شعبياً؛ وهي ذات "الفوضى" التي وعد بتجنبها. يَنظرُ للوراء قليلاً ليرى أنّ هذا الصدام قد بات أمراً حتمياً منذ أن عيَّن فريقه للسياسات الخارجية وبدأ بتنفيذ مقاربته الجديدة تجاه إيران.

كان ترامب قد انتقد الاتفاق الإيراني النووي قبل الانتخابات، ووصفها بأنّها "أسوأ اتفاقية تم التفاوض عليها"، كما توعَّد بوضع حدٍّ "للتوجه الإيراني العنيف نحو زعزعة الاستقرار والسيطرة" على الشرق الأوسط. يتبنى بعض كبار مستشاريه موقفاً عدائياً من إيران، كما إنّ كثيرين منهم معروفون بتفضيلهم لتوجّه أكثر صداميّة مع إيران، بمن فيهم مستشار الأمن القومي الأول مايكل فلين، ومدير وكالة الاستخبارات الأميركية مايك بومبيو، وكبير استراتيجييه ومستشاريه ستيف بانون، بالإضافة للجنرال الأميركي المتقاعد جيمس ماتيس. يقول بعض زملاء ماتيس السابقين بأنه كان متوجِّساً جداً من إيران منذ ثلاثين عاماً، وكما قال أحد جنود قوات البحرية لمجلة بوليتيكو: "كأنه يريد تصيفة حسابه معهم".

حرَّك ترامب أثناء حملته الانتخابية وخلال الأشهر الأولى من توليه الرئاسة المشاعر المناهضة لإيران، وضلل الرأي العام حول تبعات الاتفاق النووي. فقد أصرَّ كاذباً على أنّ الولايات المتَّحدة "لم تكسب شيئاً" منها، وأنها تتيح لإيران فرصة صناعة قنبلة، وأنها منحت لإيران ما مقداره 150 مليار دولار (يبدو أنه يشير إلى أحد بنود الاتفاقية التي يُمكِّن إيران من صرف 50 مليار دولار من حساباتها التي تم تجميدها في البنوك الخارجية). يرى المنتقدون بأنّ هذا الخطاب يذكرنا بمبالغات حكومة جورج دبليو بوش حول برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي أشعلت الحرب العراقية. في شهر فبراير/ شباط 2017، وكاستجابة لإطلاق إيران لصاروخ باليستي تجريبي، صرَّح فلين، بغضب، أنه "قام بتحذير إيران وبشكل رسمي". وأعلنت الحكومة بعد يومين سلسلة من العقوبات الجديدة على 25 من الأفراد والشركات المتورّطين في برنامج الصواريخ البالستية.

وكما هو متوقع، تجاهلت إيران تهديدات الإدارة الأميركية، واستمرت في اختبار صواريخها، مصرَّةً على أن الاتفاق النووي وقرارات مجلس الأمن لا يمنعانها من فعل ذلك. ويتمادى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ويسخر من قرارات ترامب المثيرة للجدل المتعلقة بمنع السفر والهجرة، شاكراً له على تويتر أنه كشف عن "الوجه الحقيقي" للولايات المتحدة. وتستمر طهران بسياستها في توريد الأسلحة للحوثيين في اليمن وفي تقديم الدعم العسكري لنظام بشار الأسد في سوريا، من دون أن تتكلف الخزينة الإيرانية الكثير. كما تم تجاهل جهود الولايات المتحدة التي دعت روسيا نحو تحجيم دور إيران في سوريا، وهو ما ضاعف غضب الولايات المتحدة.

والأمر المفاجئ أن الضغوطات الأميركية المتزايدة على إيران لم تؤد مباشرةً إلى نقض الاتفاق النووي. ففور تسلمه للرئاسة، أنهى ترامب ممارسات إدارة أوباما التي شجّعت البنوك والشركات دولية على الاستثمار في إيران، لضمان شعور إيران بأنّها مُستفيدة اقتصاديّاً من الاتفاق النووي. وقد عبّر ترامب عن دعمه لخطط مجلس الشيوخ لفرض عقوبات على الكيانات الإيرانية بتهم دعم الإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان، وذلك مع إصرار المسؤولين الكبار على عدم ايقاف الاتفاق النووي. تشكو إيران من هذه العقوبات "الالتفافية" التي يمكن أن تنتهك الاتفاقية وإن لم تصدر عنها تصرفات وسياسات حقيقية. وفي مارس/ آذار من عام 2017، أدرك المسؤولون الأميركان داخليّاً – وبدأ بعض مناصري الإدارة الأميركية الجديدة بالابتهاج – بأنّ مقاربة ترامب بدأت بالنجاح.

كان يُمكن أن يتمّ منع تدهور العلاقات، لو اختلف سلوك الطرفين، ولكن الاتفاق في النهاية، لم يتمكّن من الصمود والاستمرار. ومع بدايات صيف 2017، بدأت بعض الإشارات الحقيقية بالظهور مُنذرة ببداية المشاكل. استمرت طهران في سلوكها الاستفزازي خلال فترة الربيع، ومن ضمنها عمليات الاعتقال غير مبررة للمواطنين الأميركيين-الإيرانيين، وذلك تحت ضغط التيار المتشدد في إيران الذي يمتلك مصالحه الخاصة لإفشال الاتفاق. وفي شهر يونيو/حزيران، وبعد مراجعة سياساته تجاه إيران، وضع ترامب أسماء أعضاء الحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة وزارة الخارجية للمنظمات الإرهابية الأجنبية وأعلن أنّ إعفاء إيران من العقوبات سيكون مشروطاً بإطلاق سراح الأميركيين المعتقلين والعودة للتفاوض لتحديد "ثغرات" الاتفاق النووي. ولكن بدلاً من المصادقة على هذه المطالبات، ستقوم إيران إيران بتحديها. حيث يعلن رئيس إيران الجديد – وهو من التيار المتشدد وقد هزم حسن روحاني في انتخابات مايو/أيار 2017 – استمرار إيران ببعض النشاطات النووية المحظورة، بما في ذلك اختبار أجهزة طرد مركزي متقدمة ومضاعفة خزينتها من اليورانيوم المخصّب. يضج الحديث في واشنطن عن الحاجة لجهود جديدة لخنق إيران اقتصادياً أو حتى توجيه ضربات عسكرية رادعة نحوها.

كانت إدارة ترامب على ثقة بأنّ الدول الأخرى ستدعم توجهها المتشدد، حيث نبَّهت كلاًّ من حلفاءها وخصومها إلى أنّ عليهم الاختيار بين الاستثمار مع إيران أو الاستثمار مع الولايات المتحدة. ولكنّ هذه الضغوطات لم تسر كما كان مخططاً له، حيث اعترضت كلّ من الصين وفرنسا وألمانيا والهند واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة قائلين بأن الاتفاق النووي كان سارياً قبل سعي الولايات المتحدة لنقضه، ومن ثمّ فقد لاموا واشنطن على مبادرتها في إشعال الأزمة، كما قام الاتحاد الأوروبي بتشريع قرار يقتضي بمنع الشركات الأوروبية من التعاون مع سلسلة العقوبات الأميركية الثانية. وهو ما أشعل غضب ترامب وتوعدهم بدفع ثمن الخيانة.

تتسارع التوترات مع إيران على نحو أكبر مع تزايد الخصومة بين الولايات المتحدة وشركائها المقرّبين. وبسبب غضب الولايات المتحدة من استمرار الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، يقدِّم البنتاغون تعزيزات عسكرية في مضيق هرمز، ويسمح للقوات الأميركية بالتساهل مع القواعد المفروضة هناك. ويحدث أن تقترب سفينة إيرانية من سفينة حربية أميركية بطريقة مستفزة – ضمن ظروف غير محددة بعد – لتردّ السفينة الأميركية عسكرياً مودية بحياة 25 بحَّاراً إيرانياً.

عزز هذا العدوان على إيران من الدعم الموجّه للنظام وأدى لانتشار نداءات واسعة للانتقام، وهو ما لم يستطع رئيس البلاد الجديد مقاومته. وبعد ذلك بأقل من أسبوع، قامت كتائب حزب الله المدعومة إيرانياً بقتل ستة جنود أميركيين في العراق. ومع مطالبة الشعب الأميركي بالانتقام، طالب البعض بحلّ دبلوماسي، بطريقة تُذكّرنا بما حدث في يناير/ كانون الثاني 2016 عندما تبادل وزير الخارجية الأميركي جون كيري الحوار المباشر مع وزير الشؤون الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لتخفيف حدة الأوضاع بعد أحداث دخول بحارة أميركيين للمياه الإقليميّة الإيرانية. وفي هذه اللحظة، يقدم الاتحاد الأوروبي نفسه كوسيط لحل الأزمة.

ولكنّ الإدارة الأميركية لم ترغب باتّباع ما اعتبرته سلوكاً استرضائياً من قِبَل إدارة أوباما لإيران. ويقوم ترامب بدلاً من ذلك – ولتلقين إيران درساً – بإطلاق صاروخ عن بعد وتوجيهه نحو مقرات معروفة لجهاز الحرس الثوري الإيراني، وهو ما ألحق الدمار بثلاثة مباني وأدى لمقتل عشرات المسؤولين وعددٍ مجهول من المدنيين.

توقَّع مستشارو ترامب أن إيران سترضخ بعد هذه الضربة، ولكن إيران تصعِّد من حدة الأزمة مع تصاعد الحس القومي فيها، معتبرةً بأن الشعب الأميركي لا يمتلك الرغبة في إهدار المزيد من الدم والمال في الشرق الأوسط. تبدأ كتائب حزب الله وغيرها من الميليشيات الشيعية في العراق – بعضها موجّه من إيران وبعضها الآخر يتصرف بشكل مستقل – بتوجيه ضربات أوسع نحو مجموعة من الأميركيين، وتجبر طهران الحكومة الضعيفة في بغداد على طلب إخلاء الأميركيين من العراق، وهو ما سيوجّه ضربة قوية للحملة التي تتزعّمها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلاميّة؛ داعش.

ومع إعادة فرض واشنطن للعقوبات التي تم تعليقها بعد الاتفاق النووي، تتجاوز إيران الحدود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، وتطرد المراقبين التابعين للأمم المتحدة، وتعلن بأنها لم تعد ملتزمة بعد الآن بالاتفاقيات القائمة. تتنبأ وكالة الاستخبارات الأميركية بأن إيران في طريقها للعودة في مسار التسلّح النووي، ويقدم كبار مستشاري ترامب تصوّراتهم في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. ينصح بعضهم بضبط النفس، بينما يصر آخرون – تحت قيادة بانون وماتيس – بأن الخيار الأفضل هو تدمير البنية التحتية للجهاز النووي الإيراني بضربات عسكرية قوية رادعة، بالإضافة إلى تعزيز الحضور الأميركي في العراق للتعامل مع ردود الأفعال الإيرانية المشابهة. ويحاجج بومبيو -  الذي يُعتبر من المنادين بتغيير النظام في إيران – أنّ مثل هذه الضربات قد تؤدي إلى ثورة شعبية والإطاحة بالمرشد الأعلى، وهي فكرة مشجّعة سمع بها ترامب مسبقاً من قبل مراكز أبحاث تدعو إلى نفس الفكرة، عبر التلفزيون.

ومرة أخرى، يتدخل الحلفاء المضطربون ويحاولن التوسط بحل دبلوماسي، كما يسعون إلى تثبيت الاتفاق النووي لعام 2015، معتبرين بأنه يظلّ خياراً أكثر جاذبية من باب المقارنة. ولكنّ هذا التدخل قد جاء متأخراً، فقد أدت الهجمات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية في آراك وفوردو وأصفهان ونتناز وبارتشن إلى ردود فعل انتقامية ضد القوات الأميركية في العراق، وردود فعل أميركية أيضاً ضد أهداف إيرانية، كما أورثت هجمات إرهابية على الأميركيين في أوروبا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى تصاعد الوعود من طهران بإعادة بناء برنامجها النووي على نحو أكبر وأفضل من السابق. هكذا، وجد الرئيس، الذي وعد بوقف هدر حياة وموارد الأميركيين في الشرق الأوسط، نفسه حائراً في أسباب تورطه في الحرب.

الحرب على الصين

إنه شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام ٢٠١٧، وقد أطلق الخبراء على هذه الفترة وصف أخطر مصادمة بين قوتين نوويتين منذ أزمة الصواريخ الكوبية. وبعد تسارع المعركة التجارية الأميركية الصينية ووصولها إلى مستويات غير متوقعة بالنسبة لكلا الطرفين، حصل صدام في بحر الصين الجنوبي أدّى إلى سقوط ضحايا من كلا الطرفين وتبادلٍ حادٍّ للنيران بين السفن الأميركية والصينية. كما صدرت إشاعات عن تجهيز الصين لقواتها النووية. إنها بداية الأزمة التي كان الجميع متخوفاً منها.

كانت الصين متصدرةً لقائمة الدول الأجنبية التي كان ترامب يستهدفها بالنقد الحاد خلال حملته الانتخابية وبدايات تسلّمه للرئاسة، وكان ترامب – باعتباره مرشَّحاً للرئاسة – يلومها بشكل دائم على تدمير فرص العمل للأميركيين وسرقة المعلومات السرية الأميركية، حيث قال "لا يجوز تجاهل سرقة الصين لبلادنا". كما تنبأ بانون – وهو من أوائل من تم تعيينهم في التشكيلة الجديدة لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض- مسبقاً بنشوب صراع مع الصين، حيث قال في مارس/ آذار ٢٠١٦: "نحن في طريقنا للقيام بحرب في جنوب البحر الصيني خلال ٥ إلى ١٠ سنوات، "ما من شكّ في ذلك".

بعد مدة بسيطة من نهاية الانتخابات، تلقى ترامب اتصالاً من رئيسة تايوان تساي إنغ وين لتهنئته بالفوز في الانتخابات، وهو ما يعد خرقاً للسياسة الدبلوماسية التاريخية المعتمدة وتعبّر عن تغيّر كبير في سياسة "الصين الموحدة" التي تلتزم بها الولايات المتحدة. لم يتضح ما إذا كانت هذه الخطوة مجرد سهوة أم أنها كانت خطوة مقصودة. ولكن في كلّ الأحوال، دافع ترامب عن توجّهه وأصرَّ على إمكانيّة المساومة على هذه السياسة ما لم تقدم الصين تنازلات على الصعيد التجاري. وقال في تغريدة له على موقع تويتر: "هل طلبت الصين رأينا فيما إذا كنا موافقين على تخفيض قيمة عملتها (بطريقة تصعِّب من قدرة شركاتنا على المنافسة) أو على بناء مجمّع عسكري ضخم في بحر الصين الجنوبي؟ لا أظن ذلك!" في فبراير/شباط من عام ٢٠١٧، وبعد مكالمة مع الرئيس الصيني شي جي نبينغ، صرّح ترامب أن الولايات المتحدة تحترم سياسة "الصين الموحدة" في جميع الأحوال. شعر الخبراء الآسيويين بالراحة، ولكن يبدو أن هذا أغضب الرئيس لظنّ العديدين بأنه قد هُزِم. وقد أشار شي يونع، الأستاذ في جامعة رينمين في الصين، لصحيفة The New York Times "أن ترامب قد خسر أولى معاركه مع شي وسيُنظر إليه كنمر بلا مخالب".

ظهرت تحذيرات أخرى مبكرة للصدام القادم. حيث قام ريك تيليرسون خلال كلمته في جلسة المصادقة على تعيينه وزيراً للخارجية برسم خطٍّ أحمر جديد في بحر الصين الجنوبي، موضحاً بأنّ الوصول لتلك الجزر "لن يعود هذا أمراً متاحاً". تجاهل البعض هذا التصريح باعتباره مجرَّد مبالغة، ولكن بكين لم تتجاهله، حيث حذَّرت صحيفة China Daily الصينية الرسمية من أنّ أي محاولة لتطبيق هذه السياسة سوف يؤدي إلى "صراع مدمر"؛ كما قالت صحيفة Global Times أن هذا يمكن أن يقود إلى "حرب عظيمة".

ثم بدأت النزاعات في المجال التجاري. فقد قام ترامب بتعيين بيتر نافارو رئيساً لمجلس التجارة الخارجية الجديد التابع للبيت الأبيض، وهو مؤلف كتاب "الحرب الصينية القادمة" و"الموت على يد الصين" وغيرها من الكتب التحريضية التي تصف العلاقات الأميركية الصينية بتعبيرات ذات مآلات صفرية ويدعو لزيادة التعرفة الجمركية والعقوبات التجارية الأميركية. واعتمد نافارو – مثل بانون – على شبح الصراع العسكري المطل من بكين، كما دعا إلى ضرورة إجراء تدابير اقتصادية متشددة، لا من أجل تعديل توزان العلاقات التجارية الأميركية الصينية وحسب، بل لإضعاف قوة الصين العسكرية أيضاً، والتي يزعم بثقةبأنّها ستستعمل ضد الولايات المتحدة. أقلقت هذه الخطابات المبكرة العديد من المراقبين، ولكنهم طمأنوا أنفسهم بفكرة عدم قدرة كلا الطرفين على خوض صراع بهذا الحجم.

ولكن القرارات اللاحقة هي التي جعلت الحرب أمراً حتمياً. ففي يونيو/ حزيران ٢٠١٧، ومع تجربة كوريا الشمالية لإطلاق صاروخ آخر طويل المدى، والذي جعلته قادراً على الوصول لمناطق في الولايات المتحدة، طالب ترامب الصين بإيقاف حليفتها الصغيرة، وحذَّر من حدوث "نتائج خطيرة" في حال رفضها لذلك. لا تبدي الصين اهتماماً بتطوير الإمكانيات النووية لدى كوريا الشمالية، ولكنها كانت قلقة من مآلات تلبية مطالب ترامب بعزل بيونغ يانغ، لأنّ ذلك سيؤدي لانهيار النظام، وتهجير ملايين اللاجئين الفقراء من كوريا الشمالية إلى الصين وترك النظام الكوري تحت رحمة وسيطرة سيؤول، التي ستمتلك الأسلحة النووية الخاصة بكوريا الشمالية، والمتحالف مع واشنطن. وافقت الصين على قرار آخر لمجلس الأمن وأدانت سلوك كوريا الشمالية ووسّعت من تعليقها لصادرات الفحم الحجري من البلاد، ولكنها رفضت أخذ موقف أبعد من ذلك. وأصبح شي يرى الولايات المتحدة كخطر أكبر على الصين من الخطر الذي تُمثله كوريا الشمالية وأعرب عن رفضه أن تتعرّض بلاده للاضطهاد من واشنطن، وذلك بسبب عضبه من نقد وصداميّة ترامب المستمرة في موضوع التبادل التجاري.

وفي نفس الوقت، تضخَّم عجز الحساب النقدي الأميركي مع الصين، وهذا يعود إلى حدّ ما إلى ما يتطلبه نمو عجز الموازنة الأميركي من الاستيراد الخارجي، وهو ما يصعِّد من قيمة الدولار. ساهم ذلك – مع معاندة الصين لكوريا الشمالية – في إقناع البيت الأبيض بضرورة تبني خطوات أكثر حدّة. حذر الخبراء الأجانب ووزيرا الخارجية والمالية في إدارة ترامب من مخاطر التصعيد، ولكن الرئيس تجاهل قلقهم وأعلن نهاية عصر الاستغلال الصيني لأميركا. وفي شهر يوليو/ تموز، وصفت الإدارة الأميركية الصين رسمياً بأنّها "مضاربة عملات" (وذلك بالرغم من حقيقة صرفها لاحتياطيات العملة لتثبيت قيمة الين) وفرضت ٤٥٪ كتعرفة جمركية على الواردات الصينية. ومن باب تحميس الجماهير في وقفة حاشدة في فلوريدا، صرَّح ترامب أن هذه التدابير الجديدة ستستمر إلى حين رفع الصين لقيمة عملتها واستيراد المزيد من البضائع الأميركية، وفرض عقوبات أكثر قسوة على كوريا الشمالية.

أكَّد مستشارَو الرئيس، الأكثر تشدداً، أنّ استجابة الصين ستكون ضعيفة، نظراً لاعتمادها على الصادرات وامتلاكها عدداً كبيراً من سندات الخزينة الأميركية. ولكنهم أغفلوا المشاعر القومية التي أشعلتها هذه التدابير الأميركية. لقد أصبح شي مضطراً لإظهار قوته، وبدأ بتوجيه الضربات.

وقام شي خلال أيام بإعلان أن الصين سترد على التعرفة الجمركية المفروضة، وستذهب لمنظمة التجارة العالمية لتفرض تعرفة جمركيّة تصل إلى٤٥٪ على الواردات الأميركية (وهي قضية كانت الصين متأكدة من الفوز بها). اعتقد الصينيون بأنّ التعرفة التي فرضوها في المقابل سوف تضر الولايات المتحدة أكثر من الصين (بحكم أن الاستيراد الأميركي للبضائع الصينية أكثر بكثير مما تستورده الصين منها)، كما يعلمون أن حالة التضخم التي ستنتج عن ذلك – خاصة في الملابس والأحذية والألعاب والإلكترونيات – سوف تؤذي ذوي الياقات الزرقاء (الطبقة العاملة) من مناصري ترامب. وما هو أكثر أهمية من ذلك، هو شعورهم بأنهم أكثر قدرة على تقديم التضحيات من الأميركيين.

كما أوعز شي للبنك الصيني المركزي ببيع 100 مليار دولار من سندات الخزينة الأميركية، وهي خطوة أدت لارتفاع مباشر في معدلات الفائدة وضربت 800 نقطة من مؤشر داو جونز الصناعي في يوم واحد. ومن هنا بدأت الصين باستخدام بعض الأموال التي اكتسبتها لشراء أسهم كبيرة من شركات أميركية كبيرة وبأسعار رخيصة لتثير ردّ فعل قومي في الولايات المتحدة، واستغل ترامب الفرصة لينادي بتطبيق قانون جديد يحظر الاستثمارات الصينية.

ومع تبادل الإهانات الشخصية عبر المحيط الهادي، حذّر ترامب من إمكانيّة إعادة النظر في سياسة "الصين الموحَّدة" في حال لم تعمل الصين على معاملة الولايات المتحدة بإنصاف. قام ترامب – وبتشجيع من بانون الذي أشار عليه بشكل شخصي بأفضلية خيار الصراع الحتمي مع الصين في فترة لا تزال الولايات المتحدة تتمتّع فيها بتفوق عسكري – بالإعلان عن رغبته بدعوة رئيسة تايوان إلى الولايات المتحدة وبيعها أنظمة مضادات صواريخ وغواصات جديدة ووضعها في الجزيرة.

ردت الصين على ذلك بالقول بأنّ أيّ تغيّرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان سوف تواجه بـ"استجابة غير محمودة"، وقد فسَّر الخبراء بأن هذه الاستجابة قد تتضمّن، على الأقل، قطع العلاقات التجارية مع تايوان (والتي تنقل 30% من صادرتها للصين)، كما قد تتضمّن توجيه ضربات عسكرية ضد أهداف في الجزيرة. ولم يُشكك سوى القليل من الخبراء بجدية تصريحات بكين، وذلك بحكم وجود أكثر من مليار صيني هناك يبدون التزاماً عاطفياً اتجاه وحدة البلاد. وفي اليوم الأول من شهر أكتوبر/ تشرين الأول، تحولت الاحتفالات السنوية الاعتيادية باليوم القومي إلى مشهد مهيب من الكراهية لأميركا.

وفي أثناء ذلك، وقعت حادثة في بحر الصين الجنوبي أدّت إلى التصعيدات التي تخوف منها الجميع، وبالرغم من ضبابية تفاصيل الحدث، ولكن يبدو أنّ الحادثة بدأت مع اقتراب سفينة مراقبة أميركية كانت تعمل في في المياه الإقليميّة المُتنازع عليها، في أجواء ضبابية، مما أدى لاصطدامها بشكل غير مقصود بسفينة صيد صينية كانت تضايقها. ومع حالة الفوضى التي لحقت ذلك، قامت سفينة من قوات جيش التحرير الشعبي بإطلاق النار على السفينة الأميركية العزلاء، فقامت مدمّرة أميركية بدورها بتدمير هذه السفينية الصينية، فتمّ إطلاق طوربيد صيني وأصاب المدمّرة، مما أدى لمقتل ثلاثة أميركيين.

تبدأ عمليات نقل للقوات الطائرة الأميركية لتتوجه للمنطقة، وتنشر الصين مزيداً من الغواصات المقاتلة هناك وتبدأ بتفعيل الغطاء الجوي والدوريات عبر البحر الصيني الجنوبي. يسعى تيلرسون للوصول إلى نظرائه الصينيين، ولكنّ المسؤولين في بكين بقيوا في حيرة فيما إذا تيلرسون قد تحدّث مع الإدارة، كما استمرّ تخوفهم من أنّ ترامب لن يرضى بأقلّ من النصر. تشير تقديرات مسرّبة من المخابرات الأميركية بأن احتدام الصراع سيؤدي سريعاً إلى مئات الآلاف من الضحايا، وسيستدرج الدول المجاورة ويهدر تريليونات الدولارات من الناتج الاقتصادي. ولكنّ تصاعد الحس القومي لدى كلا الطرفين، جعل كلا الطرفين عاجزاً عن التراجع. إنّ كل ما أراده ترامب هو الحصول على صفقة أفضل مع الصين!

الحرب الكورية القادمة

إنه ديسمبر/ كانون الأول من عام 2018، حيث أطلقت كوريا الشمالية عدداً من صواريخ المدفعيات الثقيلة نحو مواقع في سيؤول، مما أدّى إلى مقتل الآلاف أو ربما عشرات الآلاف؛ لا يزال من المبكر القول أن القوات الأميركية والكورية الجنوبية – والتي توحَّدت الآن تحت قيادة أميركية، وذلك بحسب ما تشترطه اتفاقية الدفاع المشتركة - قد قامت بإطلاق صورايخ ومدافع نحو المواقع العسكرية التابعة لكوريا الشمالية وأنها أطلقت ضربات جوية على شبكة دفاعات المتقدمة. ومن خندق في مكان ما بالقرب من بيونغ يانغ، أطلق الرئيس الدكتاتوري الفاسد كيم يونغ ين بياناً يتوعد فيه بـ"حرق سيؤول وطوكيو عن آخرها" – كإشارة إلى مخزون كوريا الشمالية من الأسلحة النووية والكيميائية – في حال لم توقف القوات "الإمبريالية" هجماتها في الحال.

توقعت واشنطن مثل هذه الاستجابة من كوريا الشمالية بعدما قامت لأسباب وقائية بإعاقة اختبار إطلاق صاروخ بالستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية إلى القارة الأميركية، محققةً وعد ترامب بإعاقة بيونغ يانغ من حصوله على هذه القدرة. ولكن قلة هم من توقعوا أن تتخذ كوريا خطوة أبعد من ذلك والمخاطرة بهلاك نفسها عن طريق ضرب كوريا الجنوبية. هكذا أصبح على ترامب أن يختار بين الاستمرار في الحرب وتصعيد الخطر النووي، أو القبول بما سيُنظر إليه كانسحاب مهين. يحثّه بعض المستشارون على إنهاء المهمة بأسرع وقت ممكن، في حين ينبهه آخرون بأن ذلك حياة 28000جندي متمركزين في شبه الجزيرة، بالإضافة لعشرة ملايين شخص في مدينة سيؤول. ويتأمل ترامب ومساعدوه في الخيارات المربكة التي أمامهم في اجتماع أقاموه في غرفة العمليات في البيت الأبيض.

كيف وصل الأمر إلى هنا؟ حتى أكثر نقاد ترامب حدّة يعترفون بأنّ الولايات المتحدة لاتمتلك خيارات جيدة مع كوريا الشمالية. لأكثر من 20 عاماً، قام النظام المذعور والمعزول في بيونغ يانغ بتطوير قدراته النووية والصاروخية وأصبح محصناً ضد المثيرات والعقبات على حد سواء. سقط ما يسمى بالإطار المتفق عليه – وهو اتفاق وُقِّع في عام 1994 يقتضي بإيقاف برنامج كوريا الشمالية النووي – في عام 2003 عندما تمّ الكشف عن أنّ بيونغ يانغ تقوم بانتهاك الاتفاق، تخلّت إدارة جورج بوش عن الإتفاقية وفضّلت خيار فرض عقوبات قاسية. ولم تؤدِ المباحثات المطوّلة إلى نتيجة تُذكر. وبحلول عام 2017، قدَّر الخبراء امتلاك كوريا الشمالية لعشرات الرؤوس النووية، وأنّها كانت تخزّن المواد اللازمة لتصنيع المزيد. كما بدأ الخبراء بالاعتقاد بأنّ كوريا الشمالية تمتلك صواريخاً قادرة على إيصال هذه الرؤوس النووية إلى أهداف يمكن أن تتجاوز حدود آسيا، وهو ما قد يمكِّنها من ضرب الساحل الغربي من الولايات المتحدة بحلول عام 2023.

مع بدايات تسلّم ترامب للرئاسة، حثَّ العديد من الخبراء والمسؤولين السابقين ترامب على وضع كوريا الشمالية ضمن أولوياته القصوى. لا يعتبر القبول بتفكيك كامل لبرامج الدولة النووية والصاروخية أمراً واقعياً في المدى القريب، حيث دعا معظم الخبراء لعمل مفاوضات يمكن أن تقدّم مجموعة من الحوافز الاقتصادية والضمانات الأمنية كمقابل لوقف أيّ اختبارات وتطويرات قادمة على مستوى التسليح. كما حاججوا بأن العنصر الأساسي في هذه المعادلة هو إقناع الصين، باعتبارها الدولة الوحيدة التي تمتلك القدرة على التأثير على كوريا الشمالية.

ولكن إدارة ترامب فضَّلت تبني موقفٍ أكثر صدامية. فحتى قبل تسلم ترامب لمنصب الرئاسة، وعندما توعَّد كيم بتطوير إمكانياته لضرب الولايات المتحدة بسلاح نووي، علَّق ترامب على موقع تويتر قائلاً: "لن يحدث هذا!" وفي 12 فبراير/ شباط 2017، أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً تجريبياً يبعد 310 ميل عن بحر اليابان أثناء وجود ترامب في اجتماع مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في قصر مارالاغو في فلوريدا. وفي صباح اليوم التالي، صرَّح أحد مستشاري ترامب ستيفن ميلر بأنّ الولايات المتحدة سترسل قريباً رسالة لكوريا الشمالية على شكل تطويرات عسكرية كبرى ستظهر "قوة عسكرية طاغية تتخطى حدود الخيال". وفي ذات الشهر، أعلن ترامب عن خطط لزيادة الإنفاق العسكري بـ 54 مليار دولار لعام 2018، وذلك على حساب تقليل مصاريف المجال الدبلوماسي. وفي مارس/ آذار 2017، سافر تيلرسون إلى آسيا وأعلن عن فشل "الجهود السياسية والدبلوماسية خلال الـ20 سنة الماضية" وأننا نحتاج إلى"توجّه جديد".

وبعد ذلك بشهور، حثت الانتقادات الإدارة الأميركية على المزاوجة بين تطويراتها العسكرية والعمل الدبلوماسي، ولكن ترامب لم يشأ القيام بذلك، حيث صرَّح وبشكل واضح بأنّ السياسة الأميركية قد تغيرت. وقال أنه لن يكافئ السلوك السيء، على عكس ما صنعه أسلافه مع إيران، وأعلنت الإدارة الأميركية في الصيف من عام 2018 بدلاً من ذلك أن كوريا الشماليا قد أصبحت "خاضعة للرقابة الرسمية." وبالرغم من توافق البيت الأبيض مع المنتقدين على أن الطريقة المُثلى للضغط على كوريا الشمالية ستكون عن طريق الصين، إلا أن هذه الطريقة قد فشلت نتيجة رفض بكين للتعاون في ظل رفع التعرفة الجمركية واتهامها بـ"سرقة" اقتصاد الولايات المتحدة.

وهكذا تطورت المشكلة في غضون سنتين من بداية حكم الإدارة الجديدة. استمرت كوريا الشمالية باختبار الصواريخ وتطوير المواد القابلة للانشطار. كما كانت تحرِّض على كوريا الجنوبية بين الحين والآخر، من خلال إطلاق الصواريخ على الأماكن الخالية وتوجيه بعضها للمناطق المائية القريبة. كما تصاعدت الحرب الكلاميّة بين بيونغ يانغ وواشنطن – حيث لم يتمكن المستشارون من ضبط لغة ترامب خلال ردوده على استهزاءات كيم المزعجة – وكرر ترامب، وبلغة أكثر إثارة على تويتر، تحذيره بأنه لن يسمح لبيونغ يانغ بتجربة الصواريخ العابرة للقارات التي يمكن أن يصل مداها إلى الولايات المتحدة.

عندما توصلت وكالات الاستخبارات لإشارات تدل على إقبال بيونغ يونغ على فعل ذلك، عقد مجلس الأمن اجتماعاً، وأطلع رئيس هيئة الأركان المشتركة الرئيس على الخيارات المطروحة. بإمكانه أن يضرب الصاروخ التجريبي وهو في الهواء، ولكن هذا ينطوي على مخاطرة باحتماليّة عدم إصابة الهدف، وفي حال لم تتم إصابة الصاروخ فإن ذلك قد يشعل ردود فعل عسكرية. كما بإمكان الرئيس عدم فعل شيء، ولكن هذا قد يقلل من قيمته ويشجع كوريا الشمالية على الاستمرار في التصعيد. أو بإمكانه تدمير الصاروخ التجريبي من منصة إطلاقه عن طريق توجيه الصواريخ عليه من سفينة كروز، مما سيسدّ الطريق أمام بيونغ يانغ لتحصيل السلاح النووي، وتدعيم الخطوط الحمراء المفروضة عليها، وتوجيه رسالة واضحة إلى باقي العالم. وتفيد المصادر من الاجتماع بأنّ الرئيس قد اختار الخيار الثالث وقال: "علينا العودة لربح المعارك مرةً أخرى".

التعلم من المستقبل

ربما تكون هذه التصورات المستقبلية بعيدة عن التحقق. فبالرغم من كل التهديدات والوعود بإحداث تغيّرات دراماتيكية عن الماضي، إلا أنّ السياسة الخارجية الأميركية يمكن أن تتحول وتتوقف عن ثوريتها أو تهورها كما يتخوف البعض. لقد أظهر ترامب قدرته على عكس المسارات، دون ندم، في العديد من القضايا، من الإجهاض وحتى حرب العراق، وقد يساهم تلقيه النصائح من مسشاريه الأكثر حكمة في تعديل نزوعه نحو السلوك الطائش.

ولكن من جهة أخرى، واعتباراً لما رأيناه حتى الآن من الطبيعة المزاجية للرئيس وأسلوبه في اتخاذ القرارات وسياساته الخارجية، فإن تلك التصورات ليست صعبة التحقق: إلا أن الكوارث السياسية الخارجية يمكن أن تحدث. تخيلوا لو أتى شبح من المستقبل وأعطى زعماء العالم في عام 1914 لمحةً عن الكارثة التي ستؤدي إليها سياساتهم، أو في عام 1965، حيث كان يمكن للرئيس ليندون جونسون أن يرى مآلات التصعيد مع فييتنام في العقود التالية. أو إذا ما أتى في عام 2003، كان سيدرك الرئيس جورج بشاعة نتائج غزو العراق. وفي كل الحالات، أدت القرارات غير الحكيمة والثغرات في التدابير والتفكير الرغبوي إلى كارثة لا يمكن أن تُرى مسبقاً، بل يمكن توقعها مسبقاً.

قد يكون ترامب محقّاً حيال الدور الذي ستؤديه التطويرات العسكرية الضخمة، وإبراز السمعة المتقلبة، وأسلوب التفاوض القائم على المراهنات العالية، ورفض التنازل الذي سيجبر الدول الأخرى على تقديم التنازلات، قد يؤدي هذا كله إلى جعل أميركا آمنةً مزدهرةً مرة أخرى. ولكن لا بد من التأكيد مرة أخرى أنه قد يكون على خطأ.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية