مع ازدياد المخاطر الفرنسية... ميلينكون يزلزل الأحزاب المتصدرة

مع ازدياد المخاطر الفرنسية... ميلينكون يزلزل الأحزاب المتصدرة
(أ.ف.ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

تحت زُرقةِ السماء الصافية في التجمع المطل على الماء، احتشد 30000 شخصاً في مرسيليا يوم الأحد، ليُظهِرَ لنا جان لوك ميلينكون لم أصبح صعوده في استطلاعات الرأي الفرنسية أمراً منذراً بتغيير المعادلة.

أثناء تقديمه للخطبة من دون وجود جهاز تلقين أو دفتر ملاحظات وباستخدام أسلوبه الأصيل الجامع بين الحس الفكاهي والغضب، قام المرشح الاشتراكي اليساري،  بإمتاع أسماع الحاضرين بشرور 'جناية الأسواق التي تحوِّل المعاناة والبؤس والهجران إلى ذهب ومال'. وقد وصف فرنسا بأنها دولة 'ذات ثروة عظيمة موسومة بسوء التوزيع'، واستنكر الضربات الأميركية على سورية ودعا فرنسا للخروج من حلف الناتو.

'هناك حماسة جديدة تشعل عزيمتنا'، هكذا صدح الخطيب المؤثر، المشهور بخطاباته الموزونة، أمام الجماهير المنصتة. هتفوا له وحيوه، وصرخوا بكلمة 'مقاومة'، وعزَّز خطابه بذكر عصور اليونان والنهضة والثورة.

أوصلت هذه الخطابات التي يلقيها المرشح ذو 65 عاماً والمناصر للرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز والكوبي فيدل كاسترو إلى أقرب نقطة بالنسبة له لرئاسة فرنسا. حيث أظهرت الاستطلاعات أن ميلينكون أصبح بين الأربعة مرشَّحين الأقرب للوصول للمرحلة الثانية في الانتخابات الفرنسية، مع وجود إمكانية حصوله على كمية كافية من الأصوات في 23 نيسان/ إبريل تؤهله للعبور للجولة الثانية. ومع خطته الداعية لتجاوز مِحَن الاقتصاد الفرنسي، سوف يقوم ميلينكون بقلب المعادلة.

العلاوة التي تدفعها فرنسا لألمانيا على قرض الـ10 سنوات قد ارتفعت لـ 75 من نقاط فوائد يوم الأربعاء بعد أن كانت أقل من 60 نقطة في أواخر شهر آذار/ مارس. قال المحللان ألين تشولينغ وكيم لوي من بنك 'إيه بي إن أمرو' أن صعود نجم ميلينكون يمثل 'خبراً سيئاً بالنسبة للعلاقات الفرنسية'.

أظهر استطلاع لمؤسسة كانتر سوفريس في آخر الأسبوع حصول ميلينكون على المركز الثالث بنسبة 19%، أي بفارق نقطة عن فرنسوا فيون الذي كان متصدراً مرة في السابق. كما أظهر الاستطلاع تعادل المرشحة اليمينية مارين لوبان والمرشح الوسط إيمانويل ماكرون بنسبة 24% حيث احتلوا صدارة الأصوات، وهو ما يعزز إمكانية فوز ماكرون بالجولة الثانية في 7 أيار/ مايو. كما أظهرت استطلاعات أخرى وجود ميلينكون على نفس مستوى فيون أو أقل منه، ولكن حتى هذا يعتبر صعوداً بارزاً له خلال الأسابيع القليلة الماضية. وبحسب استطلاع لمعهد إفوب، فقد حصل ميلينكون على نسبة 17% في 7 نيسان/ إبريل، أي ازداد بنسبة 10.5% عن استطلاع 17 آذار/ مارس.

كتب بيل بلين، الخبير الاستراتيجي في شركة مينت التجارية في لندن، يوم الأربعاء أنه في حال وصل كل من ميلينكون ولوبان إلى المرحلة الأخيرة، 'فستواجه فرنسا خياراً صعباً بين شيوعية عتيدة وفاشية جامحة'.

الصعود المتقلب

أدى الصعود المستمر لميلينكون إلى جعل الانتخابات الفرنسية المتخبطة واحدةً من أكثر المنافسات تقلُّباً في التاريخ المعاصر. يمتلك المرشح اليساري شعوراً عالياً بالولاء، وشغفاً بما يقوم به كما هو الحال مع لوبان المعادية للهجرة وللنزعة الأوروبية. وبالرغم من تباعدهما، إلا أن إمكانية حصول مواجهة بينهما لم تعد أمراً مستبعداً.

يقول مدير معهد أودوكسا لاستطلاعات الرأي غيل سليمن 'أن الصعود المفاجئ لجان لوك ميلينكون قد أعاد خلط جميع الأوراق في هذه الانتخابات' ويضيف أنه 'خلال الأسبوعين القادمين، ما زال لدينا أربعة مرشَّحين مؤهَّلين للفوز، وهو ما لم يحدث من قبل'.

بحسب ما أوردته صحيفة لوموند يوم الأربعاء، فإن الرئيس الحالي فرنسوا هولاند يخشى من كون منافسة لو بان وميلينكون في المرحلة الحاسمة لا تُعطي مؤشرات عن المرشح الأقرب لتسلم الرئاسة.

ومع اقتراب إمكانية وصول ميلينكون لمنصب الرئاسة، ينجذب أتباعه  لمواقفه الواضحة المعادية للعولمة والنهج العسكري الغربي.

'يمتلك ميلينكون الأفكار الأنسب للبلاد'، هكذا يقول تاتشيفين هوكيم، عامل صاينة وموسيقي يبلغ من العمر 46 عاماً، خلال حملة لميلينكون في مدنية لو هافر في 29 آذار/ مارس.

خطة محفِّزة

يقول هذا المرشَّح، والذي كان موقفه واضحاً ضد خطة التقشف الخاصة بالاتحاد الأوروبي، أن برنامجه الانتخابي يدعو إلى برنامج تحفيزي يُقدَّر بـ 100 مليار يورو وإلى إعادة النظر في الاتفاقيات الأوروبية بحيث تحصل فرنسا على قدرة أكبر بالتحكم في اقتصادها؛ والعديد من القضايا التي تتصل بموضوع الاستمرار بعضوية الاتحاد الأوروبي.

كما سيصعِّب عملية طرد الموظفين بالنسبة للشركات، وسيقلل من الحوافز المادية للمسؤولين، وسينسحب من اتفاقيات التجارة الحرة. ويرمي أيضاً لزيادة الحد الأدنى للأجور في فرنسا بنسبة 15% وتقليل سن التقاعد إلى 60 عاماً وبراتب تقاعد كامل. كما سيعمل على إعادة تأميم شركة الكهرباء الفرنسية (Electricite de France SA) وشركة إنجي، وسيوقف بناء المفاعلات النووية الجديدة.

وبحسب ما نُقِل عن أحد المحللين في شركة كريديت سوس يوم الثلاثاء، 'إن وصول ميلينكون للرئاسة لن يؤدي على الأرجح لتحقيق أغلبية في البرلمان من مناصريه، وهو ما سيجعل تطبيق برنامجه أمراً صعباً بالنسبة له'.

الانتصار في المناظرة

لم  يُعِق هذا من تصدُّره، فقد ارتفع صيته بعد مناظرة 20 آذار/ مارس التي دارت بين أبرز خمسة مرشَّحين، حيث كان ميلينكون في المقعد الخامس. وقد تفوق فيها على مرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون واعتبرته استطلاعات ما بعد المناظرة أنه صاحب أفضل أداء بعد ماكرون. كما اُعتُبِرَ كأحد أكثر المرشحين إقناعاً من بين الـ 11 مرشحاً خلال مناظرة 4 نيسان/ إبريل.

يأتي هذا الأداء – والذي يدمج فيه ميلينكون السخرية بالغضب خلال استنكاره للوضع الاقتصادي الفرنسي – في الصدارة بالنسبة للاستخدام الناجح لشبكات التواصل الاجتماعي. فكما هو الحال مع السيناتور بيرني ساندرز خلال الانتخابات الأميركية، يمتلك ميلينكون – وهو الأكبر عمراً من بين المرشَّحين التصدرين – أكبر حضور على الإنترنت كما يحظى بقاعدة شعبية واسعة بين فئة الشباب.

نجم شبكات التواصل الاجتماعي

يمتلك ميلينكون أفضل موقع يرعى حملةً انتخابية في فرنسا، كما يحظى بأكبر قدرٍ من المتابعين والمعلِّقين والمشاهدين على موقع اليوتيوب، وذلك بحسب ما نشره موقع دينتسو (Dentsu). كما تضمنَّت حملته الانتخابية العديد من اللمسات الفنية كاستخدام الصور المجسَّمة للتعريف بالحملات الانتخابية بشكل فوري، كما شوهد باعتصام في مطعم ماكدونالدز وهو يشارك المعتصمين المطالبين برفع الرواتب.

يقول عنه مدير معهد أودوكسا أنه 'أصبح نجم شبكات التواصل الاجتماعي بلا منازع'.

وبحسب معهد إفوب، فإن 71% من الفرنسيين يقيِّمون حملة ميلينكون بالـ'جيدة' والـ'جيدة جداً'، حيث تفوق على ماكرون الذي حصل على نسبة 61%. وبالنسبة للمصوتين دون سن الـ35، يقول معهد إفوب أن 23% منهم يخطط للتصويت لميلينكون، في حين آثر 27% منهم الرغبة بالتصويت لماكرون صاحب الـ 39 عاماً، وقد تصدَّر كلاهما باقي المرشحين.

يقول إدوارد ليكريف، رئيس قسم الدراسات السياسية في مؤسسة كانتر، أن 'لدى ميلينكون حملات انتخابية مدهشة، ويحسن أداء الدور في المقابلات، كما يقدم معارضة صلبة.'

مسيرة سياسية

لقد كانت رحلة طويلة وصعبة للوصول لهذه النقطة بالنسبة لابن موظف بريد ومعلمة، يعود كلاهما لأصول إسبانية وإيطالية ممن هاجروا إلى الجزائر الفرنسية مع بداية القرن. وقد ولد ميلينكون في طنجا، المغرب، عندما كانت منطقة دولية.

انتقل ميلينكون إلى فرنسا بعمر 11 عاماً، درس الفلسفة، وعمل في عدة وظائف كالصحافة والتصحيح اللغوي، وانخرط في التيار السياسي التروتسكي. انضم ميلينكون للحزب الاشتراكي في عام 1976 عندما كان عمره 25 عاماً، وانتخب للعديد من المناصب التشريعية على الصعيد المحلي والوطني والأوروبي. كان نائب رئيس في قسم إسونا جنوبي باريس بين عامي 1998 و2004، كما عمل كوزير شاب في وزارة التعليم بين عامي 2000 و2002. خرج من الحزب الاشتراكي في عام 2008، معتبراً أنهم أصبحوا متصالحين مع التوجه التجاري، ثم قام بتأسيس حزب اليسار.

أحد مؤشرات نجاح ميلينكون هو أن المرشَّح الذي قام بتجاهله مرة قد أصبح يهاجمه الآن. ففي أثناء خطاب لميلينكون في مارسيليا، قال فيون خلال حملة له في باريس أن السياسة المالية التي يتبناها سوف تحول فرنسا إلى اليونان.

'قائد البوتيمكين'

يقول فيون، 'يحلم ميلينكون بأن يكون قائد البوتيمكين، ولكن سينتهي به الحال كبائع لحطام التايتانيك'، مشيراً للسفينة الحربية القيصرية التي استولى عليها متمردون شيوعيون. وفي يوم الإثنين، قال ماكرون أنه لا يشارك رؤية ميلينكون للسلام إذا كان يعني به 'السلام على طريقة فلاديمير بوتين'.

إن النتائج التي حققها ميلينكون – الذي حقق نسبة 11% في الجولة الأولى من انتخابات 2012 – كانت في معظمها على حساب هامون. وهذا، بحسب ما تقوله استطلاعات الرأي، قد يحد من أي إمكانيات أخرى للصعود أكثر. ففي آخر استطلاع لمعهد إفوب، حقق هامون ما نسبته 9.5%، أي أقل بـ 13.5% عن قبل المناظرة الأولى. لقد تأثر مرشح الحزب الاشتراكي سلباً بسبب ضعف شعبية الرئيس هولاند.

يقول جيروم فوركو، مدير قسم دراسات الرأي في معهد إفوب:'قام ميلينكون بإزاحة هامون بعيداً مرةً بعد مرة، ولكن قد لا تكون هناك فرصة لإزاحته أكثر من ذلك'. حيث لم يختلف مجموع الأصوات التي حققوها في الاستطلاعات كثيراً خلال الشهرين الماضيين.

يقول جيروم جيفري، الباحث في قسم العلوم السياسية في معهد كيفبوف، أن ميلينكون سيتراجع إذا ما التفت المصوتون إلى برنامجه الانتخابي، بدلاً من إنجذابهم نحو شخصيته وضعف حملة هامون الانتخابية.

يقول جيفري:'عليه أن يحصِّلَ 100 مليار يورو من أجل استثماراته، كما يريد رفع الضرائب، وينادي بمسائلة جميع الاتفاقيات الأوروبية، مما يعني مسائلة أوروبا نفسها'، ويضيف قائلاً، 'وهذا ما لا يريده معظم الفرنسيين'.

ملف خاص | العودة إلى المدارس