عن الناس الذين يساعدونك على الموت بشكل أفضل!

عن الناس الذين يساعدونك على الموت بشكل أفضل!

(ترجمة خاصة: عرب 48)

قبل ثلاثين عاماً، واجه طبيب تخدير شاب، عُيِّن حديثاً رئيساً لقسم مستشفى كلية الطب في كاليكوت الواقعة في ولاية كيرالا الهندية، حالةً غيرت حياته بعدها إلى الأبد.

تم إحالة بروفيسور بعمر 42 سنة مصاب بسرطان اللسان إليه عن طريق أخصائي أورام، كان الرجل يعاني من آلام شديدة وطلب من طبيب التخدير الدكتور م. ر. راجاكوبال إن كان بإمكانه المساعدة. فحقنه بمخدر قوي في عصب الفك – الموجود في حنكه – في إجراء معروف بـ" تخدير العصب"، وطلب من المريض أن يعود إليه بعد 24 ساعة. وفي اليوم التالي كان الألم في حالة انحسار شبه كاملة، وفرح د. راج بعمله.

"لقد سألني متى يجب أن يعاود زيارتي، فأخبرته أن لا حاجة له بذلك، إلا إذا ما عاوده الألم. ظننت أنه سيكون سعيداً بأني أزلت عنه الألم، ولكن ما حصل أنه عاد إلى المنزل وقتل نفسه في تلك الليلة".

وتبين فيما بعد أن أخصائي الأورام قد تجنب إخبار المريض أن السرطان قد وصل إلى مراحله الأخيرة، وأخبره بدلاً من ذلك أنه سيحوِّله إلى العلاج.

"كان كافياً أن أقول له أن لا حاجة لعودته لي مرة أخرى ليستنتج مباشرةً أن إصابته بالسرطان لا يمكن علاجها، فعاد إلى منزله ليخبر عائلته أنه قارب على الرحيل".

مد د. راج يده لكأس من الماء. نحن نجلس في منزله البسيط في تريفاندروب، عاصمة الولاية المليئة بالأشجار، حيث يسكن حالياً مع زوجته تشاندريكا طبيبة الباثالوجي (علم الأمراض). يسطع مقابلنا طبق مليء بالجاك فروت (الكاكايا) الصفراء في ضوء ما بعد الظهيرة، وتدور مروحة من فوقنا.

دفعت هذه التجربة بالدكتور راج أن يعود لمراجعة ممارساته، فبالإضافة لدوره كطبيب التخدير في أن ينوِّم المرضى للعمليات الجراحية، فإن دوره يتمثّل أيضاً هو علاج الألم. فتسائل الدكتور عن الشيء الذي افتقده في تجربته.

"كان الألم في هذه الأيام يعمّ أرجاء المستشفى. كان في كل مكان، لقد تظاهرنا بعدم رؤيته، ولكنه كان هناك. لقد كنا نقتصد في استخدام حُقَنِ المورفين، نستخدمها بعد العمليات الجراحية وللمرضى المصابين في الحوادث. ولم نتسعملها مرة في حالة آلام السرطان".

يتأقلم الطاقم الطبي مع المعاناة بالطريقة نفسها التي يتأقلمون فيها في كل مكان. "لا أحد يعلّمك ذلك، ولكنك ستتعلم لوحدك أن ترى المرض فقط، لا الإنسان المصاب به. فإذا بدا لك بأنه إن لم بوسعك فعل شيء فسيكون من السهل أن تدير ظهرك".

واجه د. راج حالتين مرضيتين تواجهان الموت، عندما كان في عمر 18 في سنوات دراسته الأولى في كلية الطب، سكن بالقرب من رجل مصاب بسرطان الغدد العرقية في مراحله الأخيره. "لقد كنت أسمعه يصرخ في الليل، لقد كانت جلدة رأسه مليئة بالنُدَب. علِمت العائلة أني طالب طب وطلبت مني فعل شيء، وفي الحقيقة لم أدري ما الذي يمكنني فعله؛ لقد كنت عاجزاً. أشعر بالخزي أني لم أعد لزيارته فيما بعد، لم أكن أريد الذهاب إليه لكي أشعر بالعجز مرة أخرى".

وفي تجربة لاحقة، كان د. راج مشرفاً على مريض مصاب بالغرغرينا في أصبعه وقد كان يعاني من ألم فظيع. "لقد سألت رئيس قسمي إن كان بإمكاني حقنه بمخدر أعصاب، ولكنه رفض؛ لم يكن ذلك ضمن الإجراءات العلاجية وكان هناك نقص في أخصائيي التخدير. كان علي أن أخبر الرجل أنني لا أستطيع فعل شيء، لا زلت أذكر نظرات اليأس البادية على وجهه".

عندما أصبح د. راج رئيساً لقسم كاليكوت، لم يعد هناك أحد يستطيع أمره بما يجوز فعله أو ما لا يجوز. ومن هنا تمكن من التصرف مع البروفيسور المريض، ولكن انتحار مريضه أظهر له أن علاج الألم لم يكن كافياً.

"لقد أدركت أن حصر تفكيري بتخدير العصب كان تفكيراً ضيقاً، فالألم ما هو إلا العنصر الظاهر من المعاناة الداخلية، ما كان غائباً عني هو هذا الجزء الواقع أسفل السطح: الشعور باليأس والإحباط، القلق على الرزق وعلى الأطفال. هذا ما يهتم به مسكِّن الألم، لقد فقد ذلك الرجل الأمل من حياته ليساعدني على فهمها".

نتمنى جميعاً موتاً هادئاً خالياً من الألم، والقليل من يستطيع الوصول لذلك. بالنسبة لكل الناس عبر العالم، فإن العام الآخير من الحياة مشوب بمعاناة شاملة لا داعي لها، يحتاج 40 مليون شخص على الأقل إلى عناية بتسكين الألم كل عام، ولكن نصف هذا العدد فقط يتلقَّى هذه العناية، وذلك بحسب ما نشره الاتحاد الدولي الطبي لتسكين الآلام.

تقبع الهند في أسفل المقياس العالمي للحصول على الرعاية ما قبل الموت وبرتبة 67 من أصل 80 دولة عام 2015 – ولكن كيرالا تعتبر استثناءً من ذلك، فهذه الولاية الصغير الخضراء الخصبة في جنوب غرب الهند تحوي ما نسبه 3% فقط من سكان الهند ولكنها تقدم ثلثي خدمات العناية التسكينية الصحية في البلاد. لقد استطاعت خلال العشرين سنة الماضية تحقيق التنمية والتطور، وذلك بفضل المجتمع المحلي وبدعم نظام مميز من المتطوعين. يعتبر البعض أن ذلك يعود للروح الجماعية القائمة في تفاعل المجتمع وأن هذا هو سر تفوقها في مجال العناية التسكينية للألم، وهو ما يعتبر أمراً يصعب استنساخه في مكان آخر.

ولكن د. راج – وهو أحد المساهمين في هذه الحركة – لا يتفق على ذلك، "تعم، إن قوة تضامن المجتمع مهمة، ولكن هل كيرالا هي البقعة الوحيدة في العالم التي تحتوي على أناس متعاطفين؟ هل كيارلا هي المكان الوحيد التي حظي أفرادها بالنجاح المادي ثم أرادوا أن يقوموا بشيء ذا معنى في حياتهم؟"

أدرك د. راج، البالغ من العمر 69، وهو بكامل شبابه أن علاج الألم ودعم الموت لا يمكن تحقيقه فقط من خلال طاقم طبي، لقد كانت الحاجة ماسة جداً، وستعتمد على جهود المتطوعين والتزامهم.

في عام 1993، وبعد التحاقه بدورة تقدمها ممرضة إنجليزية تُدعى جيلي بيرن، أسس هو وزميله سوريش كومر مجتمع العناية التسكينية للألم في كاليكوت، وهي مدينة تقع في شمالي كيرالا، وذلك برفقة صديق نشيط يدعى أشوك كومار، وهو يدير مشروعاً للطباعة ويقدم منظور عامة الناس.

يقول د. راج: "يضع كل منا 250 روبيه، أي ما يعادل 10 جنيه إسترليني"، "وقد وجدنا متطوعتين شابتين لديهما أطفال في المدرسة، وذلك للعمل على تسجيل المرضى والجلوس والحديث معهم، ثم آتي بعد العمل لرؤيتهم".

وقد انطلق المشروع بعد تبرع بيرن – والذي يدير منشأة لعلاج السرطان في الهند - بـ 100000 روبيه (ما يعادل 4000 جنيه استرليني في أوساط التسعينيات)، ومكننا من تعيين أول طبيب، وزودنا مستشفى كاليكوت بممرضتين.

"لقد حظي المشروع بانتباه الناس سريعاً. كنا نعمل في المستشفى في بحر من المعاناة، ولكن في العيادة كنا  قادرين على رؤية الناس يبتسمون ويتحدثون ويجدون الراحة".

وخلال عام تم استنساخ التجربة – عن طريق طبيب التقى به د. راج في قطار وعن طريق طالب أراد فتح عيادة في مدينته، ومن هنا بدأت العجلة بالدوران.

ولكن كانت هناك قيود، وقد برزت عندما قام رجل شاب باستجداء المساعدة لوالدته، والتي كانت تعاني من آلام فظيعة، وهي تسكن في منطقة معزولة حيث لا توجد شوارع ولا تستطيع الحركة. وعندما أخبر كومر الرجل أن الطبيب لا يمكن يتخذ قراراً بدون رؤية المريض انهار الرجل بالبكاء، فتعاطف معه كومر وأخبره أنه يمكن لأحدهم أن يأتي، كانت هذه أولى زيارة منزلية، وقد ازداد هذا النوع من الطلبات، ثم تبرع أحدهم بسيارة.

لم يتمكن الأطباء الذي يعملون في أوقات فراغهم من تلبية هذه الطلبات لوحدهم، فقد اعتمد تنظيم العيادات والزيارات المنزلية على المتطوعين، ولكن المتطوعين يعملون أيضاً كحلقة وصل بين مجتمعهم وتقديم الخدمات؛ فهم يعرفون من المريض ومن أين يطلبون المساعدة. ومع مرور الوقت أصبحوا منخرطين أكثر وأكثر. ساعد بعضهم بالمهام التمريضية من خلال تدريبات بسيطة، ولكنهم عملوا أكثر في تقديم العناية الاجتماعية والدعم وسماع الشكاوي.

وبحلول عام 2000، أصبح هناك 30 مجموعة عناية تسكينية في شمالي كيرالا، يعمل عليها متطوعون وتدعمها أفرقة طبية متنقلة. واليوم – وبالرغم من عدم وجود وجوه رسمية – يقدِّر د. راج وجود 300 مجموعة متطوعة عبر الولاية، حيث تقدم العناية التسكينية للمرضى في منازلهم، ويتعرفون على حاجاتهم ويساعدون لإيصالحهم إلى سبل العناية الطبية ويبذلون قصارى جهدهم لذلك.

تظهر كيرالا اليوم في موقع منظمة الصحة العالمية للعناية التسكينية للألم وتعمل كحاضنة للزوار من أنحاء العالم ليتعلموا كيفية فعل ما تفعله.

تكمن نقطة قوة هذه المجموعات في أنها نمت بشكل طبيعي، ومن داخل مجتمعاتها، وبطلب شعبي، وبالتالي فهي تحظى بدعم محلي كبير. إنهم يحظون بدعم مالي كبير من المتبرعين المحليين، بعضهم يتبرع بمبالغ ضئيلة تصلى ل10 روبيات في الشهر.

إنهم يستكملون عمل الـ 167 مؤسسة مرخصة لتوزيع المورفين والـ900 لجنة الحكومية – المجالس الممولة أو المجالس المحلية، التي توظف ممرض يقدم العناية اللازمة – حتى يتمكنوا من زيارة مريض مرة في الشهر.

ثلاثين كم خارج تريفاندروم، في مقاطعة أزهامالاكال، يتجاوز الباص الأبيض، الذي يحمل الفِرّق المجتمعية، الطريق المغلق ويعبر المسارات الوعرة نحو مجموعة من المنازل التي تختفي خلف الأشجار الكثيفة. يدخل الفريق المكوَّن من طبيب وممرض ومتطوعين إلى المنزل حيث يستلقي سوريندران الذي يبلغ من العمر 50 عاماً والمغطى بالضمادات عارياً حتى خصره، ويغطي نصفه السفلي بملابس ممزقة، صدره مهترئ، يده النحيلة جداً ملقاة على رأسه ويتنفس بصعوبة وألم. لقد وصل إلى المراحل الأخيرة من سرطان الرئتين، ولم يتمكن في آخر أسبوع من تناول الطعام أو ابتلاع السوائل وأقراص المورفين. هناك روزنامة معلقة على الجدار الإسمنتي، تحت ضوء خفيف وعباءة تغطي الشباك، وتقف زوجته ميني على طرف السرير.

يضع د. راج يده على ذراع سوريندران ويوضح له – وهو يبتلع بصعوبة – أنه يجب أن يبقى هادئاً كي يعالج ألمه باستخدام المورفين، سيعلم الممرض ميني كيفية عمل ذلك، ويسأل د. راج إن كان لديهم أية أسئلة. يقول سوريدران "هل يمكنني الخروج من هذه الحالة؟"، تتدخل ميني قبل إجابة د. راج: "نعم بالتأكيد تستطيع، سوف تتحسن."

يشك د. راج في كونها مدركة لحقيقة الأمر، ولكنه يقرر عدم الدخول معها في نقاش عن هذا الموضوع، قلقاً من ردة فعلها على ذلك، ويشير لاحقاً أنه الجرعة الزائدة من الدواء يُمكن أن تؤدّي إلى أذى كبير، ولكنّ الكلمات غير المختارة بعناية يُمكن أن تؤذي أيضاً. رجل لماح، بعيون جميلة وشارب أنيق، يأتي دائماً ليمسح بيده الناعمة على جبين المكلوم، يرتدي قميصاً أزرقاً وصندل، يهدئ صوته المريح وأسلوبه المحترم من نفوس المرضى قبل الاستماع لقصصهم وقبل توزيع المهام على الفريق الذين يلتزمون لكلامه.

يقول "نحن نساعد الناس على العيش في المنزل والموت في المنزل، معظم الناس يريدون ذلك." ولكن حالة سوريندران صعبة جداً، ومعاناته قاسية. لذا ألح د.راج على ميني أن تحضره للمدينة، حيث وجد مجموعة من الأسرَّة الطبية، ترد ميني أنها لا تستطيع ترك ابنتها ذات 17 عاماً لوحدها هنا، فيقترح عليها د. راج أن تأتي بها أيضاً. وبالرغم من الدعم الذي يقدمه الجيران في العادة، إلا أننا لم نرى شيئاً من ذلك في هذه الحالة بعد سماعهم بإصابة سوريندران بالسرطان، ولكن ميني قالت أنها ستتولى ذلك، وسيقوم المتطوعون بالمساعدة في ترتيب الرحلة.

المجموعة التي تقدمت بطلب الزيارة المنزلية تدعى سانجامام، وتعني "الملتقى"، وقد بدأت قبل أربع سنوات عن طريق ديليب ذو 43 عاماً، وهو مدير متجر أصباغ، وقد توفيت زوجته بالسرطان. إنه واحد من 11 شخصاً يجوبون أراضي تريفاندروم خلال العقد الماضي. وهم يتلقون دعمهم من بايليوم إنديا (Pallium India) – المنظمة التي أسسها د. راج عام 2006 بعد استقالته من الخدمة الطبية في الحكومة وانتقاله للعيش في المدينة – والتي قدمت خدماتها للفريق الطبي المتنقل.

تعتبر مجموعة سانجامام من أنجح المجموعات، وهي تتضمن 12 متطوعاً نشطاً و50 آخرين جاهزين     للخدمة عند الحاجة، ويتم تمويلها من تبرعات المجتمع المحلي. وكان الأصدقاء في هذه الحالة كرماء كفاية ليمكنوا ديليب من تعيين ممرض وشراء أرض، حيث يأمل أن تبنى عيادة هناك. وقد خصص المجلس المحلي 50000 روبية كل عام من أجل الأدوية، "لأنهم مقتنعين بأننا نقوم بعمل جيد" كما يقوم ديليب.

تمكنت مجموعة باليوم إنديا، وبفضل متطوعي سانجامام، من اكتشاف حالتين جديدتين في صباح ثلاثاء من شهر كانون الثاني/ يناير. الأولى هي امرأة بعمر الـ 55، والتي تم استئصال لسانها قبل شهر بسبب السرطان، وهو ما تسبب لها بآلام فظيعة في رقبتها إلى حد عدم قدرتها على النوم. مرتدية لباساً زهرياً اللون، تنهار المريضة بالبكاء بعدما أفصحت عقب أسئلة د. راج الحذرة أنها تجادلت مع إبنها واختصما بسبب قطعة أرض، ليرحل عنها بسبب ذلك. علِمَت المتطوعة من الجيران أن الابن يخطط للزواج وأنه لم يخبر والدته، لتتولى مهمة التواصل معهم للوصول إلى نوع من المصالحة. العناية التي يقدمونها ضمن هذا التصور تهدف إلى علاج الآلام العاطفية بالإضافة إلى الآلام الجسدية.

ما كشفته كيرالا، وهو ما تأخّر العالم عن إدراكه حتى اليوم، أن تقدير حجم الحاجة للعناية لا يمكن تحقيقه من خلال المتخصصين وحدهم. تقدم حركة التكية في المملكة المتحدة معايير ذهبية من العناية في لحظات ما قبل الموت، ولكن فقط نسبة 4% من حالات الموت تحدث في التكايا. بحسب ما تشير إليه بعض الاستطلاعات، فإن 3 من كلّ 4 من الأشخاص يفضلون الموت في منزلهم، ولكن أقل من الربع لا يفضل ذلك.

تقول جوليا ريلي، المستشارة في مستشفى ماردنس الملكي في لندن، والأستاذة الزائرة في معهد الابتكار الصحي العالمي  في كلية إمبريال: "تقوم التكايا بأمور عظيم – ولكن لا يوجد منها بما فيه الكفاية، علينا أن نقدم المزيد من الخدمة للمجتمع – يمكن عملها في المنزل. 10% فقط من الناس المثقلين بالمريض يحتاجون لعناية تسكينية حثيثة، فيما يحتاج الباقي لعناية عامة.

"العناية التسكينية رخيصة جداً، نستطيع عمل الكثير، فيما يتعلق بالقطاعات الطبية الأخرى، لما هو قليل. منح الناس موتاً مريحاً هو أمر مهم لهم ولعائلاتهم أيضاً."

ويقول ماكس واتسون، مستشار العناية التسكينية في تكية شمالي إيرلاند والأستاذ الزائر في جامعة أولستر أنه في المملكة المتحدة يزداد عدد الوفيات بالنسبة لجيل المولودين في ما بعد الحرب، ويضيف قائلاً "إن الاستمرار على هذا الطريق –بالاعتماد على التكايا والمتخصصين – ليس مجرد رأي"، ويشير إلى أنه "من المهم جداً عدم احتكار المعرفة التخصصية، فنحن نحتاج إلى جمع المعتنين والمجموعات التطوعية والتمريض المنزلي بالمرضى حتى يتمكنوا من تحقيق عناية جيدة في ما قبل الموت. معظم هؤلاء المساعَدين يتجاوزون الـ60، إنهم مورد عظيم ونحن لا نستفيد منهم كما يجب".

في الولايات المتحدة، ينتشر هذا النوع التكايا بشكل أكبر، فـ45% من الأميركيين الذين قاربوا على الموت في عام 2010 تلقوا العناية من هذه التكايا، وأكثر من نصفهم حصل عليها في المنزل. وهذا من أعلى المعدلات بالعالم بحسب ما ذكره أتول جاوانده في كتابه "أن تصبح عرضة للموت". ولكن من المعروف أن الإنفاق في النظام الصحي الأميركي هو أمر خارج السيطرة، ويتجاوز كثيراً حالة الإنفاق القائمة في النظم الأوروبية.

ولكن نموذج كيرالا أصبح يلفت انتباه العالم، حيث توصف المجموعات التطوعية المقدَّرة بـ300 مجموعة بأنها شبكة. قد يعني هذا – خطأً – أن هناك منظمة تربطهم، ولكن الحقيقة هي أنها سلسلة من الشبكات التي نمت بطريقة طبيعية من داخل المجتمع وحيثما وجد المجتمع الحاجة لذلك. إحدى أكبر هذه المجموعات هي الشبكة المحلية القائمة في شمالي كيرالا، والتي يديرها سوريش كومر زميل د. راج.

في تريفاندروم، تقدم باليوم إنديا – التي تتكوّن من ستة أطباء وخمسة عاملين اجتماعياً و20 ممرضاً – خمسة مجموعات متنقلة لتدعم 11 مجموعة محلية، كما تدير عيادة خارجية ووحدة داخلية مكونة من 17 سريراً في مستشفى أرومانا في المدينة، وتقدم الخدمات الطبية الخارجية في أربعة مستشفيات حكومية.

قامت المجموعات المتنقلة بعمل 6397 زيارة منزلية خلال عام 2016. بعض المرضى في حالة جوع وتقوم باليوم إنديا حالياً بتزويد 225 عائلة بمونة غذائية شهرية، حيث تحتوي على لوازم أساسية، كما تدعم تعليم 300 طفل، وذلك بالإضافة لتزويد الأدوية المجانية.

إن العمل على تأسيس المجموعات التطوعية قد بدأ مع التحاور مع السكان المحليين، وتوضيح أن المستشفيات ليست مكاناً جيداً للموت وأن العناية بالأمراض المستعصية هي مسؤولية المجتمع. توسعت فكرة العناية التسكينية لتشمل الأمراض المزمنة ومرضى الشلل، كالناجين من الصدمات والأشخاص الذين يعانون من مضاعفات السكري، كالعمى والبتر، والتي يعاني منها أكثر من نصف المرضى.

بمجرد تشكل مجموعة ما تقوم باليوم إديا بتشجيع المنظمين على تسجيل اعتمادها؛ وذلك من أجل تحقيق الشفافية والحصول على تخفيضات ضريبية على التبرعات، كما توفر لهم الدعم من خلال زيارات اعتيادية من قِبَل طبيب أو ممرض، ولكن الهدف هو أن تقوم المجموعة بمهامها لوحدها وبشكل كامل.

تكمن قوتهم هو انتماءهم للمجتمع الذي يمثلونه، ولكن غياب هيكل تنظيمي يعتبر نقطة ضعف، فهو يعني غياب آليات نشر الفكرة لباقي أجزاء كيرالا أو المناطق الأخرى في الهند، فالنمو الطبيعي هو نمو بطيء.

وبعيداً عن إحباطات ضعف التوسع، قام د. راج بتأسيس باليوم إنديا لتقوم بدور الوكالة التي تنشر العناية التسكينية بتوسع وخارج حدود الولاية. يقول د. راج: "ما حصل هو أن كيرالا ولاية جميلة، ولكننا لا يجب أن ننحصر فيها، وكأننا عشنا 1000 سنة قبل أن نصل إلى راحة عالمية للألم (في محيط الهند)."

بفضل المعونات التي قدمتها المؤسسات وتبرعات الداعمين ومساعدة مجموعة تاتا، تمكنت باليوم إنديا من تأسيس 23 مركز للعنايا التسكيني عبر الهند من خلال تقديم الدعم المادي الأولي للمجموعات المهتمة وتدريب الأطباء والممرضين وتقديم الدعم.

كانت كيرالا رائدة بطرق أخرى أيضاً، فقد قامت حكومتها بإطلاق أول سياسات رسمية للعناية التسكينية في عام 2008، والتحقت ماهاراشترا وكارناتاكا بهذه المنظمة تم نشر استراتيجية وطنية للعناية التسكينية في الهند في عام 2012. صاغت مجموعة تابعة لباليوم إنديا قائمة بالمعايير الأساسية، حيث تتضمن 10 أيام تدريبية على الأقل في العناية التسكينية لكل من الأطباء والممرضين، وتوريد مستمر للمورفين، وتوثيق سجلات آلام المرضى.

ولكن د. راج – والذي أدار هذه الاستراتيجيات – غير راض ذلك، "أشعر بالانزعاج عندما يتباهى مجتمع العناية التسكينية بما حققناه، فنحن لم نصل لما نريده بعد، 99% من سكان الهند لا يمتلكون وسيلة للوصول للعناية التسكينية".

ولكنه يتوقف ليعيد النظر بهذا التقييم السلبي ليقول "حسناً، إذا أردت أن أكون متفائلاً فيمكنني أن أقولها بطريقة مختلفة، 1% من الناس قادرون على الوصول للعناية التسكينية، وهم يقدرون بـ12 مليون شخص".

الأمر المركزي في تطور العناية في ماقبل الموت هو تسكين الألم، ولكن حتى هذا لم يتم تحقيقه بكل مرض. تعتبر الهند من أكبر المنتجين الشرعيين للأفيون الطبي، ولكن معظمه يصدَّر للغرب، حيث يستهلك أكثر من 90% من المورفين في شمالي أميركا وأوروبا، في حين تستهل الدول متوسطة ومحدودة الدخل مجتمعة ما يعادل 6% فقط.

المورفين مادة سهلة ورخيصة الإنتاج، ليست التكلفة هي الأمر الذي يعيق وصوله، ولكنها القوانين، فقد تم تشديد المنع على المورفين في الهند منذ عام 1985، وكنتيجة لذلك، نشأ جيلان من الأطباء مغيبان عنه، المخاوف المغلوطة المتعلقة بإساءة استعمال العقار عرَّضت الملايين مرضى الأمراض المستعصية لآلام فظيعة قبل موتهم.

ولكن أثبتت كيرالا مرة أخرى أنها أكثر تنوراً من باقي ولايات الهند، فمنذ عام 1998، أتيح لمراكز العناية التسكينية في كيرلا التعامل مع العقار. ومؤخراً في عام 2014، تم تخفيف القيود والسماح بتداول المورفين في الهند.

ولكن د. راج لا يبدي رضاه مرة أخرى، ويشير أن "تغيير القانون لا تتم ترجمته إلى فعل إلا إذا دفع به أحدٌ ما، فالقانون الجديد ليس له أثر كبير، فقد أظهرت المؤشرات أن الهند تستهلك 320 كغ من المورفين كل عام، وحتى نحقق المطلوب ينبغي استهلاك 30000 كغ."

ويضيف قائلاً: "لذلك علينا اقتناص اللحظة، وإذا لم نتصرف الآن فسوف تفوتنا الفرصة."

المتطوعون هم عجلة نموذج كيرلا، تقول كريشناراج مانيكوث – وهي محاسبة قانونية تخدم اليوم في مستشفى أروبانا – أن هذا العمل يمنح المرء شعوراً بالمعنى، "لقد عملت لثلاثين سنة في دبي، وعشت حياة مريحة مع طفلين جميلين؛ لقد كنت محظوظة، ولكن ما كان أزعجني هو أنني لم أقدم شيئاً للمجتمع، لقد أردت أن أقدم شيئاً له".

وتقول سينتو سوريش، الصحفية وكاتبة الخطابات التي توفي والدها وفاة مؤلمة داخل وحدة العناية المكثفة، أنها أرادت حماية الآخرين من العلاجات الزائدة، وتعبر قائلةً: "لا يرى الأطباء المريض ذاته ككائن بشري، إنهم يرون المرض فقط".

لقد رجوت أولئك الذين عالجوا والدي أن يقوموا بشيء حيال ألمه، أخبرتهم أن يستمروا في إعطاءه ذات الأقراص ولكن أن يتوقفوا في المقابل عن تعذيبه، ولم يذكروا العناية التسكينية إلا في آخر يوم".

في المملكة المتحدة، تم تقدير وجود 100000 متطوع يعمل في التكايا (التي يقارب عددها الـ 500000 في المملكة المتحدة)، ولكن القليل منهم يزورون المرضى في منازلهم، يمكن استثناء مشروع تكايا جيران التي تديرها تكية القديس نيكولاس في مدينة قبر القديس إدموندز في سوفوك.

تأسس المشروع في 2011، والخدمات التي تقدمها تساعد بين الـ120 إلى 150 شخص من المصابين بالأمراض المستعصية في منازلهم وفي أي وقت، وهي مدعَّمة بأكثر من 150 متطوع يوفرون الراحة والمؤانة والمساعدة وأداء المهام المنزلية. بدأ المشروع بالمسؤولة التنفيذية برابرا غيل، الحائزة على جائزة الملكة للخدمات التطوعية عام 2014.

قابلت غيل 16 متطوعاً ضمن ورقة نشرت في مجلة BMJ للدعم والعناية التسكينية عام 2015، وقد وجدت أن ما يحفزهم للعمل هو "صنع التغيير"، وقد قال العديد منهم أن المرضى "يبتهجون"، وأن الموت "لم يعد مخيفاً كما كان" وأن التجربة جعلتهم يفكرون بطريقة مختلفة في الحياة.

الموت والوفاة هي مواضيع ممنوع الحديث فيها في العديد من الدول، الأدوية الأساسية قليلة التوافر وهناك إنجاز قليل في أبحاث العناية التسكينية، لقد أصبح الموت ينظر إليه كفشل في تحقيق النظام الصحي لعلاج فعَّال.

يتشكل ألم الموت عندما تيأس العائلات من إيجاد علاج إلا الجهل التشخيصي الضعيف الذي يقدمه أطباء مستعدون لفرض لفرض تكاليف عالية لكل عملية تدخل علاجية غير مجدية، والنتيجة هي زيادة معاناة المريض واليأس من إمكانية البقاء.

يساعد النموذج الذي تقدمه كيرالا على حماية مواطنيها من فساد النظام الطبي من خلال توظيف دعم المجتمع لإراحة الموت، وتمكين ذوي الأمراض المستعصية من الحصول على الاهتمام في منازلهم حيث يفضلون، وتقديم الدعم للعائلات في لحظات الفقد، إنها نموذج يمكن للعالم أن يتعلم منه.

بعد كتابة هذه المقالة، توفي سيرندران.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018