عن الجغرافية السياسية للأسلحة النووية في العالم

عن الجغرافية السياسية للأسلحة النووية في العالم
(pixabay)

ترجمة خاصة: عرب 48

تتسم القنابل النووية بخصيصة غريبة: فهي أحد أنواع الأسلحة التي تصرِف عليها الدول أموالاً طائلة لصنعها ولكنها لا تعمل على استخدامها. وفي حين استُعمِلَت الأسلحلة الكيماوية كثيراً خلال الحروب، إلا أنه لم يتم إطلاق أي قنبلة نووية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فالأسلحة النووية تحتل تصنيفاً خاصاً بها، ففاعليتها تكمن في قدرتها على ردع الاعتداءات، فمع وجود أسلحة الدمار الشامل، سيتوجب على الخصم أن يعيد التفكير في تهديد المصالح الأمنية الوطنية للدولة المقابلة. ولهذا السبب لا تميل الدول لاستعمال الأسلحة النووية ضد بعضها البعض. ولكن قد تزداد مخاطر الأسلحة النووية عندما تقع في يد كياناتٍ غير دولية، والتي تمتلك حسابات مختفة ولا تضع في الحسبان مسألة حماية أراضي محددة.

هناك تسع دول تمتلك حالياً أسلحة نووية وبتشكيلة مختلفة من أنظمة الإطلاق. وتظهر الصوَر التالية خطوطاً عامةً للدول التي تمتلك أو امتلكت في السابق أسلحة نووية، وبالإضافة للدول القادرة على تصنيعها. كما تبين الصور كيف قامت هذه الأسلحة بإعادة تشكيل الإكراهات والقيود التي تواجه حساباتها الجيو سياسية.

القوى النووية الحالية

تبين هذه الخريطة ثلاثة جوانب للصواريخ النووية الدولية. يتضمن الأول التمييز بين الأسلحة الموزَّعة والمخزَّنة، فالأسلحة النووية الموزَّعة تكون متصلةً بنظام إطلاق وجاهزة للاستعمال. في حين تتطلب الرؤوس الحربية المخزَّنة القيام بعملية ربطها بالنظام قبل إطلاقها.

ويتضمن الجانب الثاني أنظمة الإطلاق الثلاثة التي يشتمل عليها 'ثالوث' الأسلحة النووية وهي: الصورايخ الأرضية (عادة ما تكون أسلحة بالستية وتتضمن أحياناً صواريخ كروز)، والصواريخ التي تنطلق من تحت الماء، وصواريخ الطائرات (وهي صورايخ متفجرة في العادة وقد تكون صواريخ كروز جوية محمَّلة على طائرة مقاتلة أو مقاتلة مفجِّرة). بالنسبة للصواريخ الأرضية – خاصة الصواريخ العابرة للقارات – فإنها قادرة على عمل ضربات طويلة المدى وخلال مدة زمنية قصيرة. أما الصواريخ التي تنطلق من تحت الماء، فهي معدَّة للانتقام في حال تعرُّضت الصورايخ الأرضية للدمار. في حين تعتبر صواريخ الطائرة أكثرها مرونة، وذلك لأنه يمكن إطلاق القنابل بعد توجيه الأوامر بالضرب، ولكنها أبطأ من الصواريخ (ما عدا الحالة التي تكون فيها القنابل جاهزة في الطائرة وقريبة من موضع الهدف). تمتلك كل دولة نووية مجموعة متنوعة من آليات الإطلاق، ولكن الولايات المتحدة وروسيا هي الدول الوحيدة التي من المؤكد احتواءها على الأنواع الثلاثة، في حين يُظن بامتلاكها في الصين والهند.

ويتعلق الجانب الثالث بالشطر الأكبر من الأسلحة النووية الذي تمتلكه الولايات المتحدة وروسيا، حيث تمتلك الولايات المتحدة حالياً حوالي 4480 من الرؤوس الحربية، وتمتلك روسيا 4500 منها. وتتضمن هذه الرسومات كل من الرؤوس الحربية الاستراتيجية (والمتعلقة بضرب المواقع البعيدة عن إطار المعركة) والرؤوس الحربية الاستراتيجية أو التكتيكية (والتي تستخدم بالقرب من أرض المعركة، وبالتالي فهي أضعف من الأولى). ولكن تضائلت كمية الصواريخ بالمقارنة مع ما وصلت إليه كلا البلدين أيام الحرب الباردة: حيث وصلت في الولايات المتحدة إلى 31255 في عام 1967، و40159 لدى الاتحاد السوفيتي في عام 1986.

خلال الحرب الباردة، كانت العقيدة التدميرية السائدة تتطلب قدراً كبيراً من القوة الذي يكفي لعمل تأثير واسع حتى لو أدت الضربة الأولى إلى تدمير جزءٍ كبيرٍ من الصواريخ النووية للدولة، وبالإضافة إلى ذلك، وفي الفترة الأطول من الحرب الباردة، لم تكن أنظمة الإطلاق دقيقة بالشكل الكافي، وهو ما يتطلب كمية أكبر من الصواريخ لضرب المناطق التي تبعد كثيراً عن منصة الإطلاق (كانت تقع الكثير من القنابل الهيدروجينية ضمن نطاق الميغاتون). ومع تطور دقة أنظمة الإطلاق، لم يعد هناك حاجة لتصنيع أعداد هائلة من الصواريخ لضمان القوة الرادعة، مما أدى إلى تقليل عدد الصواريخ لدى كلا البلدين.

أدَّت الأسلحة النووي إلى قلب العلاقات الدولية بشكل كبير، لأن الدول أصبحت مجبرة على التفكير بالمتطلبات الأمنية لخصومها، فتشكيل إدارك واعٍ بهذه المتطلبات يعد عاملاً أساسياً لتلافي الصدامات النووية.  وبالرغم من نشوب بعض الحروب 'الساخنة' وبعض الفترات المتوترة خلا الحرب الباردة، إلا أنها لم تصل إلى مواجهة مباشرة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

وكمثال من الواقع المعاصر، تأمل حالة كوريا الشمالية، والتي استرعت الكثير من الانتباه خلال الأسبوع الماضي بعد تجربتها لأحد الصواريخ وانتشار التوقعات حول إمكانية قيامها بتجربة أخرى. فهي دولة فقيرة مكَّنها البرنامج النووي من تصدر الساحة الدولية وأدى إلى أن تتعامل معها الدول العظمى بحذرٍ شديد. إن القدرة الرادعة التي تحظى بها كوريا الشمالية ستنتهي حال استعمالها للأسلحة النووية، والتي ستكون خطوة شبيهة بالإقدام على الانتحار. وفي حين يخشى الكثير من جنون زعيم كوريا الشمالية، إلا أن الرؤية التي نتنبناها في جيو بوليتيكال فيوتشرز هي أن هذا النظام كان حريصاً على موضوع الأسلحة منذ عقود خلال الحرب الباردة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي لأنها ستزيد من شدة الحذر منه ،وقد استمر في تبني خيار عدم تعريض نفسه للدمار.

الدول النووية السابقة

ملاحظة: بالرغم  من توقيف إيران لبرنامجها النووي بحسب خطة العمل الشاملة المشتركة، فقد وضعناها ضمن الخريطة الثالثة لمناقشة عواقب ما إذا خرقت إيران ذاك الاتفاق.

يوجد العديد من الدول التي امتلكت أسلحة أو برامج نووية ثم خسرتها فيما بعد. وهناك ثلاثة عوامل ساهمت في خسارتهم لها وهي: التغير في الظروف الجيو سياسية التي قللت من الحاجة للأسلحة النووية الرادعة، والضغوطات القادمة من قوى دولية قدَّمت ضمانات لها تحت حمايتها النووية، أو تدخل خارجي أدى لتدمير البرنامج النووي.

حصلت بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا على الأسلحة النووية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. حيث حصَّلت بيلاروسيا على 81 من الرؤوس الحربية ومجموعة من الأسلحة النووية اللا استراتيجية، في حين تمتلك كازاخستان 1410 صاروخاً ذا رأس نووي، بينما حصلت أوكرانيا على 1900 رؤوس حربية استراتيجية وحوالي 2650 و4200 سلاحاً نوويا لا استراتيجي، وهو ما يجعلها ثالث أكبر دولة بصورايخ نووية في العالم. ووقَّعت هذه الدول على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وأعادت الأسلحة إلى روسيا في أواسط التسعينات ليتم تفكيكها.

وتعد جنوب أفريقيا الدولة الوحيدة التي أنتجت أسلحتها النووية بشكل مستقل ثم خسرتها فيما بعد، حيث حصلت الحكومة العنصرية على الطاقة والأسلحة النووية من فترة الستينات وحتى الثمانينات، وأنتجت ستة أسلحة نووية. وفي عام 1989، توقف البرنامج مع نهاية العنصرية وتنازلت حكومة  فريدريك كليرك عن السلطة للمجلس الأفريقي القومي. وتم تفكيك الأسلحة والمنشئات المرتبطة بها، ووقَّعت جنوب أفريقيا على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في عام 1991.

وقد كان هناك تطوران أثَّرا على قرار جنوب أفريقيا، الأول هو اتفاقية عام 1988 بين كوبا وأنغولا والولايات المتحدة التي أدت إلى سحب 50000 مجنَّد كوبي ممن كانوا مستقرين في أنغولا خلال فترة الحرب الباردة وساندوا الاتحاد السوفيتي. فالمخاطر التي شكَّلها تدخل السوفييت مع هؤلاء الجنود خلال فترة السبعينات كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دعت جنوب أفريقيا لتطوير إمكانياتها النووية. والعامل الثاني هو قيام جنوب أفريقيا بموازنة تكلفة وفوائد المشاركة في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وإدراكها أن تحسين العلاقات مع العالم هو الأفضل، خاصة مع عدم جدوى الأسلحة الرادعة للقنابل بعد انسحاب القوات الكوبية وغياب التهديد السوفيتي.

كما تعتبر الأرجنتين والبرازيل ضمن السبعة دول التي تخلَّت عن برامجها النووية قبل تحصيل الأسلحة النووية. حيث سعت كلا البدلين في السر لتحصيل الأسلحة النووية ابتداءً من أواخر الستينات وحتى بدايات السبعينات. وتخلَّت كلتاهما عن برامجها النووية مع بداية التسعينات ووقَّعت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

كما كان لدى جنوب كوريا وتايوان برامج نووية سرية في فترة السبعينات اكتشفتها المخابرات الدولية. وتم حل كلا البرنامجين فيما بعد، حيث تخلَّت عنه كوريا الجنوبية بعد توقيعها للمعاهدة في عام 1975، وقامت تايوان بذلك في عام 1988 كنتيجة للضغوطات الدبلوماسية من الولايات المتحدة.

وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العراق وسوريا وليبيا، كانت تمتلك جميعها برامج أسلحة نووية نشطة. قود تم تفكيك البرنامج النووي العراقي بالقوة بعد حرب الخليج، وقررت ليبيا من تلقاء نفسها التخلي عن البرنامج النووي السري الخاص بها في عام 2003 تحت توجيه معمر القذافي. ولم تتقدم الطموحات النووي في سوريا كما حصل مع جاراتها، ولكن كانت هناك شكوك حول امتلاكها لليروانيوم المخصَّب وأنها بنت مفاعلاً بحثياً بتمويلٍ من كوريا الشمالية. وفي عام 2007، دمَّرت الصواريخ الإسرائيلية المفاعل السوري، مما أدى إلى تعليق العمل على البرنامج النووي إلى أجلٍ غير مسمَّى.

الكامن النووي

 

في حالة عدم امتلاك الدولة لأسلحة النووية مع وجود بنرامج نووي سلمي يمكن أن يتم استخدامه لتطوير أسلحة نووي، فيطلق على هذه الحالة 'الكمون النووي'. فلكي تتمكن أيُّ دولة من بناء سلاح نووي، فلا بد أن يكون لديها المعرفة والإمكانيات التقنية والقدرة على الوصول للمواد بالإضافة إلى وجود قطاعٍ صناعي متطوِّر. ومن ضمن الـ31 دولة التي تمتلك مفاعلات نووية،قمنا بتحديد خمسة دول أساسية تمتلك أسلحة نووية يمكن أن تؤدي لتغيرات جذرية في العلاقات على صعيد الدول المجاورة والقوى العالمية. حيث تمتلك هذه الدول المصادر التكنولوجية والاقتصادية اللازمة لتطوير الأسلحة النووية ومن المرجَّح أن تلعب أدواراً مركزية في الأحداث الجيو سياسية التي ستحدث خلال العقد القادم.

 

أدت الطموحات النووية الإيرانية لسلسة من المفاوضات مع الغرب، ووصلت هذه المفاوضات في عام 2015 إلى توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي كشفت ملف البرنامج النووي الإيراني ضمن فترة زمنية معينة في مقابل بعض المصالح التي كان من ضمنها إعفاءها من العقوبات. ولكن في حال ما استمرت إيران في عمليات تخصيب اليورانيوم السرية وتطوير الأسلحة النووية وتجاهل الافتاقية، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى خلخلة التوازن في المنطقة. وبالتالي حصول إيران على قوة جديدة ومتمايزة عن خصومها السنة وقد تجبر إسرائيل على إعادة الاعتبار لاستراتيجيتها المتعلقة بالضربات الوقائية.

تمتلك اليابان مخزونات هائلة من معدن البلوتونيوم من المقتنيات المدنية وهي تمتلك في الأصل تكنولوجيات إعادة معالجة اليورانيوم المخصَّب والبلوتونيوم. تقدرَّ المدة الزمنية لانطلاق اليابان من ستة شهور لسبعة سنين. إن تحالف اليابان مع الولايات المتحدة قد ثناها عن تطوير الأسلحة النووية، لأنها تدرك إمكانية اعتمادها على الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها، ولكن قد يؤدي تقدم البرنامج النووي في كوريا الشمالية إلى إعادة النظر  في الأمور بالنسبة لليابان. قد يهدد النووي الياباني المساعي التوسعية للصين في المنطقة مما سيجبرها للتقدم بحذر أشد في نشاطاتها في بحر الصين الجنوبي والشرقي.

تمتلك كوريا الجنوبية وتايوان برامج نووية مدنية ومعرفة تقنية متقدِّمة يمكن إعادة توجيهها لتصبح برامج لأسلحة نووية. كما أنهم يمتلكون الحاجة للدفاع عن أنفسهم ضد المهددات المحيطة. فمع اقتراب كوريا الشمالية من تحصيل رؤوس حربية نووية طائرة، طالبت حكومة كوريا الجنوبية بالحصول على سلاح نووي، وهذا ينطبق أيضاً على تايوان،  حيث تتعرض سيادتها للتهديد من قِبَل منطقة البر الرئيسي الصيني، حيث يمتلكون أسلحة نووية أيضاً. كما يمكن أن تسعى تايوان لتطوير سلاح نووي لتثبيط الطموحات الصينية باستعادة الجزيرة. ولكن كوريا الجنوبية وتايوان  تعيشان حالة من القلق خوفاً من التصعيد، مما يجعلها أميَل لخيار الاعتماد على الضمانة النووية التي تقدمها الولايات المتحدة.

وفي الطرف الآخر من العالم تقع ألمانيا، فهي دولة صناعية متقدمة ذات إمكانيات نووية مدنية. وهي محمية تحت مظلة النووي الخاص بالناتو والقوى النووية الأوروبية (فرنسا والمملكة المتحدة). كما أنها ملزمةٌ بالاتفاقية الدولية الداعية لعدم تحصيل الأسلحة النووية. ولكن من الممكن أن تعمل ألمانيا على تطوير أسلحة نووية لمجابهة الاعتداءات الروسية إذا ما سائلت التزامها نحو أميركا.

الخلاصة

تمتلك كل دولة خطاً أحمر يرتبط بمدى التهديد الأمني الذي تواجهه وهو ما يضطرها للرد عليه بالقوة. ومن دون وجود ما يكفي من القوة الرادعة، فالمخاطر التي ستواجهها الخصوم من تخطيها لذاك الخط ستكون بسيطة. ولكن إذا ما وُضِعَت الأسلحة النووية ضمن الحساب، فإن هذا سيجبر المعتدين على الحذر لأن الرد سيكون وخيماً. فسيكون من الصعب القيام بالهجون عندما تكون الأسلحة النووية هي رد الفعل ضد تخطي الحدود الأمنية للطرف الآخر.

لهذا السبب تتوجه الأنظار نحو كوريا الشمالية: فالولايات المتحدة تسير في طريق تحديد ما إذا كانت التطورات في البرنامج النووي لكوريا الشمالية قد تخطت هذه الحدود أم لا، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو الرد المناسب لذلك. وبالرغم من أن الأسلحة النووية لكوريا الشمالية لا تشكِّل تهديداً مباشراً للولايات المتَّحدة (بناءً على التصور الحالي القائم عن تكنولوجيا الصواريخ البالستية)، إلا أن سلامة حلفاءها قد باتت أمراً مهدداً من قنابل كوريا الشمالية. تخشى بريطانيا وفرنسا من عدم مقدرة الولايات المتحدة على تشكيل حالة كفاية نووية، مما يمكن أن يؤدي لانتشار الأسلحة النووية في أوروبا. وينطبق نفس الشيء على حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، فإذا ما تسائلوا عن مصداقية قدرتها على الحماية، فسيزداد خطر انتشار الأسلحة النووية في المنطقة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018