لماذا لا تغيّر الحقائق عقولنا؟

لماذا لا تغيّر الحقائق عقولنا؟

ترجمة خاصة: عرب 48

في عام 1975، دعا مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد، مجموعة من الطلاب الجامعيين في المراحل الأولى للمشاركة في دراسة حول الانتحار. تمّ تقديم رسالتي انتحار لكلّ مشارك، واحدة حقيقيّة؛ كتبها شخص أقدم على الانتحار، والأخرى مفبركة، كتبها مجموعة من الأشخاص. وكان مطلوبًا من الطلاب أن يقوموا بالتمييز بين الرسالة الحقيقيّة والمفبركة.

اكتشف بعض الطلبة بأنّهم يمتلكون الذكاء الكافي للقيام بالمهمّة، فمن بين 25 زوج من الرسائل، تمكّنوا من اكتشاف الرسالة الحقيقيّة 24 مرّة. في حين وجد بعض الطلبة أنفسهم في موقع يائس بعد أن اكتشفوا رسالة حقيقيّة واحدة من بين 10 تجارب.

كما هو الحال في الدراسات السيكولوجيّة، فإنّ الأمر برمّته كان اختبارًا مجهّزًا. فبالرغم من أنّ نصف الرسائل هي رسائل انتحار حقيقيّة، تمّ الحصول عليها من مكتب الطبيب الشرعي في لوس أنجلوس، فإنّ الدرجات التي تمّ إعطاؤها للطلاب كانت مُختلقة. فالطلاب الذي قيل لهم بأنّهم كانوا على صواب في معظم الحالات، لم يكونوا أكثر تميّزًا، بالمجمل، من الطلاب الذين قيل لهم بأنّهم فشلوا في معظم الحالات في اكتشاف الرسالة الحقيقيّة.

في المرحلة الثانية من الاختبار، تمّ كشف الخدعة للطلاب. وقيل للطلاب حينها بأنّ الهدف الرئيسي من التجربة كان قياس ردّة فعلهم حين يشعرون بأنّهم مصيبون أو مخطئون. (وقد اتضح لاحقًا بأنّ هذه خدعة أيضًا). أخيرًا، طُلب من الطلاب أن يُقدّروا كم هو عدد رسائل الانتحار الحقيقيّة التي ميّزوها فعلًا، وكم هو معدّل الرسائل الحقيقيّة التي اكتشفها بقيّة الطلاب. وهنا، في هذه النقطة، حصل الأمر الغريب. فالطلاب الذين قيل لهم سابقًا بأنّهم حصلوا على درجات عالية، قالوا إنّهم يعتقدون بأنّهم قد اكتشفوا بالفعل معظم الرسائل الحقيقيّة – وقدّروا درجاتهم بأنّها أعلى من المعدّل العام - على الرغم من أنّ المُختَبرين قد قالوا لهم إنّ الدرجات التي أعطيت لهم سابقًا لا تقوم على أساس. بالمقابل، فإنّ الطلاب الذي أُعطيت لهم درجات منخفضة سابقًا، قدّروا بأنّهم حصلوا على درجات أقلّ من المعدّل العام؛ وأنّهم لم يستطيعوا تمييز الرسائل الحقيقيّة من المزيّفة في الغالب.

وصل الباحثون إلى الملاحظة التالية: "حين يتمّ تشكيل الانطباعات، فإنّها تمتلك القدرة على الاستمرار والبقاء".

بعد عدّة سنوات، تمّ جلب مجموعة جديدة من الطلاب من جامعة ستانفورد لإجراء دراسة مشابهة. أُعطي للطلاب رزمة من الأوراق التي تحتوي معلومات عن اثنين من رجال الإطفاء، فرانك كي وجورج كي. في السيرة الذاتيّة لفرانك ذُكر أنّ لديه طفلة وأنّه يحبّ الغوض. وذكرت المعلومات أنّ جورج لديه ابن صغير وأنّه يحب لعب الغولف. تضمّنت الرزمة أيضًا استجابة رجليّ الإطفاء لما أطلق عليه الباحثون "اختبار الاختيار أمام الخطر المعتدل". وفقًا لنسخة أولى من الأوراق (أعطيت لمجموعة من الطلبة)، فإنّ فرانك كان رجل إطفاء ناجح في الاختبار، وكان يميل دومًا للخيار الأسلم. في نسخة أخرى من الأوراق (أعطيت للمجموعة الأخرى)، اختار فرانك الخيار الأسلم أيضًا، ولكنّه كان رجل إطفاء قذر، كتب عنه رؤساؤه عدّة تقارير. مرّة أخرى، في منتصف التجربة، قيل للطلاب بأنّه قد تمّ تضليلهم، وأنّ المعلومات التي قُدّمت إليهم كانت مُختلقة. ثمّ طُلب من الطلاب أن يصفوا ما يرونه صحيحًا ومُقنعًا لهم. ما هو الموقف الذي سيختاره رجل الإطفاء الناجح أمام الخطر. المجموعة الأولى من الطلاب – الذين استلموا النسخة الأولى - اعتقدوا بأنّ فرانك سيتجنّب الخطر. في حين قالت المجموعة الثانية بأنّه سيخوض الموقف الخطر ولن يتجنّبه.

إذًا، حتى بعد أن قيل للطلبة، إنّ "اعتقاداتهم مُفنّدة وغير صحيحة، فإنّ البشر يفشلون في عمل مراجعة صحيحة لاعتقاداتهم"، هكذا لاحظ الباحثون. في هذه الحالة، كان الفشل "مثيرًا ومدهشًا بشكل كبير"، ذلك أنّ كلتا النسختين لم تكونا تحملان معلومات كافية لتعميم حكم ما منها.

أصبحت هاتان الدراستان، التي قام بها فريق من الأكاديميين في سبعينات القرن الماضي، دراستين مشهورتين. فالقول بعدم قدرة البشر على التفكير بشكل صحيح كان قولًا صادمًا. لاحقًا، أجريت آلاف التجارب التي أكّدت (وفصّلت) في هذه النتائج. وكما يعرف كلّ من تابع هذه البحوث – بل ربما كلّ من اشترى نسخة من مجلّة "علم النفس اليوم" – فإنّ أيّ طالب دراسات عليا يُمكنه أن يُظهر ويوضّح لنا كيف أنّ البشر، الذين يبدون عقلانيين، هم أحيانًا لاعقلانيّون تمامًا. وربما لم تكن هذه الملاحظة النافذة مهمّة وراهنة كما هو عليه الحال اليوم. ولكن، على الرغم من ذلك، لا تزال هناك قطعة أساسيّة ناقصة: كيف أصبحنا هكذا؟

في الكتاب الجديد الصادر عن جامعة هارفرد "أحجية العقل"، قام العالمان المختّصان بمسائل الإدراك والمعرفة، هوغو ميركير ودان سبيربر، بتلمّس جواب هذا السؤال. فقد أشار ميركير، الذي يعمل في معهد البحث الفرنسي في ليون، وسبيربر، الذي يعمل الآن في جامعة أوروبا الوسطى في بودابست، إلى أنّ العقل سمة إنسانيّة تطوّرت عبر التاريخ، كما تطوّرت القدرة على المشي بالقدمين والرؤية ثلاثيّة الألوان. وقد بزغ العقل في غابات أفريقيا، ويجب أن يُفهم في ذلك السياق.

بعيدًا عن مصطلحات علوم الإدراك يُمكن أن نضع حجّة سبيربر وميركير على النحو التالي، مع بعض التجوّز: إنّ أهمّ ميزات النوع الإنساني هو القدرة على التعاون؛ وهو ما يُميّز البشر عن بقيّة الأنواع. ولكنّ البدء بالتعاون والمحافظة عليه أمرٌ صعب. بالنسبة لأيّ فرد، الاستغلال هو أفضل سلوك ممكن. ومن ثمّ، فإنّ العقل لم يتطوّر ليجعلنا قادرين على التفكير بالمجرّد، أو حلّ المشكلات المنطقيّة أو حتى ليُيتح لنا القدرة على الوصول إلى خلاصات ونتائج من المعلومات المتفرّقة؛ وإنما تطوّر العقل ليجعلنا قادرين على حلّ المشكلات التي تفرضها الحياة في المجموعات المتعاونة والمشتركة.

يقول المؤلّفان، "تطوّر العقل من أجل التكيّف مع البيئة البشرية المفرطة اجتماعيًا". ومن ثمّ فإنّ عادات العقل، التي تبدو غريبة أو سخيفة أو بلهاء ببساطة، من وجهة نظر فكريّة وعقلانيّة، هي في الحقيقة شديدة الدهاء إذا نظرنا إليها من منظور فائدتها في العلاقات المتبادلة بين البشر.

لنأخذ مثلًا ما بتنا نُطلق عليه "الانحياز التوكيدي"، أي ميل البشر للقبول بالمعلومات التي تدعم قناعاتهم ورفضهم للمعلومات التي تعارضها. يُمكن القول بأنّ الانحياز التوكيدي هو أحد أكثر أشكال التفكير الخاطئ شيوعًا؛ وهو موضوع تحدّثت عنه العديد من الكتب والتجارب السيكولوجيّة. وواحدة من هذه التجارب، أُجريت أيضًا في ستانفورد. في تلك التجربة، جمع الباحثون مجموعة من الطلاب الذين يمتلكون آراء متعارضة بشأن صوابيّة تنفيذ عقوبة الإعدام. نصف الطلاب كانوا يؤيّدون عقوبة "الإعدام" باعتبارها رادعًا للمجرمين، في حين كان النصف الثاني معارضًا لها باعتبارها غير مؤثّرة على مستويات الجريمة.

أعطيت للطلاب دراستان، واحدة تؤيّد "الإعدام" باعتباره رادعًا، والأخرى تُقدّم معلومات وبيانات تشكك في حجّة "الردع". وكلتا الدراستين – وأظنكم عرفتم – كانتا مختلقتين. طُلب من الطلاب تقديم آرائهم حول الدراستين، وكان أنّ الطلاب الذين كانوا يدعمون عقوبة الإعدام أصلًا قد ثمّنوا المعلومات التي تؤيّد حجّة "الردع" واعتبروا بأنّ الدراسة الثانية غير مقنعة؛ في حين أنّ الطلاب الذين كانوا يُعارضون أصلًا عقوبة الإعدام قد فعلوا العكس؛ أي إنّهم أكّدوا على أهميّة الدراسة التي تدعم موقفهم أيضًا. مع نهاية التجربة، سئل الطلاب مرّة أخرى عن وجهة نظرهم. وكانت إجاباتهم تؤكّد بأنّ الطلاب الذي كانوا مؤيّدين أصلًا لعقوبة "الإعدام" صاروا أكثر تأييدًا لها، وأنّ المعارضين لها ازدادوا معارضة.

إن كان العقل مصممًا لتوليد الأحكام الصحيحة، فمن الصعب ألا نرى بأنّ هذا "الانحياز التوكيدي" هو عيب وخلل كبير في العقل. لنتخيّل، يقول لنا ميركير وسبيربر، فأرًا يفكّر كما نفّكر. فأرًا "مصممًا على تأكيد قناعاته القائلة بأنّه لا توجد قطط في الجوار". لا شكّ بأنّه سيصبح عشاءً سهلًا.  بالمثل، فإنّ الانحياز التوكيدي يقود البشر إلى تجاهل الأدلّة والتقليل من حجم الأخطار المحتملة، وإذا فهو سمة أو عادة للعقل يجب التخلّص منها. ولكنّ حقيقة أنّ هذه العادة، وأننا كبشر، قد استمرينا في الوجود وبقينا إلى الآن، تؤكّد على أنّ هذه السمة لها وظيفة تكيّفيّة (كما يُحاجج المؤلّفان)، وهذه الوظيفة لها صلة بطبيعتنا الاجتماعيّة النشطة.

يُفضّل ميركير وسبيربر استعمال مصطلح "الانحياز إلى موقفي الشخصي". والبشر، الذين نتحدّث عنهم، ليسوا سذّجًا. فنحن نميل إلى اكتشاف نقاط الضعف، بشكل ثابت وناجح غالبًا، ولكنّ الموقف الذي نعمى عن رؤيته هو فقط موقفنا الشخصي.

في وقت قريب، قام ميرسير وبعض زملائه الأوروبيين بعمل تجربة تُظهر ذات النوع من عدم التناسق. حيث طُلب من المشتركين أن يُجيبوا على مجموعة من المشكلات العقلانيّة البسيطة. ومن ثمّ طلب منهم أن يُفسّروا إجاباتهم، وسُمح لهم أن يعدّلوا هذه الإجابات إن اكتشفوا أيّة مشكلات فيها. كان الغالبيّة مقتنعين بإجاباتهم الأصليّة؛ ولم يقم سوى نسبة أقلّ من 15% بتعديل إجاباتهم عندما أُتيح لهم ذلك.

في الخطوة التالية، عُرضت على المشاركين واحدة من نفس المشكلات، مزوّدة بإجابات المشتركين جميعًا، والذين وصلوا، بطبيعة الحال، إلى نتائج مختلفة. مرّة أخرى، سُمح للمشتركين بتغيير إجاباتهم. ولكن في هذه المرّة: كانت الإجابات تُعرض لكلّ مشارك على أنّها إجابات شخص آخر، والعكس صحيح. أدرك نحو نصف المشتركين ما الذي يجري. ولكن، أصبح معظم المشاركين من النصف الآخر (الذين لم يُدركوا أنّ الإجابات باتت مصاغة بلغة منسوبة للآخر أو للمجهول)، أكثر نقديّة تجاه إجاباتهم، وقام حوالي 60% منهم برفض إجاباتهم السابقة؛ التي كانوا مقتنعين بها.

يعكس هذا الانحراف والتغيّر، وفقًا لميركير وسبيربر، المهمّة التي تطوّر العقل الإنساني لأدائها، ألا وهي منعنا من أن نُخترق من قبل الأعضاء الآخرين في المجموعة. فأسلافنا، الذين كانوا يعيشون في مجموعات صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار البريّة، كانوا حريصين، بالدرجة الأولى، على مكانتهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة، وكانوا يريدون التأكّد دومًا من أنّهم لن يكونوا الشخص الذي يُخاطر بحياته في الصيد من أجل المجموعة، في حين يبقى الآخرون متسكّعين حول الكهوف. ومن ثمّ فلم تكن للعقلانيّة سوى فائدة محدودة، في حين كانت الفائدة كلّها تكمن في الفوز بالجدال.

من بين العديد من الأشياء، لم يكن أسلافنا مهتمّين بقدرة عقوبة الإعدام على الردع، أو بالسمات المثاليّة لرجل الإطفاء. كما لم يكن عليهم أن يتعاملوا مع الدراسات المختلقة أو الأخبار الكاذبة، أو مع "تويتر". لا عجب إذًا، أن يخذلنا عقلنا اليوم. فكما قال المؤلّفان، إنّ "هذه واحدة من القضايا العديد التي تطوّرت فيها البيئة والمحيط بشكل سريع جدًا لم يتمكّن الانتخاب الطبيعي من اللحاق به".

يُعدّ البروفيسور في جامعة براون، ستيفين سلومان، والبروفيسور في جامعة كولورادو، فيليب فرنباخ، أبرز علماء علم الإدراك والمعرفة. وهما يعتقدان أيضًا أنّ القدرات الاجتماعيّة هي المفتاح لفهم آليّة عمل العقل أو لفهم سبب فشله أحيانًا. ويبدآن كتابهما "وهم المعرفة: لماذا لا يُمكننا أبدًا أن نفكّر وحدنا"، بنظرة على دورات المياه!

لا شكّ بأننا جميعًا قد ألفنا المراحيض بشكلها المعتاد، بالوعاء السيراميكي الذي يمتلئ بالمياه حين نشدّ السيفون. حين نرفع المقبض أو نضغط الزرّ، ينصرف الماء – وكلّ ما هو موجود في الوعاء – إلى الأنابيب ومنها إلى نظام الصرف الصحي. ولكن كيف يحدث هذا فعلًا؟

تصوير بواسطة جيرارد دوبويس

في دراسة أُجريت في جامعة يال، طُلب من طلبة الدراسات العليا أن يُقيّموا مدى فهمهم للأدوات التي يستعملونها بشكل يومي، بما في ذلك المرحاض، سحّاب البنطال، والأقفال الأسطوانيّة. ومن ثمّ طُلب من هؤلاء الطلاب أن يكتبوا، بشكل تفصيلي، خطوة تلو خطوة، ليفسّروا كيف تعمل هذه الأدوات والأجهزة، ومن ثمّ طُلب إليهم أن يُقيّموا مدى فهمهم لها من جديد. كما هو واضح، فإنّ هذه العمليّة قد كشفت للطلاب مدى جهلهم، وجعلتهم يتخلّون عن تقييماتهم الأوّليّة لأنفسهم. (المراحيض... اممممم، نضغط الزرّ، ثمّ تحصل أشياء أكثر تعقيدًا!).

أدرك سلومان وفرنباخ بأنّ هذا التأثير، والذي أطلقا عليه "وهم العمق التفسيري"، ينطبق تقريبًا على كلّ شيء. فالبشر يميلون للاعتقاد بأنّهم يعرفون طريقة عمل الأشياء التي لا يعرفونها في الحقيقة. وما يسمح لنا بأن نحافظ على هذا الاقتناع هو البشر الآخرون. في حالة المرحاض مثلًا، قام شخص آخر بتصميم مرحاض يعمل بطريقة أسهل، وهذه أحد الأشياء التي يبرع بها البشر. وفكرة الاعتماد على خبرة شخص آخر هي مسألة راسخة في الإنسان منذ أن تعلّمنا كيف نصطاد بشكل تعاوني، والذي ربما كان التطوّر المفتاحي في تاريخنا التطوّري. وحين نتعاون، يُحاجج سلومان وفرنباخ، فإننا بالكاد نستطيع تحديد أين ينتهي فهمنا وأين يبدأ فهم الآخرين.

"إنّ الطبيعيّة naturalness التي نقسّم بها عملنا المعرفي تتضمّن"، يقولان، إنّه "لا وجود لحدود فاصلة صارمة بين أفكار الشخص ومعارفه من جهة وبين أفكار ومعارف الأشخاص الآخرين في المجموعة من جهة أخرى".

هذه الحالة من انعدام الحدود، أو إن شئتم من ضبابيّتها، هي أيضًا مسألة ضروريّة وحاسمة لما نعتبره تقدّمًا وتطوّرًا. فحين يبتكر البشر أدوات جديدة لطرق جديدة في الحياة، فإنّهم، في الوقت نفسه، يقومون باختراع عالم جديد من الجهل؛ فلو أصرّ كل شخص، على سبيل المثال، أن يفهم مبادئ سبك المعادن وصهرها قبل أن يستعمل السكين، لما كان للعصر البرونزيّ أن يستمرّ لهذا القدر. حين يتعلّق الأمر بالتقنيات الجديدة، فإنّ الفهم الناقص لها هو وسيلة للتمكين.

ولكنّ هذا يضعنا في مشكلة حين نناقش الحيّز السياسيّ؛ كما يقول سولمان وفرنباخ. فأن نشدّ السيفون دون أن نعلم آليّة عمل المرحاض شيء، وأن نكون مؤيّدين أو معارضين لقانون حظر الهجرة (من الدول السبع ذات الأغلبيّة المسلمة) دون أن نعرف ما يعنيه الأمر، شيء آخر. يستشهد المؤلّفان بدراسة استقصائيّة أجريت في العام 2014، بعد مدّة وجيزة من ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم. وقد سئل المشاركون في الدراسة في ما إذا كان على الولايات المتحدة أن تردّ، وفي ما إذا كانوا قادرين على تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة. وكلّما كانت إجابة المشترك عن موقع أوكرانيا خاطئة بدرجة أكبر (يختار موقعًا بعيدًا جدًا عن الموقع الصحيح)، كلما اقترن ذلك بتأييده للتدخّل العسكري. (لم يكن معظم المشتركين يعلم موقع أوكرانيا، وبالمعدّل، فإنّ الموقع الذي اختاره المشتركون كان يبعد 800 ميل عن موقع أوكرانيا، وهي تقريبًا المسافة بين موسكو ومدريد!).

هناك العديد من الدراسات الاستقصائيّة التي وصلت إلى ذات النتائج المرعبة. يستنتج سلومان وفرنباخ " كقاعدة، يُمكن القول بأنّ المشاعر القويّة تجاه القضايا لا تنتج من الفهم العميق لها". وهنا تتعزز المشكلة بحكم اعتمادنا على عقول الآخرين. فإذا كان موقفك، مثلًا، من قانون الرعاية بأسعار معقولة، موقفًا لا يستند إلى أساس، وإذا كنت أنا أعتمد على رأيك، فإنّ رأيي ليس له أساس أيضًا. وحين أقول لتوم موقفي، ثمّ يتفق معي، فإنّ موقفه هو الآخر بلا أساس، ولكننا أصبحنا ثلاثة أشخاص متفقين على رأي ومعتدّين به. إن قمنا بعد ذلك بتجاهل أيّ معلومة تعارض رأينا، أو اعتبارها غير مقنعة، فحينها سنحصل على ما يشبه إدارة ترامب!

"بهذه الطريقة، يُمكن أن تصبح مجتمعات المعرفة خطرة"، يُلاحظ سولمان وفرنباخ. لقد طبّق هذان المؤلّفان نسختهما الخاصّة من تجربة المرحاض، فقط باستبدال الأدوات المنزليّة بالسياسات العموميّة. في دراسة أجرياها في عام 2012، قاما بسؤال المشتركين عن موقفهم من السؤال التالي: هل ينبغي أن يكون هناك نظام رعاية صحي لغير الأسر؟ أم يجب رفع أجور المعلّمين؟ طلب من المتشركين أن يُقيّموا موقفهم بحسب درجة موافقتهم أو مخالفتهم للاقتراحين السابقين. ثمّ طُلب منهم أن يشرحوا، بدرجة من التفصيل، نتائج وأسباب موقفهم. وبالطبع، وقع معظم المشاركين في المأزق، عند هذه النقطة. وُطلب إليهم من جديد أن يُعيدوا تقييم مواقفهم، وكانت النتائج تقييمات بعيدة عن الحديّة، أقرب إلى مجرّد الموافقة أو المخالفة.

يرى سولمان وفرنباخ في هذه النتائج شمعة مضيئة في عتمة العالم. فلو أننا – أو أصدقاؤنا النقاد على السي إن إن – نقضي وقتًا أقلّ في إلقاء المواعظ ووقتًا أطول في محاولة العمل من خلال متضمّنات ونتائج المقترحات السياسيّة، فإننا سندرك مدى هشاشة مواقفنا وسنكون، من ثمّ، أكثر تواضعًا في آرائنا. وهذا، كما يقولان، "قد يكون الشكل الوحيد من التفكير الذي يُمكن أن يحطّم وهم العمق التفسيري، وأن يغيّر مواقف الناس".

أحد الطرق للنظر إلى العلم هو أنّه نظام يصحح الإنحرافات الطبيعية للبشر. ففي المختبر، لا مجال للانحياز للموقف الشخصي؛ فالنتيجة يجب أن تكون قابلة للتكرار في معامل أخرى، ومن قبل باحثين يمتلكون دوافع أخرى. ويُمكن القول بأنّ هذا ما جعل العلم نظامًا ناجحًا. ففي أيّ وقت، يُمكن أن يمتلئ المجال العلمي بالخلافات، ولكن في النهاية، تسود منهجيّة علميّة جديدة. العلم يتقدّم للأمام، حتى لو كنّا قابعين في أماكننا.

في كتابه، "رفض الاعتراف بالمقبرة: لماذا نتجاهل الحقائق التي ستنقذنا"، يتفحّص جاك جورمان، الطبيب النفسي، وابنته سارة، المتخصصة في الصحّة العامّة، المسافة بين ما يقوله العلماء وما نقوله لأنفسنا. وينصبّ اهتمامهما على القناعات السائدة، التي لم يثبت فقط بأنّها خاطئة، بل وأنّها قاتلة أيضًا، كالقناعة بأنّ اللقاحات/ التطعيمات خطيرة. فـ"اللقاحات هي أحد أعظم إنجازات الطبّ الحديث" يقول المؤلفان. ولكن، على الرغم من كلّ الدراسات التي أثبتت أنّ اللقاحات آمنة وضروريّة، وأنّه لا توجد صلة بين أخذ اللقاحات وبين مرض التوحّد، فإنّ الحركات الاجتماعيّة التي ترفض اللقاحات لا تزال موجودة. (ويُمكنهم الآن أن يضمّوا إلى جانبهم دونالد ترامب، الذي قال إنّه، على الرغم من أنّه وزوجته وابنه بارون قد أخذوا اللقاحات، فإنّهم رفضوا أن يفعلوا ذلك في الجدول الذي أوصى به طبيب الأطفال).

يحاجج المؤلّفان جاك وسارة جورمان بأنّ أنماط التفكير التي تبدو اليوم مدمّرة للإنسان، لا بدّ وأنّها كانت في وقت من الأوقات وسيلة للتكيّف. كما أنّهما يخصصان عددًا كبير من الصفحات لـ"الانحياز التوكيدي"، والذي ينطوي على مكوّن نفسي. فهما يستشهدان بدراسة تؤكّد بأنّ البشر يختبرون شعورًا حقيقيًا بالمتعة – تدفقًا عاليًا في الدوبامين- حين يفكّرون بمعلومات تدعم الحقائق التي يؤمنون بها. "إنّه شعور جيّد، أن نتمسّك ببنادقنا، حتى لو كنا مخطئين"، هكذا يلخّصان المسألة.

لا يهدف المؤلّفان جورمان إلى فهرسة طرق التفكير الخاطئة في كتابهما؛ بل يريدان أن يصححا هذه الطرق. وهما يُصرّان على أنّه لا بدّ من وجود طريقة ما لإقناع البشر بأنّ تلقّي اللقاحات أمر مفيد للأطفال، وأنّ الأسلحة أمر خطير. (وهذه قناعة سائدة، على الرغم من أنّها غير دقيقة إحصائيًا؛ وهي أنّ حيازة سلاح يجعلك أكثر أمانًا). ولكن، هنا يواجهان المشكلات العويصة التي طرحاها. فأن تقدّم معلومات دقيقة للبشر لا يبدو أمرًا مفيدًا؛ فهم غالبًا ما يتجاهلونها. ويبدو أنّ مناشدة عواطف البشر أمرٌ أجدى، ويعمل بصورة أفضل، ولكنّ فعل ذلك يبدو متناقضًا بوضوح مع هدف تعزيز صوت العلم. "التحدّي الذي يبقى أمامنا"، يقولان في نهاية كتابهما، "هو معرفة كيف يُمكن أن نتعامل مع الانحرافات التي توصل البشر إلى تبنّي قناعات خاطئة علميًّا".

"أحجية العقل"، "وهم المعرفة"، و"رفض الاعتراف بالمقبرة"، جميعها كُتبت قبل انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر. ومع ذلك فقد تنبّأت بظاهرة كيليان كونواي (مستشارة ترامب للأمور الإستراتيجية) وصعود "الحقائق البديلة". هذه الأيام، يبدو أنّ بلدنا يخضع بأكمله لتجربة سيكولوجيّة واسعة يُديرها ستيفن بانون. وفي هذه اللحظة، على العقلانيين أن يؤمنوا بإمكانيّة وجود حلّ ما. ولكن، في هذا الصدد، فإنّ الأدبيات العلميّة لا تُقدّم لنا أخبارًا مطمئنة.


*إليزابيت كولبيرت (تكتب في صحيفة النيويوركر منذ 1999. حاصلة على جائزة البوليتزر عن كتابها "الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي").

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018