صعود وهبوط الديمقراطية الاجتماعية

صعود وهبوط الديمقراطية الاجتماعية

ترجمة خاصة: عرب 48

إن موجة القصص التي لا تنتهي والمنتشرة في هذه الأيام حول 'صعود الشعبوية'، وجدل نتائج الانتخابات الفرنسية ودخول مارين لوبان في المراحل الأخيرة من السباق الرئاسي، تتجاهل اتجاهًا آخر في الحياة السياسية الغربية يكمِّل الصورة ولا يقل أهمية عن الأول وهو سقوط الديمقراطية الاجتماعية.

قبل فترة بسيطة، كانت السيطرة التي حققتها الديمقراطية الاجتماعية الحديثة أمرًا واضحًا للعيان، وهي مزيج من السوق الرأسمالية مع بعض أشكال شبكات الحماية الاجتماعية. في تلك اللحظة العابرة عندما 'وصل التاريخ إلى نهايته'، طبَّقت النخب السياسية من يسار الوسط إصلاحات بنيوية كانت سترضي مارغريت تاتشر وتحافظ في نفس الوقت، بل تعمِّق، من شبكات الحماية الاجتماعية. كان هناك دائمًا بعض الرفض الأوروبي، ولكن في أواخر التسعينات سار العديد خلف 'الطريق السياسي الثالث'، والذي أصبح شديد الصلة بالشباب حسني المظهر، لبيل كلينتون في الولايات المتحدة وتوني بلير في المملكة المتحدة وغيرهارد شرودر في ألمانيا.

إن الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 – 2008 التي أحاطت بالأسواق الرأسمالية ونيوليبراليي واشنطن قد أدت لتكوين إجماع على ضرورة اتخاذ خطوة نحو اليسار. وقد اعتقد العديد أن انفجار السوق سيؤدي لوضع قواعد متشددة عليه، والتي ستعود بالفائدة على اليسار السياسي المتحمس للمزيد من إعادة توزيع الثروة والتقليل من مركزية السوق. وحتى صندوق النقد الدولي المندفع أصبح نادمًا حينها، حيث قام بإضعاف مجموعة من أكثر إصلاحات السوق راديكاليةً والتي تم الإعلان عنها في السابق.

ولكن هناك حالات قليلة تحظى بها الدعوات الثورية بالتجسد الواقعي. فالأزمة لم تأتي بتصدُّر الديمقراطية الاجتماعية، بل أتت بمصرعها. ولكن بالتأكيد فإن أكثر اتجاه سياسي برز في عالم اليوم هو يسار الوسط.

كانت اليونان هي أولى ضحايا الأزمة المالية التي أحاطت أوروبا. فاز الحزب الاشتراكي اليوناني من يسار الوسط الصامد، والمعروف بـ'باسوك'، بالانتخابات الأوروبية والوطنية وبشكل حاسم في عام 2009، حيث حصل في الأخيرة على ما لا يقل عن 43.9% من الأصوات. ومع صعود حالة القلق حيال عجز اليونان خلال الحملة، وعد زعيم باسوك، جورج باباندريو، بأن هناك 'أموالًا' مخفية عنا، ولكن لم يكن هناك أي شيء. كانت تحتاج اليونان إلى ثلاثة ثم أربعة مساعدات مالية، وتحمَّل الحزب عواقب ذلك. وتصاعدت الانشقاقات عن الحزب وازدادت شبهات الفساد وتدابير التقشف مما أدى لانحدار الدعم الشعبي للحزب وبشكل غير مسبوق.

وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011، عبَّر أكثر من 90% من المصوتين عن 'خيبة أملهم' من الإدارة. وأعلن باباندريو استقالته بعد ذلك، كما انسحب من السياسة الوطنية ولكنه بقي بطريقة ما مسؤولًا عن منظمة الاشتراكية الدولية، وهي منظمة عالمية للأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية.

ولكن لم تؤثر استقالة باباندريو كثيرًا في حل الأزمة، فقد تقلَّص وجود باسوك بشكل مذهل خلال ثلاثة انتخابات برلمانية لاحقة، حيث انخفضت إلى 13%، ثم وصلت لـ 12.3، لتصل أخيرًا إلى 4%. ثم شارك باسوك مع حزب ديمار اليساري في أواخر عام 2015، ولكن حقق كلاهما ما نسبته 6% من الأصوات فقط. وقد تنازل باسوك لصالح حزب كان معروفًا دائمًا بيساريته المتطرفة، هو تحالف سيريزا، وهم شعبويين متطرفون بقيادة أليكسيس تسيبراس، وهم ذات المتطفرون الذين حصدوا أقل من 5% في استطلاعات الرأي، وقد أصبحوا الآن في سدة الحكم حيث يشغل تسيبراس منصب رئاسة الوزراء.

لقد أثار سقوط باسوك صخبًا عاليًا حتى أنه أدى لصك مصطلح جديد في العلوم السياسية وهو 'الباسوكانية' (pasokización)، والذي يشير إلى عملية انهيار مؤسسة يسار الوسط. ومن المنطقي أن تتحقق دلالة المصطلح في إسبانيا، والتي سقطت هي الأخرى كضحية لأزمتها المالية الخاصة.

فبعد عقد من حكم التيار الاشتراكي يسار الوسط، وهو الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، فاز محافظو ماريانو راخوي في عام 2012. وبمجيئه للسلطة وسط أزمة البنوك، كان راخوي يساريًا يحمل مهمة تطبيق تخفيضات صعبة للاقتطاعات المالية وإعادة بناء النظام المالي المحلي بمساعدات أوروبية. ولكن لم يواجه محافظوه مصير باسوك، بل كانت المعارضة هي من واجهته.

ولكن الحزب الاشراكي فشل أمام الحزب المندفع المعارض 'نحن نستطيع'، حيث انبثق عن احتجاجات عام 2013 التي تدين بالعديد من أساليبها ورسالتها لشعبويي أمريكا اللاتينية. فشل الحزب الاشتراكي في إزاحة راخوي بعد مرور فترتين انتخابيتين، وحدوث سلسلة من فضائح الفساد بالإضافة لخروج بريطانيا، وهو ما أدى لنشأة حكومة أقلية محافظة جديدة خلال الصيف الماضي.

ذات القصة حصلت في مكان آخر، حيث حافظ المحافظون في لندن على السلطة بالرغم من الحروب الأهلية الناشئة بسبب الاتحاد الأوروبي. والآن يدينون بنجاحهم لحزب العمال الذي يتزعمه اليساري جيرمي كوربين.

وبسبب عدم تأكيد مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم تقاوم رئيسة الوزراء، المحافظة تيريزا ماي، الرغبة بعقد انتخابات مبكرة في هذا الصيف، ويبدو أنها ترغب بالحفاظ على الأغلبية المحافظة منذ انتخابات ما بعد الحرب عام 1983.

وفي برلين، لم تتمكن أجندة سياسات شرودر لعام 2010، والتي تسببت بعودة 'رجل أوروبا المريض' إلى 'مركز القوة الحصين' في القارة، من مساعدة الحزب الذي قام بتنفيذها، بل حدث العكس تمامًا، إذ مني الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني الذي تزعمه شرودر بهزيمة تلو الهزيمة خلال مواجهاته لمحافظي المستشارة أنجيلا ميركل، كما فقد رئيس الحزب الاشتراكي المختار والمرحب به، مارتن شولز، الذي سيواجه المستشارة هذا الخريف، زخمه وقوته. ويبدو أن نتائج انتخابات هذا الخريف ستكون تمديدًا لميركل.

وفي هولندا، ومع غضب الجميع من الشعبويين خلال انتخابات شهر آذار/ مارس، واجه حزب العمال الهولندي ذات مصير باسوك. فقد أوصل المصوتون الحزب إلى المرتبة السابعة وبنسبة 5.7% فقط من الأصوات. وتجلَّت هذه النتيجة في خسارة 29 مقعد في البرلمان المكون من 150 مقعد.

لذلك، من غير المفاجئ أن يتذمَّر وزير المالية، الذي من المرجَّح أن يخسر منصبه (بالإضافة لمنصبه في رئاسة مجموعة أوروبا، وهو النادي غير الرسمي للنظراء الأوروبيين)، حيث وصف النتائج بالـ'مخيبة للآمال'.

وكما هو الحال في اليونان، فقد كان المستفيد الحقيقي من هذا الاتجاه هو التيار الشعبوي، من اليمين واليسار. فقد استولوا على القاعدة الشعبية المعادية للنظام وللنخبة والتي أضعفت قدرة ناخبي اليسار المتشدد بعد سقوط جدار برلين. وكما قال أحد الزعماء الاشتراكيين الأيبيريين السابقين مرةً 'لا يمكن لحزب السلطة أن يلعب في فراغ طوباوي'، ولكن الشعبويين يجدون ذلك أمرًا سهلًا.

إن الشعبوية الناشئة ليست أيديولوجيا، بل هي ظاهرة اجتماعية يصعب وضعها ضمن التقسيم المانوي لليسار واليمين. وهذا الأمر هو الذي يجعل وجود تشابه بين مارين لوبان من فرنسا وغريت ويلدرز من هولندا باعتبارهم مناهضين للعولمة وتراجع الصناعة وبين تحالف سيريزا أو الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما يمكن أن يفسر سبب تنازلهم السريع عن وعودهم حال وصولهم للسلطة. ففي اليونان لا يزالون يطلبون المساعدة كما حصل مع باسوك، وفي الولايات المتحدة، وبالرغم من ان الأمر ما زال مبكرًا لتوجيه الحكم، إلا أن قائمة الوعود الكاذبة قد ازدادت هذا الأسبوع.

هناك العديد من الأسباب التي تمنعنا عن الإشادة بالديمقراطية الاجتماعية. عندما دعا رئيس الوزراء التكنوقراطي، ماريو مونتي، لعقد انتخابات في إيطاليا عام 2012، قاد ديمقراطيو يسار الوسط الساحة بنسبة 15%، ومع حلول موعد الانتخابات، كان الحزب شديد الصلة بائتلاف رئيس الوزراء السابق من يمين الوسط. وقامت هذه القيادة الجديدة بتعزيز الديمقراطيين، مما أدى إلى نجاح باهر في الانتخابات الأوروبية في عام 2014 بزعامة الإصلاحي الوسطي، ماتيو رينزي.

وتعثَّر رنزي منذ ذلك الوقت، واستقال بعد فشل الاستفتاء الدستوري خلال العام الماضي، وابتعد عن السلطة لكنه لم يغب عن الأنظار، فقد بات من المرجح فوزه في المرحلة التمهيدية في نهاية شهر نيسان/ أبريل بعد أخذه لاستراحة برفقة نواب من اليسار المتطرف. وسيتزعم بعدها قيادة الحزب الديمقراطي، وهو أكبر حزب وسط في إيطاليا، بعد الانتخابات الجديدة خلال هذا العام.

وهناك فرنسا أيضًا، فالانتخابات الرئاسية المليئة بالمفاجآت قد جاءت لصالح الإصلاحي الديمقراطي الاجتماعي إمانويل ماكرون، والذي أبعد تيار الوسط عن الحزب الاشتراكي التقليدي الآيل للسقوط. وللمرة الرابعة خلال أربعة عقود، يبدو أن الفرنسيين سيستمرون بالتصويت بعكس اتجاه الولايات المتحدة، رونالد ريغان ضد فرانسوا ميتران، كلينتون ضد جاك شيراك، باراك أوباما ضد نيكولا ساركوزي، ودونالد ترامب ضد ماكرون.

يبدو أن الصحافة الأنجلوأمريكية ستبقى مهووسة بلوبان، والتي ستواجه ماكرون في المرحلة الثانية، ولكن صعود ماكرون هو ما يستحق الانتباه في هذه الانتخابات الصاخبة. فقد استطاع هزيمة لوبان، والتي تصدَّرت الجولة الأولى من الاستطلاعات منذ بدايتها في عام 2013، ولم يمر على تأسيس حزبه عام كامل، مثل ترامب. كما لم يترشَّح للانتخابات سابقًا قبل إطلاق حركته، بالإضافة أنه يخدم في إدارة غير ذات شعبية.

وتعرض ماكرون لانتقادات لاذعة بسبب عشقه للمُثل الأوروبية. ومع ذلك، فقد أمَّن هذا الدخيل طريقه مع هزيمة المرشح الاشتراكي بونوا هامون والزعيم المتأثر بالنزعة الديغولية (نسبة للجنرال تشارل ديغول) فرانسوا فيون. لقد اقترب أصغر رئيس لفرنسا منذ عهد بونابارت للوصول للسلطة، وذلك على حساب القوى الشعبوية والمؤسسات الحزبية المتعبة.

وفي نهاية المطاف، تمر الأحزاب السياسية بمراحل صعود وهبوط، كما هو الحال مع الأيديولوجيات. ولا يتوقف موضع الرهان في برنامج الانتخابات الأوروبي لعام 2017 على صعود الشعبوية المبالغ به، بل أيضًا في صعود قيم الديمقراطية الاجتماعية في عصر ما بعد الصناعية.

إن الوصول لحال 'الباسوكانية' هو مآل منطقي، وهي تشكِّل بالتأكيد معضلةً بالنسبة للأحزاب التي فشلت في الإجابة (المشروعة) عن الأسئلة التي يطرحها الشعبويون. ولكن ما هو مرجَّح أن يحصل في الانتخابات الفرنسية، وربما إيطاليا خلال العام، يؤشِّر إلى أن الوقت لم يحن بعد لإلقاء الديمقراطية الاجتماعية في مزبلة التاريخ. إن قطع الأمل بالوسط لهو استراتيجية سيئة في مقابل إمكانية إعادة شحن قواعده بنخب إصلاحية نزيهة ومتطلعة للمستقبل. هناك سوق يمكن أن يستقبل هذه النخب، فقط في حال وجود ناشط سياسي يجرؤ على تجسيد مثل هذا النموذج.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018