اكتساح روحاني في الانتخابات الإيرانية... وقفة في وجه التيار المحافظ؟

اكتساح روحاني في الانتخابات الإيرانية... وقفة في وجه التيار المحافظ؟

ترجمة خاصة: عرب 48

 

تم إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني باكتساحه لهذه الانتخابات، حيث فاز بنسبة 57% من الأصوات وألحق الهزيمة برجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي الذي حصل على 39%. وهذا رقم قياسي بالنسبة للإيرانيين الذين شاركوا في الاقتراع، فقد شارك 41 مليون ناخب أو ما نسبته 73.5% من المؤهلين للانتخاب.

ولكن من الصعب تحديد ما هو الأمر الأكثر أهمية في انتخابات يوم الجمعة: هل هو انتصار روحاني الكاسح وقوة التفويض التي حصَّلها الآن أم الخسارة الحاسمة لرئيسي والتيار الإسلامي المحافظ الذي عمل بلا كلل على استبعاد الرئيس؟

هذا تمييز ضروري، لأن الذين انتخبوا روحاني لم يصوتوا بسبب تأييدهم له، فالكثير ممن شاركوا في الاقتراع كانوا يريدون وبكل بساطة أن يقفوا في وجه التيار المحافظ كي لا يصل إلى سدة الحكم واستبعاد رئيسي، وهو القاضي الإسلامي ذو الماضي الأسود.

على الرغم من تركيز رئيسي في حملته الانتخابية على برنامج لمواجهة الفساد ومكافحة الفقر، وتعهده بزيادة الصدقات المالية للفقرات (بالرغم من عدم وجود خطة واضحة لذلك)، إلا أنه يمتلك ماضياً أسود. ففي عام 1987، كان عضواً في ما كان يُعرف بلجنة الموت، والتي صادقت على قرارات إعدام لأكثر من 4000 سجين سياسي الذين كانوا يقضون فترة محكوميتهم، واعتُبِرَت هذه الاعدامات مرحلة مظلمة ومقلقة في تاريخ حكم رجال الدين الإيرانيين. وكان الخليفة المحدد لآية الله روح الله الخميني، آية الله علي منتظري، غاضباً من رئيسي وأعضاء وآخرين في لجنة الموت، حيث حذَّرهم قائلاً "سأكون صريحاً معكم، لقد ارتكبتم أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وهي جريمة ستديننا جميعاً عبر التاريخ، سوف يتم اعتباركم كأكبر مجرمين في التاريخ". إن واقع ترشُّح رئيسي لأعلى منصب سياسي في إيران وهو ملطَّخ بهذه الخلفية التاريخية يشير إلى جرأة التيار المحافظ وتجاهلهم للرأي العام.

في الأيام التي سبقت الاقتراع، وردت مجموعة من التقارير التي تشير إلى أن التيار المحافظ يقوم بحشد جميع موارده وقواه ليجمع أكبر قدر من الناس كي يصوِّتوا ويستبعدوا روحاني. ومن خلال حصولهم على الرئاسة، سوف يضمن التيار المحافظ أنه قد تمكن من القضاء على أخر مركز من مراكز القوى يقع خارج قبضته. حثَّت الوسائل الإعلامية ملايين الناس للتصويت ضد التيار المحافظ الذي يمتلك رؤية مخيفة لحكومة إسلامية متغطرسة تصر على المزيد من خنق المعارضة والحد من الحريات الشخصية والسياسية. كما أن الحكومة التي أراد تشكيها رئيسي كانت ستتضمن على أكثر أعضاء النظام الإسلامي تشدداً.

وكما هو الحال مع كل دورة انتخابية في إيران، تحدث جدالات قبل التصويت بين العديد من الناس، خاصة الشباب، عن ما إذا كان التصويت سيغير أي شيء أو عن ما إذا كان الاختيار بين رجلي دين هو اختيار أصلاً. وكانت هناك شكوك أكبر حيال ما إذا كان روحاني سيغير من واقع البلاد ويقودها للأفضل. وقد قال العديد أن روحاني لم يقدِّم سوى القليل على مستوى تحسين حياتهم خلال الأربع سنوات الأولى من حكمه، وأنه فشل في إيقاف تدهور المستوى المعيشي لدى الشعب. كما أن أحد أبرز مؤيدي روحاني، وهو صادق زيبا كلام أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، قد قال لمتابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي أن الانتخابات مثَّلت خياراً موحشاً بين مرشَّحين غير ملهمين، حيث كتب "هناك لحظات في الحياة ينبغي أن يختار فيها الفرد بين السيء والأسوأ، وهذه واحدةٌ من تلك اللحظات".

وفي نفس الوقت، كان هناك ممن صوتوا لروحاني لقناعتهم بالرسالة التقدمية التي عبَّر عنها في حملته الانتخابية. فقد تحول بشكل حاسم نحو اليسار وتبنى قرارات إصلاحية ليطبقها في الأشهر الأولى بعد الانتخابات. حيث تعهَّد بفتح المجال السياسي وتوسيع الحريات الفردية والسياسية، وفتح حرية أكثر في الإنترنت وتنشيط الاقتصاد وإنهاء التطرف، بالإضافة لجعل العديد من مؤسسات الدولة عرضة للمحاسبة مثل كتائب الحرس الثوري الإسلامي. كما تعهَّد بمد الجسور نحو العالم الخارجي، وتحقيق السلام، وحماية الاتفاقية النووية من خلال الامتثال للالتزامات الإيرانية، وذلك بالإضافة للمفاوضة على رفع العقوبات الأمريكية المتبقية على إيران. يصدر برنامجه الانتخابي عن الحركة الإصلاحية، والتي ما زالت من أبرز القوى السياسية في إيران، وذلك بالرغم من خفوت صوتها. وما زال يدين الملايين من الناس بالولاء للأب المؤسس للحركة، وهو الرئيس السابق محمد خاتمي، والذي دعم روحاني في الانتخابات. وبالرغم من مكوث زعماء الحركة الخضراء الإصلاحية في الإقامة الجبرية في إيران منذ أكثر من ست سنوات ومن دون محاكمة، إلا أنه لم يتم نسيانهم وما زالوا موضع تركيز المتحدثين الداعمين الذين يذكِّرون روحاني بهم في كل حملة انتخابية يشارك بها. وكان يقول لهم دائماً: "أعطوني تفويضاً قوياً وسوف ألبي جميع مطالبكم".

وبغض النظر عن شكوك الإيرانيين حول روحاني، فقد أثبت ملايين الناخبين الذين صوتوا له يوم الجمعة أنهم يطمحون لتحقيق تلك الرؤية لمستقبل البلاد. ومع كبح جماح التيار المحافظ، لا زال هناك بصيص أمل في إيران، والذي تبدَّى شيءٌ منه في يوم الجمعة. وبعد صدور النتائج يوم السبت، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع للاحتفال، حيث رقص العديد وهم في حالة ابتهاج. لقد كان يوماً مميزاً حقاً بالنسبة لإيران.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018