الرياض ترقص مع ترامب وتدعم النفط مع بوتين

الرياض ترقص مع ترامب وتدعم النفط مع بوتين

ترجمة خاصة: عرب 48

تختلف المملكة العربية السعودية وروسيا على الكثير من القضايا، كالحرب في سوريا، والسياسات مع إيران، والعلاقات مع واشنطن. ولكن يتغير ذلك وتتفقان عندما يتعلق الأمر برفع الأسعار العالمية للنفط.

انظر فقط كيف توحَّد أكبر منتجي للنفط في العالم خلال الأسبوع الماضي ليخبروا الأسواق أنهم يريدون المحافظة على قيود الإنتاج لتسعة أشهر إضافية. فبحسب التسريبات والبيانات المشتركة الرسمية من الرياض وموسكو – والتي انتشرت قبل جلوس السعوديين للاتفاق على الاقتطاعات مع منظمة الدول المصدِّرة للبترول 'أوبك' هذا الخميس – فقد دُعِم النفط بأكثر من 5% خلال أيام.

يقول إيغور يوسفوف، والذي عمل كوزير للطاقة في روسيا بين عامي 2001-2004، وهي آخر مرة تعاونت فيها الدولتان على سياسات الطاقة، أنها 'مسألة تتعلق بدولتان تعتمدان كلياً على النفط'.

إنه أقرب للزواج القائم على المصلحة، فلن يحتفي فلاديمر بوتين بزيارة دونالد ترامب للسعودية. ولكنهم يشتركون في مصلحة تحقيق الاستقرار الفوري لأسعار المادة التي يعتمد عليها اقتصادهم وشرعيتهم السياسية. وخلال ذلك، ستعمل روسيا والسعودية على نقل موازين القوى التي تحرِّك أسواق الطاقة العالمية بعد سنوات من انحسار تأثير منظمة الدول المصدِّرة للبترول.

وسواء أكان تحالفهم قوياً بالشكل الكافي الذي يمكِّنه من الاستمرار مع تحدي الزمن أو كان سيكشف مدى قوة اعتمادهم على تمديد دعم اقتطاعات الإنتاج حتى آذار/ مارس 2018، فإن الحصص ستكون عاليةً جداً بالنسبة للسعودية، خاصة مع استمرار الولايات المتحدة – والتي كانت زبوناً مستمراً وثابتاً – في تدعيم نفسها كمنتجٍ منافس.

تمتلك كلا الدولتان دوافع محلية ضاغطة لتسيير الأمور بهذا الاتجاه، فبوتين حريصٌ على دعم الاقتصاد الروسي، والذي خرج لتوه من ركود اقتصادي دام لسنتين، وذلك قبل معاودة دخوله في السباق الانتخابي في مارس/ آذار 2018. أما الأمير السعودي محمد بن سلمان، وهو الشخص المسؤول عن هندسة إصلاحات اقتصادية غير مسبوقة، فيحتاج لأسعار نفط أكثر ثباتً ليرفع من قيمة شركة أرامكو السعودية وذلك بعد عرضها للاكتتاب العام في وقت سابق من هذا العام.

ارتفع النفط الخام من حوالي 46$ لـ 54$ للبرميل منذ صيغت اتفاقية قيود الإنتاج بمعدل 1.8 مليون برميل في اليوم في الأسابيع الأخيرة من العام الماضي. ولكن يعود نزولها بنسبة 7% عن القمة التي وصلتها في مراحل الذروة إلى حالة الوفرة العالمية التي ما زالت قائمة.

تاريخ متزعزع

لقد دخلت العلاقة مباشرةً في الخلافات ، ففي حين عملت السعودية سريعاً على عمل اقتطاعات بمعدل 600000 برميل في اليوم، أي أكثر مما تعهَّدت به، احتاجت روسيا لأربع أشهر كي تحقق وعودها ولتقطع نصف تلك الكمية. تسرَّعت الرياض في النمو مع المستوى الذي حققته موسكو، وذلك بحسب ما يقوله أشخاص يعرفون طريقة التفكير السعودية.

يبدو ذلك مألوفاً لأنه يذكِّرنا بالمرة السابقة التي قامت بها السعودية وروسيا بالتنسيق حول السياسات النفطية، والتي امتدت لخمسة سنوات لتنتهي في عام 2004، حيث انهار الاتفاق بسبب فشل موسكو بإنجاز الاقتطاعات التي وعدت بها وهو ما أغضب الرياض.

كان ذلك قبل صعود صناعة النفط الصخري من الولايات المتَّحدة والذي هز موازين القوى في سوق النفط العالمية وأجبر مصدِّري النفط الخام عبر العالم على التأقلم مع الوضع. ومع بداية انهيار النفط في أواسط عام 2014، واجهوا انهيار الميزانيات هذا من خلال أن ينجبر المصدِّرين على توفير واقتراض المال.

يقول جون براون، الرئيس التنفيذي لشركة ' L1 Energy' الاستثمارية الخاصة بالمليارير الروسي ميخائيل فريدمان والرئيس السابق لشركة BP Plc أن 'الدافع الأول هو تحقيق إيرادات النفط'، ويضيف أن هناك دافعاً آخر: وهو الاستفادة من 'القوة الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة'.

يتابع مسؤولوا الطاقة ومنفِّذوا ومحللوا صناعة النفط ما يتخفى وراء لغة المال التي تتحدث بها الدولتان، فهم يحللون الدوافع السياسية الداعية لإنهاء عام مليء بالصراع على النفط.

أداة دبلوماسية

ترى الرياض – بشكل خاص - في سياسات النفط الخام أداةً للتأثير على السياسة الروسية في الشرق الأوسط، فالسعوديون يدعمون أطرافاً تتعارض مع تلك التي يدعمها الروس في الحروب المشتعلة في سوريا واليمن. وفي مظهر يعبِّر عن التشارك، يلتقي بوتين والأمير محمد وجهاً لوجه في اجتماع على هامش مجموعة العشرين في أيلول/ سبتمبر في الصين.

أخبر الأمير محمد صحيفة واشنطن بوست في الشهر الماضي أن التعاون بين البلدين سيمر على مسألة علاقة موسكو بإيران، عدوة السعودية، حيث قال الأمير -  البالغ من العمر 31 عاماً  - في المقابلة أن 'الهدف الأساسي لا يكمن في أن تترك روسيا جميع أوراقها بحوزة إيران'.

وفي نفس الوقت، تسعى موسكو للعب دور في الشرق الأوسط المضطرب ولأول مرة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، والذي كان يميل للاشتباك مع الولايات المتحدة.

بالنسبة لتجار النفط، فقد غيَّر هذه التحالف قواعد اللعبة، فبعد قضاء سنوات من التعلق بكل كلمة يذكرها مسؤولوا النفط في الشرق الأوسط على هامش اجتماعات منظمة الدول المصدِّرة للبترول في فنادق فينيسيا، أصبحوا يوجِّهون انتباههم الآن نحو التعليقات المسائية الصادرة عن الكرملين.

يأتي انقلاب العلاقات هذا بعد عقود من الصراع على سياسات الطاقة، وتحديداً مع رفض روسيا للعمل مع السعوديين لتثبيت أسعار النفط في عام 2008، عندما انحدر سعر برميل النفط الخام إلى أكثر من 100$ خلال خمسة أشهر.

تحول الموازين

في اجتماع في فيينا في نوفمبر 2014، تصادم وزير النفط السعودي آن ذاك علي النعيمي مع إيغور سيتشين – وهو حليف لبتوين ومدير شركة Rosneft PJSC النفطية الكبيرة التابعة للدولة – حول كيفية إدارة إنتاج النفط. قاطع سيتشين النفط الخام، قائلاً أن الشركات الروسية سوف تصارع لتقليص الإنتاج خلال الشتاء الصربي البارد، ولم يخفي النعيمي غضبه حينها.

وقال حينها بحسب ما يتذكر: 'يبدو أنه لا يوجد أحد يستطيع الاقتطاع، لذا أعتقد أن هذه هي نهاية الاجتماع'.

لكن التحالف الأخير يمتلك أوجهاً جديدة: وهم وزير الطاقة الروسي أليكساندر نوفاك وخالد الفالح، وهو خليفة النعيمي الذي استقال في شهر مايو/ أيار 2016. فبعد ستة أشهر، كان كلاهما مفتاحاً لجعل مجموعتين من البلاد تقطعان إنتاجها. يتحادثان عادة عبر الهاتف وقد عقدا مجموعة من المؤتمرات الصحفية المشتركة. كما صدرت عنهما بيانات وتسريبات مشتركة عدة مرات – وهذا الشهر أيضاً – حول موضوع أسعار النفط.

ولكن من الممكن أن تنهار العلاقات بسرعة كما بنيت تماماً. فمعدلات إنتاج النفط الصخري في حالة ارتفاع متسارع، فمن المتوقع أن تتجاوز معدلات إنتاج النفط الخام الأميركي لـ 10 مليون برميل لليوم خلال العام القادم، وذلك بحسب إدارة معلومات الطاقة. وهذا أكثر مما وصلت إليه السعودية حتى هذه اللحظة.

لن يؤدي هذا التوجه إلى إلهام التكافل الروسي السعودي. ففي الأيام الأخيرة، دعا سيتشين الحكومة الروسية لوضع خطة لخروج منظَّم من الاقتطاعات وتعهَّد بأن يكونوا 'مستعدين لمعركة تنافسية'. ولكن حذَّرت شركة Rosneft في شهر آذار/ مارس من 'مخاطر استئناف حرب الأسعار'.

إذا لم يكن من الممكن إقناع منتجي الولايات المتحدة بتحديد التوريد مع السعوديين والروس، فيمكن أن تؤدي نتيجة المعركة على سوق الأسهم إلى 'تدمير السوق'، وذلك بحسب تحذير الوزير الروسي السابق يوسفوف.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018