المخابرات الأميركية في ساحة المعترك السياسي: من يراقب الرقيب؟

المخابرات الأميركية في ساحة المعترك السياسي: من يراقب الرقيب؟
(أ ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

في نهاية الأسبوع، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا يفصل انكشاف وانحلال نظام شبكة التجسس التابعة للولايات المتحدة في الصين بين عامي 2010 و2012. يستشهد التقرير بعشرة مسؤولين، سابقين وحاليين، يصفون واقعة اختراق الشبكة ويصدِرون تخمينات حول أسباب فشلها. يدَّعي البعض وجود اختراق صيني في المخابرات المركزية، بينما يدَّعي آخرون أنه تم اختراق خطوط التواصل بين الأصول ووكالة المخابرات.

إن توقيت التقرير مهم بقدر أهمية ما يتضمنه من محتوى، ففي جميع الأحوال، لقد تم اتهام مسؤولين في المخابرات المركزية بتسريب معلومات تهدف لإضعاف دونالد ترامب. والآن لم يتمكنوا من تحصيل مجموعة من المسؤولين ليكشفوا عن الفشل الذريع للمخابرات فحسب، ولكنهم فعلوا ذلك – وعلى الملأ – بعد خمسة سنوات من الحدث.

هناك تفسير واحد لذلك، وهو وجود فصيل في المخبارات المركزية يهدف إلى إضعاف مصداقيتها من خلال الكشف عن فشلها. (لا أمتلك أي دليل على ذلك، ولكن عملية إثبات التهم تعد خيارًا في واشنطن). وسيؤثر ذلك على تقويض مصداقية أولئك الذين يدَّعون معرفة الخطط الروسية السرية. "أنت تدَّعي أنك تعرف عنهم، ولكنك لست أهلًا للعمل الاستخباراتي"، أو أيًا كان الاتجاه الذي تسير فيه المحاججة.

سؤال صعب

إن العمل الاستخباراتي هو لعبة الخداع، فالاستحواذ على المصادر الحكومية يعتمد على النفاق، وينبغي على جهاز المخابرات أن يكذب لكي يحمي هذه المصادر. خذ الحرب العالمية الثانية كمثال على ذلك، فقد تمكَّنت الولايات المتحدة وبريطانيا من الفوز في الحرب لأسباب تعود في جانب كبير منها لتمكنهم من اختراق الشيفرات الألمانية واليابانية، وبالتالي عرفوا ما يخطط له أعداؤهم واستطاعوا مجابهتهم. وكي ينجح الاختراق، تتطلب الأمر أن يبقى ذلك سرًا مكتومًا عن العموم. وتم الكشف عن أسرار الاختراق بعد سنوات من الحرب، ولكن لو علمت ألمانيا واليابان عن ذلك في وقت مبكِّر، لعملتا على تغيير شيفراتهم، مما كان يمكن أن يقلب موازين الحرب.

على المدى البعيد، لا يمكن للمخابرات المركزية أن تخدع الحكومة الصينية من دون أن تمارس الخداع أيضًا على الشارع الأميركي بطريقة ما. وهذا يتركنا أمام مشكلة بسيطة: هل ينبغي أن نصدِّق جميع ما تقوله المخابرات المركزية؟

إنه سؤال تستصعب الديمقراطية الإجابة عنه. فالثقة هي الركيزة التي يتستند عليها الاتفاق الضمني على أن "الأمور السيئة" التي تمارسها المخابرات هي في الواقع مفيدة للبلاد. وإذا اكتشف العموم أنه لم تعد هذه هي القضية – وذلك في حال اقتناعهم بأن المخابرات تتصرف لمصلحتها الخاصة لا للمصلحة الوطنية – فهذا يعني إنهيار هذا الاتفاق. سيُنظر لجهاز المخابرات كعائق عن حق تقرير المصير الوطني، وبالتالي كنوع من الإنحراف عن مقصوده.

ولأن الثقة مبنية على الكفاءة، بالتالي فمن المبرَّر أن يتم مسائلة مؤهلات جهاز المخابرات. ولكن عندما تتم مسائلتها، فإن المخابرات المركزية تميل – بحكم ارتهانها للخداع – لتقول شيئًا قريبًا من هذه المقولة "إذا كنتم تعلمون ما أعلم فقط، فسوف تكنون لي كامل الاحترام". ولكن لا يمتلك العموم أي طريقة لمعرفة ماهية السر الذي تخفيه المخابرات المركزية وما إذا كان يُضمر النجاح أم الفشل.

من الصعب تسليم الثقة لجهاز مخابرات يقدِّم الأكاذيب ضمن السياق الديمقراطي – وهذا يفسر جزئيًا سبب عدم امتلاك الولايات المتحدة لجهاز مخابرات قبل الحرب العالمية الثانية – ولكن الأمر يزداد صعوبة عندما تدخل المخابرات في الساحة السياسية، وهو المكان الذي دخلت في معتركه الآن. وبالإضافة لتحديد ما إذا كانت المخابرات تقول الحقيقة أما لا، ينبغي على العموم أن يتأكد من أن إنخراطها في الحياة السياسية لا يعود لأسباب فشلها في حمل المهمة المطلوبة منها؛ والتي تتمثل في جمع المعلومات الخارجية. لذا يصبح السؤال الآن هو: هل تم الاستيلاء على المخابرات المركزية من قِبَل فصيلٍ سياسي أميركي، وإذا كان ذلك صحيحًا، هل ما زالت جهازًا استخباراتيًا فعَّال؟

تكلفة عالية

من الممكن أن تمتلك المخابرات المركزية معلومات عما إذا كان الرئيس متواطئًا بطريقة ما مع قوة خارجية، وستكون هذه معلومة مهمة إذا ما كانت موجودة فعلًا. ولكن ينبغي تمرير المعلومات للكونغرس عن طريق اللجان الاستخباراتية، لأن الكونغرس هو الوحيد المؤهل بالصلاحيات الدستورية للتعامل مع مثل هذه القضايا. ولكن في حال نشرت المخابرات هذه المعلومات، فمن الممكن أن تكشف أيضًا عن مصادرها وأساليبها، والأكثر أهمية من كل ذلك، ستكشف عن زيف ادعاء امتلاكها لقوة فوق الدستور – والذي تعهد كل عضو في المخابرات المركزية على "حفظه وحمايته والدفاع عنه" – بينما لا تمتلكها المخابرات في الواقع.

وفي المقابل، سيؤدي الانخراط في الجدل السياسي إلى تقسيم المخابرات المركزية، بحكم عدم اتفاق أعضاء المخابرات على عقلية سياسية واحدة في هذه الأيام. لذا عندما يُقدم 10 مسؤولين على كشف مواضع فشل العمل الاستخباراتي في الصين – بحسب ما نشره تقرير "نيويورك تايمز" – فإنه ينبغي أن نأخذ بالاعتبار أسباب إقدامهم على هذه الخطوة الآن. هل كان التوقيت مجرَّد صدفة؟ هل كان محاولة لتقويض إمكانية تشكل فصيل داخل المخابرات المركزية الذي يسرِّب معلومات ضد الرئيس؟ وبالتأكيد فإن هذه مجرَّد تكهنات ولكن هنا تكمن القضية: فبمجرد دخول المخابرات المركزية للساحة السياسية المحلية، فإنها ستصبح موضوعًا للتكهنات مثلها مثل غيرها من الأطراف.

وهذا يشير إلى أهمية وجود الاستقامة الأخلاقية داخل المؤسسة الاستخباراتية في الأجواء الديمقراطية. فالسرية والازدواجية المطلوبة مرفوضة في كل الأحوال، والخوف من توظيف المخابرات لهذه المراهنة من أجل التدخل في السياسة المحلية سوف تكون قائمة لا محالة.

ينبغي أن يمتلك جهاز الاستخبارات قاعدة أخلاقية لانتخاب أهل الثقة الذين يوظِّفون الكذب والخداع للدفاع عن الدستور، لا من أجل السعي لدفع أحد الفصائل في البلاد. وبمجرد انتشار هذه الشكوك، تفقد المؤسسة الاستخباراتية قاعدتها الأخلاقية، وقيمتها التي تتمثل في جمع المعلومات الخارجية. وبمجرد خسارة الجهاز لقاعدته الأخلاقية، فلن تصبح التقارير كتلك التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" عن الصين كطريقة للتعبير عن الشفافية بل كوسيلة للتلاعب.

إن التخلي عن جهاز الاستخبارات ليس خيارًا واقعيًا، فينبغي أن تكون القوة الدولية مدركة لمجريات الأمور المحيطة في العالم. ينبغي أن تتحمل القوة الديمقراطية الدولية حالة الاستياء من الخداع، فهي مخاطر تأتي كضريبة عليها. فهذا أمر ضروري في حالة غياب التوازن، وسيزداد الطين بلة عندما يدخل الجهاز الاستخباراتي في الخطاب العام. فالجهاز يخون عهده عندما يوظف إمكانياته الاستخبارية لخدمة فصيل سياسي ما. وهذا يقود لتسؤالات عن إمكانية استمراره.

إن تقرير الصين هو بمثابة منبِّه للتكلفة العالية التي ندفعها من وجود جهاز المخابرات، حيث لا يجوز دخول الغرباء للساحة السياسية الأميركية. وبالنسبة للمسؤولين الذين لم يسجلوا موقفهم بسبب منعهم عن ذلك فإنهم يبذرون بذور عدم الثقة التي ستجتاجهم في لحظة ما وستضعف الولايات المتحدة. وإذا كان أعضاء المخابرات المركزية هم الحماة، فمن الذي سيحرسهم؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018