الجنون الأميركي مقابل الجنون الكوري الشمالي

الجنون الأميركي مقابل الجنون الكوري الشمالي
(تويتر)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

ما زالت الولايات المتحدة في مرحلة التفاوض على برنامج الأسلحة النووية الخاص بكوريا الشمالية، ولكنها باتت أقرب لنقطة اتخاذ القرار حول ما ينبغي فعله.

في الأسبوع الماضي، أكَّدت إدارة ترامب عملية إطلاق كوريا الشمالية لصاروخ بالستي عابر للقارات. إن إطلاق مثل هذا الصاروخ الذي يصل إلى ارتفاع ١٧٠٠ ميل – بحسب ما يقوله بعض الخبراء – يؤشِّر على امتلاك كوريا الشمالية لقاعدة أسلحةٍ نووية قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة. ولكن هذه النتيجة سابقة لأوانها، فهناك متطلبات أخرى يحتاجها البرنامج لتحقيق ذلك، ومن ضمنها نظام التوجيه، والمواد القادرة على البقاء ضمن ظروف صعبة عند الخروج والدخول إلى الغلاف الجوي، بالإضافة للسلاح النووي القادر على العمل بعد تحمله لقسوة عملية الإطلاق والحركة. وربما قد حققوا مثل هذه التكنولوجيات، وقد تكون الاستخبارات الأمريكية على دراية بما يحدث. ولكن بالنسبة لمشاهد من الخارج، فيبدو أن كوريا الشمالية قد أصبحت أقرب لتحقيق نظام النقل، وفي أحسن الأحوال، فالشيء الوحيد الذي بمقدرونا الحديث عنه هو أننا غير متأكدين من واقع تحقيقهم لذلك، وهذه نقلةٌ مهمة.

الصينيون غير قادرين على استمالة الشمال

لم يتمكن الصينيون حتى الآن من إقناع كوريا الشمالية بوقف برنامجها، ولا أعتقد أنهم سيفعلون ذلك. فكوريا الشمالية تنظر للأسلحة النووية كعنصر جوهري لبقاء النظام، ولا يتملك الصينيون أي شيءٍ ليهددوا أو يغروا به كوريا الشمالية.

ولا يمانع الصينيون من ترك الأمور كما هي، فإذا تمكن الكوريون من إنجاز برنامج الأسلحة النووية، فإن هذا سيشكل تهديداً دائماً للولايات المتحدة، مما سيحدُّ من حركتها في آسيا. وإذا ما هاجمت أمريكا وكبَّدت سول خسائر بشرية كبيرة، فإن ذلك قد يزعزع استقرار كوريا الجنوبية، مما يعطي الصين فرصة للدخول: ففي حال نجح الهجوم، ستتهم الصين الولايات المتحدة بقيامها بهجوم متهور وغير ضروري ضد كوريا الشمالية، وذلك في وقت كانت "تتقدم" فيه الصين في المفاوضات. وفي النهاية، لا تمتلك الصين مصلحة كبيرة من حل المشكلة الأمريكية، وذلك مع استمرارية مشكلة الصين الحقيقية – المتمثلة في التجارة – كتحدي بالنسبة لها بغض النظر عن وضعية برنامج الأسلحة النووية الخاص بكوريا الشمالية.

كل ذلك يُعيد إلى الطاولة خيار ضرب الولايات المتحدة لكوريا الشمالية، ولكنه خيارٌ إشكالي أيضاً. فإن القيام بضربة أمريكية على كوريا الشمال قد يؤدي إلى خسائر بشرية هائلة في كوريا الجنوبية، وبالإضافة إلى ذلك، فقد وزَّعت كوريا الشمالية مواقع الأسلحة النووية والصواريخ، مما يصعِّب من عملية تحديد المواقع الرئيسية والإضافية والفارغة، وبعضها مبني داخل أنفاق عميقة أو بين الجبال. قد تؤدي الضربات العسكرية العادية إلى إعاقة البرنامج، ولكن من الصعب أن توقفه.

من أجل زيادة نسب النجاح، قد يتطلب الأمر استخدام قوات العمليات الخاصة وقوات عسكرية أخرى أيضاً. وهناك احتمال كبير بحدوث الفشل في تدمير المنشآت النووية مع وجود الخسائر الكارثية بين المدنيين. فالحملة، في حال نجاحها، ستكون طويلة ومعقدة ومكلفة لا محالة. وهذا هو السبب الذي يجعل الولايات المتحدة مهيئةً لإعطاء الصين كل الوقت الذي تدعي أنها تحتاجه، حتى لو كان نجاحها مشكوكاً به، لأن الخيار البديل مرعب جداً.

ثمة جانب آخر من القضية وهو الانتشار، فكوريا الشمالية في حاجة للعملة الصعبة، وترى في نشر التهديدات النووية كوسيلة لتشتيت انتباه أميركا عن بيونغ يانغ. فالتهديد الحقيقي يقبع في بيع الأسلحة والتكنولوجيا والخبرة للدول الأخرى والجماعات غير الدولية.

استراتيجية التقبل

مع اقتراب لحظة الحاجة لاتخاذ القرار، يحاجج البعض بأن الاستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق هي تقبل كوريا الشمالية ككقوة نووية. حيث يقول هؤلاء بأن الدول الأخرى التي تعتبرها الولايات المتحدة كدول غير مستقرة ولا يمكن التنبؤ بسلوكها – مثل الصين وباكستان – قد طوَّرت أسلحةً نووية، ثم تغير سلوكها مع تحصيلها لهذه الأسلحة. فقد كانت هذه الدول غير آمنة ومتهورة، ولكن حيازة هذه الأسلحة جعلها أكثر أماناً وأقل اندفاعاً. فامتلاك الأسلحة النووية يمكن أن يجعل الدول أكثر حكمة. والدليل على ذلك هو عدم قيام أي دولة باستخدام الأسلحة النووية، باستثناء الولايات المتحدة التي كانت في ظروف مختلفة وصعبة.

والنقطة الأخرى المتعلقة بمحاججة التقبل هي أن تدمير البرامج النووية والصاورخية الحاصة بكوريا الشمالية سيكون أمراً صعباً ومكلفاً، ولن تكون فرص النجاح مؤكدة. ثمة طريقة لزيادة فرص النجاح وهي عن طريق استعمال أسلحة نووية تكتيكية ضد المواقع المؤكدة، وقد يضاف عليها مواقع سلاح المدفعية في جنوب كوريا الشمالية. ولكن هذا يضع أيضاً إحتمالية استخدام الأسلحة النووية في حالة الخطر الوجودي، وبالتالي فلا يعد هذا خياراً جيداً بالنسبة للولايات المتحدة.

تقوم المحاججة المقابلة – وهي الاستراتيجية التي كانت محط تفكير في بداية الأزمة – على أن هذه القضية تشكل أزمة وجودية بالنسبة للولايات المتحدة. فليس ثمة أي سببٍ للاعتقاد بأن كوريا الشمالية ستتصرف بنفس طريقة الدول النووية الأخرى، لأن كوريا الشمالية لم تتصرف مثلهم حتى قبل تحصيلها لهذه الأسلحة، فالأسلحة النووية لم تكن عنصراً حرجاً لبقاء النظام في باكستان أو الصين، حيث كانت مجرد تحسينات في أحسن الأحوال. في حين ترى كوريا الشمالية نفسها كدولة محاصرة بالأعداء من كل الجهات، وهذا أمر صحيحٌ نوعاً ما. قد يكون الاعتقاد بأنها ستغير من طبيعة سلوكها بعد تحصيل الأسلحة النووية فكرة مريحةً بعض الشيء، ولكن لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون واثقة من صحة ذلك. وفي حال كان أنصار استراتيجية التقبل على خطأ، فإن تكلفة ذلك ستكون أكبر بكثير من تكلفة الهجوم عليها الآن.

من الصعب التنبؤ بسلوك كوريا الشمالية، فقد أثبتت متعمدةً عدم القدرة على التنبؤ بها. لقد تبنت كوريا الشمالية سياسة تُظهرها كدولة منجرفة وخطيرة من أجل ردع أي تكتيكات لزعزة استقرارها، وقد نجحت هذه الاستراتيجية، كما قدَّمت نموذجاً مقنعاً يثبت خطورتها ومباغتتها. ففي حال أخطأ أنصار استراتيجية التقبل، ولم تعمل بيونغ يانغ على تغيير سلوكها بعد تحصيل الأسلحة النووية، فستكون التكلفة مريعةً جداً.

فهم بنية القيادة

تصطدم القضية أيضاً بمدى الخسائر البشرية التي ستتكبدها الهجمة. وهذا يتطلب فهماً لنظام القيادة في كوريا الشمالة وكيف يمكن أن يستجيب لضربات الولايات المتحدة على منشآتها النووية. ففي لحظة الضربات، هل ستُصدِر كوريا الشمالية أوامرها للمدفعيات القائمة في الجنوب لتطلق النيران مباشرةً؟ وما هو أكثر أهمية، في حال تم تدمير أو عزل القيادة العسكرية والسياسية بعد الهجمة وتم تعطيل عملية التواصل، من أين ستتلقى أسلحة المدفعية أوامرها؟ وبكلمات أخرى، هل هناك إمكانية لشل ضربات الأسلحة المدفعية؟ فبحكم طبيعة نظام كوريا الشمالية، من العصب تخيل وجود التدرج في تفويض السلطات بين الضباط والجنرالات، وذلك في ظل عدم بناء فكرة المبادرة ضمن ثقافتهم.

إن بروز استراتيجيات بديلة هو أمر لا مفر منه مع قرب لحظة اتخاذ القرار، كما أن الطبيعة البشرية تميل لإثارة الشكوك حول جدوى أي استراتيجية بمجرد اتخاذ القرار. ومن الخطر أن تتقدم للحرب بثقة زائدة، فهذا يقلل من رؤيتك للمخاطر المحيطة. ولذلك من غير الممكن أن يطول هذا الجدال أكثر، لأنه إذ طال فسينتصر تلقائياً أولئك القائلين باستراتيجية تقبل كوريا الشمالية كقوة نووية.

لذا لا بد من اتخاذ قرار ما، ولكن لا ينبغي أن ينبني على افتراضٍ حول كيفية رد كوريا الشمالية، فليس بمقدرونا معرفة ذلك. ولكن يمكن اتخاذ القرار بناءً على المعرفة بكيفية عمل نظام القيادة في سلاح المدفعية، بالإضافة لمعرفة مئات التفاصيل الأخرى حول مكامن الضعف، وبالتالي المخاطر، الموجودة في كِلا الطرفين.

ملف خاص | العودة إلى المدارس