فرص صناعة السلام مع "دولة الأسد"

فرص صناعة السلام مع "دولة الأسد"
(ويكيبيديا)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

تحولت رحلة دونالد ترامب إلى بريطانيا من زيارة رسمية إلى مرور سريعٍ في جنحِ الليل، ليتم تأجيلها للعام المقبل. ولكن تم استقباله في باريس بدلاً من ذلك، كضيف لرئيس فرنسا إمانويل ماكرون لاحتفالات يوم الباستيل.

وبعد الموكب العسكري السنوي للاحتفالات، تقع المباحثات عن سورية ضمن الأجندة، والتي كانت ذات مرة تحت الانتداب الفرنسي، وهي الدولة التي لطالما اعتبرتها باريس كمدخل لتأثيرها في الشرق الأوسط.

ولكن ثمة العديد من الأسئلة التي بقيت بلا إجابات، والتي برزت بعد تنصيب ماكرون، حيث تدور حول طبيعة الدوافع التي ستحرك سياسته نحو الشرق الأوسط، هل هي القيم أم الواقعية السياسية؟ وينبغي أن يقال الشيء نفسه عن ترامب أيضاً. فقد ضرب رئيس الولايات المتحدة قوات بشار الأسد في نيسان/ أبريل لأن الأسد كان يقتل "الأطفال الجميلين"، ولكن أشار وزير خارجيته أيضاً أن إدارة ترامب كانت مستعدةً لترك روسيا كي تحدد مصير الأسد، مما يعني إمكانية بقاء الأسد في السلطة.

ومن جانبه، حذَّر ماكرون سورية معتبراً أن استخدام الأسلحة الكيماوية يعدُّ خطاً أحمراً بالنسبة لفرنسا. ولكنه أخبر صحيفة لو فيغارو مؤخراً أن الأسد كان عدواً للشعب السوري، لا لفرنسا، مضمِّناً عدم اكتراثه بالدمار الذي ألحقه الأسد بالبلاد، واهتمامه فقط بتداعيات الأزمة على فرنسا.

إن كيفية تصور فرنسا والولايات المتحدة لحل الأزمة في السورية اليوم سيساعد على تحديد مدى استدامة السلام الذي سيكون أو ما إذا سيتضمن الحل بذوراً لأزمات أكبر. فالمآسي الشخصية أو الدولية تميل للإعلان عن نفسها قبل وصولها بمدة طويلة.

قبل 25 سنة مضت، كتب عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل سورا سلسلة من المقالات التي اجتمعت في كتاب سماه بـ " l’Etat de barbarie"، الدولة المتوحشة، والتي تجلت خلال حكم الأسد. حيث وثَّق وحشيتهم في قمع الثورة الإسلامية في بداية الثمانينات، والإعدامات المباشرة لعشرات القرويين، وإطلاق النار حتى الموت لمئات المساجين في زنازينهم، والقصف العشوائي لمدن بأكملها.

كتب سورا: "إن إنهيار الشرعية السياسية للنظام تجلى على الأرض بإعادة تفعيل أنماط فرض الشرعية التي تتجاوز البنى السياسية". وبكلمات أخرى، يتم استمالة تضامن الجماعات العرقية والطائفية بدلاً من التنظيمات الاجتماعية السياسية. لقد انحدرت رؤية الرئيس حافظ الأسد لتقوم على "ربط مصير المجتمع العلوي بمصيره الشخصي".

وسيدفع سورا ثمن هذا العمل، حيث تم اغتياله في بيروت عام 1985، وذلك في ذروة الحرب الأهلية، فقد قتلته جماعة الجهاد الإسلامي، وهي جماعة تربطها علاقات بسورية وإيران. لقد أعدم بعد سجنه، ووجِدَ جسده فقط وتم ترحيله إلى فرنسا في عام 2005. ومع رفع كل من ترامب وماكرون لإمكانية توافقهم مع سيطرة الأسد على دمشق، تبقى كتابات سورا قصة تحذيرية حول تكلفة مثل هذا التوجه.

لقد كان بشار الأسد نفسه ذات مرة ضيفاً لرئيس فرنسي خلال يوم الباستيل. كان نيكولا ساركوزي حريصاً على معارضة كل ما فعله أسلافه، حيث فرش السجادات الحمراء في 2008 للزعيم السوري، والذي حوله جاك شيراك وحورج بوش إلى شخص منبوذ دولياً.

أرشيفية

إذا كان الهدف من هذه الدبلوماسية هو تحقيق سلام إقليمي في الشرق الأوسط، فإن السلام بين سورية وإسرائيل كان يعد أول طريق لذلك ومنذ مدة طويلة. وكما قال هنري كيسنجر ذات مرة: "لا يمكن أن تشن حرباً في الشرق الأوسط من دون مصر، ولا يمكنك صنع السلام من دون سورية". وقد أدت هذه الجملة إلى إرسال بعثات دبلوماسية كثيرة لدمشق لتحقيق غاية عديمة الفائدة وهي إقناع والد بشار، حافظ الأسد، بالتوقيع على النقاط المحددة في اتفاقيات السلام المختلفة، ولكن لم يتم التوقيع على أي شيء.

في البداية، كان هناك أملٌ أكبر في بشار، فهو طبيب عيون تعلم في بريطانيا وصاحب زوجة جميلة، والذي ظل يثرثر عن السلام ويَعِد بالإصلاحات المحلية، وتوعد بإمكانية ذلك واستمر الجميع بالمجيء إليه، متأملين أن الزيارة القادمة سيتم فيها إنجاز الاتفاقيات.

بدأت عزلة الأسد عندما اتُّهِمَ نظامه باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري عن طريق شاحنة مفخَّخة بالقرب من شاطئ بيروت في 14 شباط/ فبراير 2005. وتبع ذلك احتجاجات واسعة في لبنان، مطالبين بإنهاء الاحتلال السوري لبلادها الذي دام لـ 30 عام. وبزاعمة بوش وشيراك الذي كان صديقاً مقرباً للحريري، قام المجتمع الدولي بنبذ الأسد وأجبروا قواته الـ 15000 بالانسحاب بإذلال من البلاد التي كانت تعتبرها عائلة الأسد جزءاً من سورية.

أنهت دعوة ساركوزي في عام 2008 للـ "المستبد المهذب"، بحسب ما وصفته صحيفة لو موندو حينها، خمس سنوات من العزلة القاسية المفروضة على الأسد. وقد جاءت في فترة كانت تنتشر فيه أوراق النعي لسياسته وكان المقربون من النظام في دمشق يضحكون بصمت حول كيفية نهاية البلاد.

إن ما حفَّز ساركوزي هو الاعتقاد بأنه سيتمكَّن من صياغة علاقات مختلفة مع الأسد في مقابل فشل أسلافه، وأن شخصيته ومكره سيقنعان حاكم دمشق بتغيير أساليبه. (وهي ذات النبرة الواثقة التي قيل أنها حفزت وزير الدفاع جون كيري، والذي كان آخر من فقد إيمانه بالأسد بعد أن قامت قواته بإطلاق النار على المتظاهرين في عام 2011).

قد يتكهن المرء بمسار بديل للأحداث في حال لم يقم ساركوزي بإعادة تأهيل الأسد في عام 2008، أي في حال عدم توقف الضغوطات عليه وخضوع الأسد للوفاء بوعوده المبهمة بالإصلاح. أو ربما إذا ما اندلعت الاحتجاجات الشعبية قبل حلول عام 2011، ومن دون أن تحصل على ذات الاستجابة القاسية من زعيمٍ كان في موقع حرج مسبقاً. ففي هذه السيناريوهات كان يمكن لسورية أن تبقى دولةً سليمة، ولكن من يعلم.

ولكن من الجدير اليوم أن يتم الاعتبار من المأساة التي يتخذها توجه ماكرون نحو سورية والمنطقة، فلم تعد تريد فرنسا من سورية تحقيق السلام مع إسرائيل، أو حتى فك تحالفها مع إيران. فليس بمقدور الأسد تحقيق أيٍّ من هذين الأمرين في كل الأحوال. ويدور تركيز ماكرون على مكافحة الإرهاب ووقف تدفق الجهاديين من سورية إلى أوروبا.

في مقابلته المفصلة والطويلة مع صحيفة لو فيغاور، أشار ماركون إلى نقطتين أساسيتين تتعلقان بسورية، الأولى كانت تصريحه بأن الأسد ليس عدواً لفرنسا، والثانية كانت توضيحاً حول موقفه من مستقبل الأسد. فبعد أن قال ذات مرة أنه لا يوجد حل للأزمة في سورية مع بقاء الأسد في السلطة، قال موضِّحاً: "لم أقل مطلقاً أن حرمان بشار الأسد يمثل مطلباً لكل شيء، لأنه لم يقدم أحدٌ بعد لي أي خليفة شرعي بدلاً منه".

ولكن كما تعرف فرنسا جيداً، فإن هناك تكلفة أيضاً مقابل إبقاء الأسد في السلطة. ففي عام 1981، قام عملاء مُشتبهون بعملهم مع المخابرات السورية باغتيال السفير الفرنسي في لبنان لوي دولامار في وضح النهار في بيروت. وفي عام 1983، تم اتهام جماعة الجهاد الإسلامي (وهي النسخة الأولى من حزب الله) بالهجمتين اللتان نُفِّذتا ضد القوات البحرية الأميركية والجنود المظليين الفرنسيين في بيروت، حيث ترتبط هذه الجماعة بعلاقات مع إيران وسورية. وفي أواسط الثمانيات، عانت باريس من سلسلة من الهجمات الإرهابية التي أودت بحيات العشرات والتي كانت ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بجماعات ذات علاقة بسورية.

قد يبدو هذا كتاريخ قديم عفا عليه الزمن، ولكن شكَّل نظام الأسد أيضاً تهديداً مقنَّعاً ضد الغرب ومنذ فترة قريبة، حيث حذَّر ابن خال بشار الأسد ورجل الأعمال رامي مخلوف خلال مقابلة مع صحيفة النيويورك تايمز قائلاً: "لا يستطيع أي أحد أن يضمن ما سيحدث في حال حصل أي شيء للنظام لا سمح الله... عليهم أن يعرفوا أننا عندما نعاني نحن، فلن نعاني وحدنا".

وتعد هذه نسخة أخرى من التهديد السوري المفضَّل: "بإمكاننا المساعدة في تحقيق السلام في المنطقة، ولكن حاول تجاهلنا وعلى مسؤوليتك الخاصة لأننا قادرون على إحداث الخراب".

مع بداية الثورة، هدد المفتي العام في سورية بإرسال مفجِّرين انتحاريين في حال تعرضت سورية لأي هجوم. ليست هناك أية دلائل تشير إلى وجود علاقة بين النظام السوري وبين أيٍّ من التفجيرات التي حدثت مؤخراً في أوروبا، ولكن يشير العشرات من المثقفين الفرنسيين والسوريين واللبنانيين وبرسالة واضحة لماركون بأن الأسد يساعد على خلق البيئة الداعمة لنمو الجهاديين والجماعات المتطرفة. إن إعادة تأهيل الأسد مرةً أخرى سيؤخر تقديم حلول دائمة لمشكلة قد وصلت الآن إلى شواطئ أوروبا.

إن تصريح ماكرون الثاني حول شرعية الأسد ومستقبله ليست أقل إزعاجاً من الأول. فعلى الرغم من التصريحات السابقة لزعماء العالم حول عدم وجود مكان للأسد في مستقبل سورية، بما فيهم فرانسوا هولاند وباراك أوباما، إلا أنه لم تُشِر أيٍّ من البيانات الصادرة عن مباحثات السلام في سورية أي تأكيد حول كون رحيل الأسد شرطاً مسبقاً للحل. لذا ففي حين أقلقت كلمات ماكرون الكثير من تيارات المعارضة، إلا أنها لم تتعارض فعلاً مع التوجه الحالي القائم في مباحثات السلام السورية.

ذكر أول بيان من جنيف في عام 2012 أنه ينبغي على الحكومة الجديدة أن تتشكل عبر "توافق مشترك"، وهو ما يستثي ضمنياً فرصة الأسد بالمشاركة لأن المعارضة سترفضه. ولكن اليوم، وبعد ست سنوات من الحرب، ثمة فئة قليلة تعتقد بأن الأسد سيرحل ببساطة. وبغض النظر عن النتيجة، فإنها ستتضمن تحولاً من المرجَّح أن يكون الأسد جزءاً منه.

قد يتعجب البعض من هذه الشرعية التي يتحدث عنها ماكرون، فهل لا زال الأسد يحظى بها بعد ممارسته لكل أنواع العنف ضد شعبه؟ هل زال يحظى بشرعيته كرئيس يمكن الاعتماد عليه في التعاون في مكافحة الإرهاب، في حين فشله في السيطرة على بلاده واعتماده الكامل على القوى المقاتلة من إيران وروسيا؟

وبخصوص سؤال ماكرون – أين هو الخليفة الطبيعي للأسد؟ - فاسأل أي معارض سوري لحكم الأسد وسيقدم لك الإجابة عن ذلك: لقد قتَلَ الأسد وسجَنَ ونفَى أي شخصٍ كان يمكن أن يشكل بديلاً محتملاً. إنها طريقة عملية فعالة خالية من الرحمة كان قد استعملها الأسد مسبقاً، كما في لبنان، حيث كانوا يُتَّهمون دائماً باغتيال كل سياسي تقدمي وشخصية ثقافية عبر العقود.

من المرجَّح وجود زعماء مستقبليين محتملين ضمن المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في سورية، والذين نتجوا عن سنوات من المقاومة المدنية، وهم غير معروفون كثيراً للعالم الخارجي اليوم ولكنهم سيظهرون للسطح عند وقف إطلاق النار. وفي حال أراد الغرب خليفةً جاهزاً قادراً على التحدث باللغة الانجليزية من أجل قيادة الحكومة الانتقالية، فثمة أسماء قليلة قد تم تداولها مؤخراً. فهناك عبد الله الدردري، وزير المالية السابق الذي قاد مخطط إعادة بناء سورية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في شرق آسيا، ولكن قد يراه بعض المعارضين كشخص مقرب من الأسد. وهناك اسم آخر هو أيمن أصفري، وهو رجل أعمالٍ سوري في البترول في بريطانيا، وناقد صريح للأسد، وهو مؤسس مؤسسة الأصفري، والتي قدمت مساعدات إنسانية وطورت المجتمع المدني. واسم ثالث أيضاً هو رياض حجاب، وهو رئيس وزراء سابق انشق في عام 2012، وهو المسؤول الحالي عن الهيئة العليا للمفاوضات.

إذا كان ثمة تفاوض حول مرحلة انتقالية مع الأسد، فمن الممكن أن تلجأ لمثل هذه الشخصيات. ومفتاح ذلك هو ضمان حصول تحول حقيقي شامل، حتى لو كان مع زعيم تكنوقراطي. فبعد أكثر من 40 سنة من حكم الأسد في سورية، قد يكون من الصعب تخيل أي شخص آخر لحكم البلاد. ولكن الخيال هو الأمر المطلوب تحديداً في هذه الحالة، وذلك بالإضافة لبناء قوة عسكرية على الأرض يمكن أن يستعملها الغرب في طاولة المفاوضات.

قم بتغيير التاريخ وبعض الأسماء وستمثِّل مقالات ميشيل سورا وصفاً لما يمكن أن تكون عليه الأحداث في سورية. فعلى عكس صدام حسين ومعمر القذافي، عمل الأسد باستمرار على تصدر القائمة. حيث يبدو أن فرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الدول تعود دائماً للتودد لعائلة الأسد، وترجو أن لا تكون وعودها في التعاون هذه المرة سيفاً ذو حدين. ربما قد يحتاج ماكرون لقراءة كتابات سورا ليفهم نوع الخصم الذي يواجهه.

إذا، القيم أم الواقعية السياسية؟ في بعض الأحيان، قد تكون الواقعية السياسية بلا قيم مجرَّد إنكار للحقيقة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018