ستة أشهر على رئاسة ترامب: وهذه هي النتائج

ستة أشهر على رئاسة ترامب: وهذه هي النتائج
(أ.ف.ب)

مضت ستة أشهر منذ أن ألقى ترامب قسم الرئاسة، لكن لم يتغير النسيج السياسي الأساسي للولايات المتحدة بشكل جوهري، وهو ما حدَّ من سلطته السياسية وصعَّب عليه عملية تنفيذ أجندته.

إن السؤال الأهم الذي يبرز حالياً هو لماذا لم تتغير طبيعة النسيج السياسي وهل سيكون بمقدوره تغييرها؟ قد يبدو هذا محض نقاش سياسي – بحكم عد تغير الوقائع الجيو سياسية للقوى السياسية الدولية – ولكن ما يبدو واضحاً هو أن وجود رئيس ضعيف للولايات المتحدة يتسبب في تعزيز العوائق التي تقف في وجه قوة أميركا. وإذا لم يحدث ذلك، فإن وجود رئيس ضعيف قد يجبر الدول الأخرى على مماطلة أو مقاومة مبادرات الرئيس.

في انتخابات عام 2016، حصدت هيلاري كلينتون على 48.2٪ من الأصوات في حين فاز ترامب بـ 46.1٪. كان الدعم الموجه لكلينتون متركِّزاً في السواحل، في حين كان الدعم الموجه لترامب موزَّعاً في عدة مناطق مختلفة، وهو ما أعطاه الأولوية في الانتخابات. وخلال حملته الانتخابية، عمِلَ ترامب على توسيع قاعدة الدعم بحيث تجاوزت قاعدته الرئيسية وجذبت بعض الناخبين المستقلين.

في استطلاع أجرته صحيفة ABC من واشنطن صدر في 16 تموز/ يوليو أظهر أن معدل القبول لترامب قد وصل لـ 36٪، ويشير هذا إلى أنه حافظ على الدعم القادم من قاعدته الانتخابية ولكنه خسر دعم أولئك المستقلين ولم يفتح الطرق مع خصومه السياسيين. بينما أظهرت استطلاعات أخرى اختلافات طفيفة عن تلك النتيجة ولكن النقطة الأساسية المشتركة هي أنه خسر من قاعدته الداعملة بدلاً من توسيعها.

(أ.ف.ب)

تتأكد هذه القراءة مع سلوك أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس، حيث تعد مؤشراً مهماً عن الواقع السياسي. فالسياسيون يريدون أن يتم إعادة انتخابهم قبل أي شيءٍ آخر، ولكن إذا ما كان ترامب ضعيفاً، فسيميل هؤلاء السياسيون للسير بطرقهم الخاصة. وقد مثَّل ملف الرعاية الصحية مقياساً لضعف ترامب. فقد سعى ترامب بصعوبة لتحصيل الدعم من الجمهوريين، الذين كانوا منقسمين إلى درجة أنهم شكلوا خطراً على مرور القوانين التي كانوا قد تفاوضوا عليها مسبقاً، وذلك في كل من مجلس النواب والشيوخ. إن النظام السياسي مصمَّمٌ بحيث يعزز من سلطة الرؤساء ذوي الشعبية وإعاقة سلطة من يفتقدون لها.

لماذا لم يتمكن ترامب من الحفاظ على داعميه؟

إن السؤال الأساسي هو لماذا لم يتمكن ترامب من نقل داعميه إلى دائرة سيطرته، والسبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الدعم الذي تلقاه في الانتخابات كان يعود بشكل أكبر لرد فعل بعض النخابين من كلينتون، فهُم صوِّتوا له لا بسبب إعاجبهم به بل بسبب أنهم يرفضونه بشكل أقل من رفضهم لكلينتون.

لم يتمكن ترامب من الحفاظ على داعميه لسبيين، الأول هو لأنه لم يكلف نفسه عناء الحفاظ عليهم في جانبه، فقد نجح ترامب في ضمهم لقاعدته، ولكنه في فشل في إدراك حاجته لاستراتيجية مختلفة للحفاظ عليهم، أو أنه اعتقد أن الحفاظ على كثافة قاعدة الدعم الخاصة به هي المفتاح، وأنه مع مرور الوقت سيزيد نجاحه من معدلات الإقبال عليه. أياً كان الأمر، فقد كانت استراتيجيته هي الحفاظ على شخصيته العنيفة غير التقليدية وأن يضم مجموعة من السياسات التي استجابت لها قاعدته، بينما يكون مرناً فيما يراه كقضايا ثانوية. ولكنه فشل في إدراك هشاشة ناخبيه المتقلبين الذين دعموه بالرغم من مواقفه. لقد اختار ترامب استرضاء قاعدته ولكنه خسر مركزه مع مرور الوقت.

أما السبب الثاني فهو أن وسائل الإعلام الرئيسية بدأت تشن عليه ذاك النوع من الهجمات القاسية التي كان يشنها هو على أعداءه. ويرتبط ذلك بعض الشيء بالأوضاع الجيو السياسية الخاصة بالولايات المتحدة، حيث يقع معقل اليسار الأميركي في الساحل الأطلسي الشمالي وساحل المحيط الهادئ، ولا تعد هذه مساحات كثيفة بالسكان وحسب، بل هي مراكز جغرافية للمنافذ الإعلامية الأساسية أيضاً، وكان متلقوا هذه المنافذ من المعارضين الألدَّاء له، ولكن كما هو الحال مع ترامب، كانت وسائل الإعلام مخيَّرةً بين الرضا بقاعدتها والوصول إلى المزيد الناس، فاختارت التركيز على القاعدة.
 

وكنتيجة لذلك، تمت مجابهة ترامب باعتداء منظم، وبطريقة لا تختلف عن الهجوم الذي شنه على أولئك الذين يعتبرهم خصوماً له، وذلك بالرغم من تسلح خصومه بمصادر أكبر وتحالفهم مع شخصيات سياسية ديمقراطية. تكاملت الهجمات على الإعلام وتدعَّمت مع الهجمات القادمة من الكونغرس، مما خلق موجات مستمرة من المعارضة التي قوَّضت مصداقية ترامب. لقد كانت الحرب على المركز، ولكن أدت استراتيجية ترامب إلى وضع نفسه في خانة الدفاع من أجل الحفاظ على الدعم الذي يمتلكه. وتم تضخيم كل عثرة، والتي كان هناك الكثير منها، وتم تسليط الضوء على أي سلوك يمكن أن يصوَّر كعثرة.

تجاوز أسلوب التهجم

(أ.ف.ب)

ينبغي على ترامب أن يتجاوز أسلوب التهجم كي يحاول جذب بعض ناخبي كلينتون. يقوم السياسيون الديمقراطيون ووسائل الإعلام الأساسية – الذين يدركون رسوخ قاعدتهم – بالتركيز على إضعاف رصيد ترامب ودائرته. ربما كانت ردود ترامب جذَّابة بالنسبة لقاعدته، ولكنهم لا يمتكلون أي تأثير على خصومه أو لا يستطيعون التصدي لهم. ولذلك لم يتمكن ترامب من تحويل ناخبي كلينتون.

كما يمتلك الديمقراطيون والإعلام مشاكلهم الخاصة، فالديمقراطيون يجابهون ترامب وهو أمر كافٍ حتى هذه اللحظة، ولكنهم سيحتاجون مع مرور الوقت لتحديد طبيعة أهدافهم، كما أنهم يخاطرون بسبب استمرارهم في دعم البرامج التي تجذب المناطق الساحلية فقط دون باقي مناطق البلاد.

وبالنسبة للإعلام، فإن هجمات قناة السي إن إن وصحيفة واشنطن بوست المستمرة على ترامب ستجعل مسألة الرجوع لاتخاذ موقف سياسي محايد أمراً صعباً فيما بعد. وإذا كانوا غير قادرين للعودة للحياد، فسيواجهون صعوبة في العمل عندما تقِلُّ حدة الاستقطاب في البلاد، لأنه عادة ما تأتي فترات من الإجماع والتوافق بعد فترات الاستقطاب، فعلى سبيل المثال، جاء جوزيف مكارثي بعد دوايت أيزنهاور. لقد تزعم الإعلام جبهة مواجهة ترامب ولكنهم سيصبحون مع الوقت سجناء لهذا الاتجاه الذي يستهلك خطابهم.

كان يمتلك ترامب خطة مميزة للرئاسة، ومدعَّمة بجهل خصومه. ولكن طريقة فوزه بالرئاسة جعل من مسألة الحكم أمراً شديد الصعوبة لأنه لا يستطيع الاعتماد على داعميه الذين لا يشكلون ثقلاً كبيراً. فعند اقتراحه لبعض التشريعات وتقديمه للتوجيهات الرئاسية وصياغته للسياسات الخارجية، فإنه يواجِه معارضة صلبة بقدر صلابة قاعدته، بحيث توجه عليه اتهامات وبأصوات عالية، بضعها حقيقي وبعضها مبالغ به.

وكانت نتيجة هذه الأحوال هو صعوبة تمرير التشريعات والاشتباك المستمر مع المحاكم. وحتى يتجنب ترامب هذه العوائق، ينبغي عليه حل المشاكل البنيوية التي تكبِّله، ولن يصل لشيءٍ في حال استمر بعمل ما يقوم به حالياً، فما فشل به في الستة أشهر الماضية من غير المرجح أن ينجح في الوقت القادم.

فالقضية ترتبط بمدى تعلقه الشخصي والمؤسسي بطبيعة الإدارة الحالية التي باتت تعيقه عن تغيير ساحة المعركة. يمتلك الرئيس دائماً القدرة على إعادة تعريف اللعبة، وذلك إذا أدرك أنه يخسر، وهذا أمر يصعب على بعض الرؤساء القيام به.

وفي نفس الوقت، يقوم خصوم ترامب بحصر أنفسهم في حفرتهم الخاصة، فنجاح الهجوم على ترامب سيؤدي لنجاح مناطق الساحل، ولكن يحتاج الديمقراطيون أيضاً للحصول على الدعم من باقي أرجاء البلاد. وقد يُحرز الإعلام بعض المكاسب من حملته ضد ترامب، ولكنه لا يمتلك استراتيجية طويلة المدى. وفي النهاية، يبدو أن ترامب وأعداءه مرتبطون بنمطٍ من الدمار المشترك المحتوم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018