بصخبها وشمولها: هل تصلح مواقع التواصل الاجتماعي الحياة السياسية؟

بصخبها وشمولها: هل تصلح مواقع التواصل الاجتماعي الحياة السياسية؟
توضيحية (pixabay)

(ترجمة خاصة: موقع عرب 48)

قال مؤسس موقع "فيسبوك"، مارك زوكربيرغ، في عام 2010، إن الخصوصية لم تعد من ضمن الأعراف الاجتماعية، فقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي طفرة من ناحية ازدياد كمية المعلومات الشخصية التي تُنشر في الفضاء العام.

ولكن ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للحكومات والشعوب والممارسة الديمقراطية؟ فلا يُعدُّ دونالد ترامب، مثلًا، أول زعيم يستخدم حسابه على "تويتر " كطريقة للترويج لسياساته والتأثير على المناخ السياسي. تقدِّم وسائل التواصل الاجتماعي تحديات جديدة للسياسات الإستراتيجية، كما أثارت العديد من القضايا الإدارية بالنسبة للكثير من الحكومات.

ولكنها تقدم أيضًا مساحة حرة للمشاركة العامة في قضايا الحكم، حيث يحاجج العديد بأن صعود تقنيات التواصل الاجتماعي يمكن أن يقدم للشعوب والمراقبين فرصًا أفضل للتعرف على مشاكل الحكومات وسياساتها.

وفي حين تحتضن الحكومة دور وسائل التواصل الاجتماعي والتأثير الإيجابي والسلبي الذي تتيحه في مراجعة مدى نجاح مشاريعها، فإنها تقوم أيضًا باستخدامها لصالحها عبر نشر الأخبار الملفَّقة.

إن تحصيل هذه الدرجة من حرية التعبير والرأي يمكن أن يكون سلاحًا ذو حدين.

أداة تشعل التغيير

من الناحية الإيجابية، تتضمن وسائل التواصل الاجتماعي مواقع مثل "فيسبوك" و"جوجل+" وخدمات التدوين الإلكترونية مثل "تويتر"، بالإضافة للمدونات والفيديوهات ومصادر المعلومات ومواقع النشر الإعلامية مثل "يوتيوب" و"فليكر" وغيرها.

تقوم وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها وسيلة تعاونية وتشاركية بربط المستخدمين ببعضهم البعض وتساعد في صياغة التجمعات المختلفة. فهي تلعب دورًا رئيسيًا في تقديم الخدمات العامة للناس، كما تساعدهم في المشاركة في الحياة السياسية وصناعة السياسات، ولذلك تسهِّل من فهم العمليات عن طريق تقنيات المعلومات والتواصل.

واليوم تحظى أربعة من كل خمسة دول في العالم بفرصة التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. فبالرغم من عدم وجود أية معلومات حول فاعلية مثل هذه الوسائل أو مدى استخدام جميع إمكانياتها، لكن أظهرت بعض الإحصاءات أن 20% من هذه الدول استخدمتها "لإنتاج سياسات أو قرارات أو قوانين أو خدمات جديدة".

سيدي بوزيد، تونس، يناير 2011 (أ ف ب)

يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون وسيلة فعالة لعمل تغييرات في سياسات وخدمات الحكومة في حال تم استخدامها بشكل جيد، فمن الممكن أن تُستَخدم لمكافحة الفساد، لأنها تصلُ المواطنين مباشرةً بالأخبار. وعادة ما يرتبط الفساد في الدول النامية بالخدمات الحكومية التي تفتقد للإجراءات الإلكترونية أو الشفافية في النفقات.

تمضي المملكة المتحدة قُدُمًا في هذه القضية، حيث يهدف مركز ابتكارات مكافحة الفساد لوصل العديد من الجهات المعنية – بما فيها المجتمع المدني والقانونيين والخبراء التقنيين – لمشاركة جهودهم نحو تحقيق مجتمع أكثر شفافية.

فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للحكومات أن تحسِّن وتغير أسلوب تواصلها مع مواطنيها، بل مسائلة مشاريع وسياسات الحكومة. ففي كازاخستان على سبيل المثال، تم تفعيل تعديل قانوني متعلق بالهجرة في بداية شهر كانون الثاني/ يناير من عام 2017، حيث أُجبر ملاك البيوت على تسجيل المقيمين في منازلهم في أسرع وقت أو أن تتم معاقبتهم ابتداءً من شهر شباط/ فبراير 2017.

لم يكن المواطنين متجهزين لهذه المتطلبات، وقد سخط الكثيرون على ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تجاهلت الحكومة هذه الردود في البداية، ولكن مع ازدياد حالة الغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تصرفت الحكومة وقدمت خدمة جديدة لتسهِّل عملية تسجيل المواطنين المؤقتين.

صياغة الخطاب السياسي

ساهم ازدياد الخدمات الرقمية في ربط وتحفيز الناس على أن يكونوا أكثر مسؤولية اجتماعيًا وأكثر انخراطًا في السياسة، ولكن تُبدي الكثير من الحكومات نوعًا من الحذر من القوة التي تتضمنها هذه التكنولوجيا، والوسائط الذكية تحديدًا، وما تتيحه من فرصة انخراط المواطنين في السياسة.

فقد أصبحت المساحات المشهورة مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"واتسأب"، تحت الرقابة من قِبَل العديد من الحكومات، حيث قامت الصين وجنوب أفريقيا وغيرها بتطبيق قوانين تنظِّم فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي.

مكَّن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، الشعب، من الحصول على منافذ سريعة للمعلومات الحكومية، وهي معلومات غير موثوقة بالضرورة. ومع حدوث ذلك، ستتأثر الصورة السائدة في عقولهم وتتغير لتتشكل في مكانها صورةٌ جديدة، إيجابيةً أو سلبية.

فعلى سبيل المثال، حظيت تغريدة من ويكيليكس على أكبر كمية من التداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر آذار/ مارس، تضمنت هذه التغريدة ادعاء يقول إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تتجسس على التقنيات الذكية – كأجهزة الـ"آيفون" وتلفزيونات "سامسونج" – وقد أدت سلسلة التسريبات إلى إغلاق منافذ الإنترنت على مؤسس ويكيليكس، جوليان أسانغ، من قِبَل حكومة الإكوادور في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2016.

وبالنسبة لداعميه، فقد اعتبروا ذلك بمثابة تهديد لما يعتبروه صوتًا للحقيقة. حيث تنشر ويكيليكس عادة مجموعة واسعة من المعلومات الحساسة والموثَّقة للمجال العام تتعلق بالسياسة والمجتمع والاقتصاد.

مؤسس ويكيليكس، جوليان أسانغ

في حين يعتبر آخرون أنه لا ينبغي نشر المعلومات الموثَّقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأن ذلك يهدد الحياة ومن الممكن أن يُساء تأويله.

في عام 2011، لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في مسار الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا، حيث مكَّنت المتظاهرين في هذه البلاد من مشاركة المعلومات وفضح الممارسات الوحشية التي ارتكبتها حكوماتهم. وقد أشعل ذلك "تأثير الدومينو" الذي أدى لنشوب ثورات جماهيرية.

وقد استجابت الحكومات لذلك فحاولت أن تفرض قيودًا قاسية على وسائل التواصل الاجتماعي، ابتداءً بفرض الرقابة وحتى الترويج للأخبار الكاذبة وانتهاءً بشن الحملات الإعلامية ضدهم.

ساهم النشر الحر للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل موجة من السخط بين عامة الناس، واتسمت بمزيج من المطالبات بخدمات عامة أفضل وتغييرات في المؤسسات وتأسيس دولة يقبلها المجتمع. كما استعمل المواطنون وسائل التواصل الاجتماعي للالتقاء والتفاعل مع الجماعات المختلفة، وقد أدت بعض هذه التفاعلات إلى نشاطات حقيقية على أرض الواقع.

أين الإصلاح طويل المدى؟

ولكن لا تسير نتائج ذلك إلى تغير إيجابي دومًا.

فما زالت مصر وليبيا تواجهان العديد من الأزمات الحقيقية خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع حالة عدم الاستقرار السياسي والإرهاب المحلي. فلم يسمح تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أشعل الربيع العربي، بأن تتحول هذه الأنظمة السياسية من الاستبداد إلى الديمقراطية.

تُعتَبر البرازيل مثالًا على فشل الحكومة في تقديم الاستجابة الملائمة لثورة وسائل التواصل الاجتماعي، ففي حزيران/ يونيو 2013، نزل الناس للشوارع للاحتجاج على ارتفاع أجرة المواصلات العامة. وعبَّر المواطنين عن غضبهم وحنقهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحشد الشبكات وكسب الدعم.

من ميدان التحرير، القاهرة، يناير 2011 (أ ف ب)

لم تفهم الحكومة البرازيلية أن "الرسالة هي الناس". فبالرغم من اختفاء أعمال الشعب التي سميت بـ"الربيع الاستوائي" بعد أشهر من ذلك، إلا أنه كان لها أثرًا أساسيًا ومدمِّرًا للسلطة السياسية في البرازيل، وبلغت ذروتها في إقالة الرئيسة روسيف في أواخر عام 2016، ومرت البرازيل بأسوأ ركود اقتصادي في تاريخها.

وكما هو الحال في الربيع العربي، لم يؤدي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في البرازيل إلى تحسين الظروف الاقتصادية، حيث تعثرت البلاد في حالةٍ من الكساد الاقتصادي، وارتفعت نسبة البطالة إلى 12.6%.

التطرف والأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية

تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في نشر "الأخبار الكاذبة" بغرض زعزعة استقرار مؤسسة أو دولة ما، حيث يشير انتشار المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى قدرة الحكومات على استخدام أساليب التواصل لنشر حقائق محددة لمواطنيها أو للعالم أيضًا.

ففي عام 2014، نشرت روسيا نظريات مؤامراتية وأخبارًا كاذبة خلال أزمة القرم وحادثة غرق الطائرة الماليزية، وذلك من أجل إخفاء تدخلها العسكري في أوكرانيا. وقام الكرميلن (أو وكلاؤه)، مؤخرًا، بالتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي من أجل نشر "أخبار كاذبة" ورسائل مناصرة لترامب خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية. كان الهدف من حملة التضليل هذه هو زعزعة النظام السياسي الأميركي، وذلك بدلًا من تغيير نتائج الانتخابات.

إيفانكا ترامب، من مغردون من الرياض (أ ف ب)

كما وفرت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة قوية للتطرف وخطاب الكراهية، ونشاطات المواطنين التي ينبغي أن تضغط على عمل الحكومة.

استُخدِمَت وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة التطرف وإسقاط الحكام ونشر الأكاذيب والتدخل في الشؤون المحلية للدول الأجنبية. ولكنها تبقى وسيلة تقنية مهمة يمكن للحكومة أن تستخدمها لتكتشف وتدرك حاجات وخيارات مواطنيها، وأن تدخلهم ضمن معايير الدولة منذ بداية العملية مع تشكل وكالات الخدمات العامة.

تسأل الحكومة عادةً عن "كيفية تكييف وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة التي نصوغ فيها الخدمات الإلكترونية، ومن ثمَّ محاولة تشكيل سياساتها بناء على ذلك". ولكن من الأفضل أن يتساءلوا عن "كيفية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتمكننا من أداء الأمور بأسلوب مختلف وبطريقة جديدة كليًا". وهذه هي صياغة السياسات التي تعمل بالتعاون مع الشعب.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018