القدس: المدينة التي ترجح كفة الميزان

القدس: المدينة التي ترجح كفة الميزان
أ ف ب

(ترجمة: عرب 48)

في بدايات شهر تشرين الأول/ أكتوبر، ترك مصباح أبو صبيح زوجته وأولاده الخمسة في المنزل واتجه نحو مقر للشرطة الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة. كان من المقرر أن يسلم هذا المقدسي ذو التسعة وثلاثين عاماً نفسه لقضاء أربعة أشهر في السجن بزعم "محاولته ضرب جندي إسرائيلي".

كان مصباح على معرفة بالسجون الإسرائيلية، حيث اعتُقِلَ هناك سابقاً بناءً على تهمٍ سياسية، بما فيها محاولة التسلل للصلاة في المسجد الأقصى.

الشهيد مصباح أبو صبيح

كما يُعتَقدُ، فإن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد تم بناءه في التاريخ، حيث يعد المسجد الحرام في مكة أولها، وقد ذكره القرآن باعتباره نقطة معراج النبي محمد إلى السماء، عندما أسري به من مكة إلى القدس. وبالنسبة للفلسطينيين والمسلمين والمسيحيين، فقد اكتسب المسجد معنىً جديداً بعد الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس الفلسطينية عام 1967.

إن صورة الجنود الإسرائيليين وهم يرفعون العلم الإسرائيلي فوق مزارات الفلسطينيين في المدينة قبل خمسين سنة، حُفِرَت في الذاكرة الجماعية للعديد من الأجيال، لذلك، فإنه من غير المفاجئ أن تكون ساحة المسجد الأقصى نقطة محورية ضمن الصراعات الدائمة بين المصلِّين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي.

في شهر نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خططٍ لبناء خمسين ألف وحدةٍ سكنية جديدة في شرق القدس، وهو ما يمثل اعتداءً على القانون الدولي. حيث يعترف المجتمع الدولي بأن الشرق هو مدينة فلسطينية تحت الاحتلال، وتعترف الولايات المتحدة – اسمياً – بالاتفاق الدولي المتعلق بالقدس. كما فشلت العديد من المحاولات السابقة للكونغرس الأمريكي بتحدي البيت الأبيض حول هذه القضية، وقد بقي الأمر كذلك إلى أن جاء دونالد ترامب للسلطة.

فقبل تنصيبه رئيساً في كانون الثاني/ يناير، تعهَّد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. وقد رحب اليمين الإسرائيلي بهذا الإعلان، ابتداءً من السياسيين وحتى الجماعات المتشددة. وبالرغم من عدم تنفيذ ذلك بعد، إلا أن هذا الإعلان والدفاع الذي حظي به من الإدارة الجديدة مثَّل رسالة واضحة: وهي أن الولايات المتحدة لم تعد تتظاهر بالتقيد بالقانون الدولي فيما يتعلق بالأراضي المحتلة.

لم تعمل الولايات المتحدة على نكران دور "وسيط السلام" بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية الذي وضعته بنفسها فحسب، ولكنها أرسلت إشارة واضحة لإسرائيل أنه لن يكون ثمة ضغوطات فيما يتعلق بالأوضاع في القدس. وكرد على ذلك، قامت الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة بالتحرك بسرعة لطمأنة الفلسطينيين، حيث كانت منظمة الأمم المتحدة الثقافية "اليونسكو" صاحبة النشاط الأكبر في هذا المجال. وبالرغم من الضغوطات الأمريكية الإسرائيلية، تم تمرير العديد من القرارات عن طريق اليونسكو والجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية، والتي أكَّدت على حقوق الفلسطينيين في المدينة.

ولكن سارت إسرائيل والولايات المتحدة نحو معاقبة الفلسطينيين وقرارات اليونسكو. حيث بدأ الكنيست الإسرائيلي بتمرير قوانين تصعِّب الحياة على المقدسيين، بما فيها تلك المتعلق بتقييد أذان الصلاة. وقد ناصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا القانون الذي مر بمرحلته الثانية في شهر آذار/ مارس. كما وسَّعت الشرطة الإسرائيلية القائمة المطولة للفلسطينيين الممنوعين من الاقتراب من دور العبادة، والتي تضمنت اسم مصباح أبو صبيح.

كانت الخطوة التالية للحكومة الإسرائيلية هي فتح الباب على مصراعيه أمام التوسع الاستيطاني في الجانب الشرقي المحتل من المدينة، والذي كان محدوداً نوعاً ما خلال رئاسة باراك أوباما. لقد أظهرت استجابة نتنياهو لقرار الأمم المتحدة رقم 2234، والذي يطالب بالوقف الفوري لبناء المستوطنات الإسرائيلية في القدس والأراضي المحتلة، مدى ضعف هذا القرار، فقد أعلنت وزارة الإسكان عن خططٍ لبناء خمسين ألف منازل استيطانية جديدة في القدس الشرقية، وذلك بعد زيادة 70% من بناء المستوطنات في المدينة خلال العام الماضي.

وفي نفس الوقت، عملت المندوبة الأمريكية الجديدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي على إسكات أي اعتراضٍ دولي على الاحتلال الإسرائيلي، معتبرةً المحاولات الدولية لإنهاء الاحتلال شكلاً من أشكال "التنمر" والاعتداء. وباستناده على الدعم غير المشروط من الولايات المتحدة، عمل نتنياهو على قطع علاقات بلاده مع اليونسكو ودعا لتفكيك مقرات الأمم المتحدة في القدس.

تم إلحاق القدس الشرقية بشكل غير قانوني لإسرائيل في عام 1981 في خطوة لم يُعتَرَف بها دولياً. والآن تشعر إسرائيل أن إدارة ترامب قد فتحت نافذةً من الفرص لتطبيع احتلالها وهذا الإلحاق غير القانوني للمدينة. وخلال الأشهر الأخيرة، استجاب الفلسطينيون عن طريق العمل مع المجتمع الدولي لتحدي هذه الخطط، ولكن فشلت جهودهم في ردع إسرائيل.

وكانت النتيجة المحتومة أكثر عنفاً. حيث تم جلب آلاف الجنود الإسرائيليين وقوات الشرطة إلى المدينة لتقييد حركة الفلسطينيين ومنع المصلِّين من دخول المسجد الأقصى خلال الأشهر الماضية، كما تم اعتقال مئات الفلسطينيين ضمن حملة أمنية واسعة.

ومع غياب قيادة قوية، بدأ يزداد يأس وغضب الفلسطينيين. فالسلطة الفلسطينية المشغولة بالصراعات الداخلية البائسة على السلطة، تفتقد لأي خطة لمواجهة خسارة المدينة، والتي تُرِكَ ساكنوها بلا أي أمل لحل سياسي. فقاوم العديد منهم عن طريق حملات سلمية واسعة للوصول للأقصى، أو عن طريق الاحتجاجات، ولكن وصل آخرون إلى نقطة اللاعودة.

ويعد مصباح أبو صبيح أحد هؤلاء، فعندما وصل إلى مقر الشرطة الإسرائيلية في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، لم يقم أبو صبيح بتسليم نفسه، بل قام في المقابل بإطلاق النار مما أدى لمقتل امرأة إسرائيلية وضابط عسكري، وذلك قبل أن يتم إطلاق العيارات النارية على سيارته واستشهاده بعد ذلك. وقد تبع ذلك هجمات أخرى، ففي يوم الجمعة في تاريخ 14 تموز/ يوليو، قام الثلاثي جبارين، بمهاجمة جنود إسرائيليين وضباط شرطة تمركزوا بالقرب من إحدى بوابات الحرم، حيث قتلوا جنديين إسرائيليين، ثمّ استشهدوا بعد ذلك.

كانت هذه أول مرة يحدث فيها هذا النوع من الهجمات داخل ساحة المسجد الأقصى، كما استشهد مئات الفلسطينيين، ولكن مكانة القدس كانت تعني وجود قتلى إسرائيليين في المقابل، ولكن لم تعد هذه هي القضية.

جاء التصعيد بعد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في شهر حزيران/ يونيو الماضي، والذي تحدث فيه أمام جمهور خلال الاحتفال بمضي خمسين سنة على الاحتلال العسكري الإسرائيلي للمدينة، حيث أعلن أن ساحة المسجد الأقصى سوف "تبقى تحت السيادة الإسرائيلية للأبد".

وبفضل الدعم الذي تلقاه من إدارة ترامب والضمانات التكتيكية في الأمم المتحدة، شعر نتنياهو أن حلمه في السيطرة على شرقي القدس قد أصبح حقيقياً. وستكون تكلفة ذلك هو مرحلة جديدة من العنف، وهو شيء تبدو الحكومة الإسرائيلية مستعدة له بشكل كامل.

كانت رسالة نتنياهو واضحة جداً خلال رحلته الأخيرة إلى أوروبا وهي: ينبغي على العالم أن يتقبل إسرائيل كما هي، باحتلالها ومستوطناتها. وتلاشى أي تظاهر بالسلام أو حل الدولتين، وحل مكان ذلك مستقبل مغرق بالواقعية السياسية لا يحتوي إلا على الديكتاتورية العسكرية والقوانين العنصرية وجرائم القتل اليومية والمذابح المتفرقة.

وخلال ذلك يبدو أن الفلسطينيين في حالة من اليأس والغضب، وهم على وعي بأن هذا المسار لم يكن ليتحقق إلا مع رئاسة ترامب. فالمدينة المقدسة تتلاشى أمام أعينهم، من دون أي إمكانية للحل السياسي، وليس هناك أي خيار مفتوح أمامهم.

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018