تكوّن القمر: أصل الحكاية...

تكوّن القمر: أصل الحكاية...
توضيحية (pixabay)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

في 13 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1972، مشى رائد الفضاء السابع عشر من برنامج أبولو، هاريسون شميت، نحو صخرة في بحر الصفاء على سطح القمر. "تحركت هذه الصخرة ضمن مسارها الصغير الخاص إلى أعلى القمة"، نادى على قائده يوجين سيرنان، مشيرًا إلى العلامة التي تركتها الصخرة عندما تدحرجت على الجبل، وعَمِل سيرنان على جمع بعض العينات.

قال شميت "كان من الأفضل ألا أفكر بذلك".

حفر رواد الفضاء جزءًا من سطح القمر عن الصخرة، ثم قام شميت بخدش الطح الناعم باسخدام المجرفة، ورفع حجرًا، أُطلِقَ عليه لاحقًا اسم التروكتولايت 76536، عن التراب ونحو التاريخ.

وسيمضي هذا الحجر، والصخرة الأصلية، لتحكي قصة حول كيفية تشكل القمر بأكمله. في قصة التشُّكل هذه، والمكتوبة في عدد لا يحصى من الكتب والمعارض العلمية خلال العقود الأربعة الماضية، تكوَّن القمر عبر اصطدام هائل بين الأرض في بداية نشأتها وكتلة صخرية بحجم المريخ، يُطلق على هذه الكتلة اسم "ثيا"، نسبة للإلهة الإغريقية التي أعطت الحياة لسيليني، القمر. ضربت ثيا كوكب الأرض بقوة وبسرعة، مما دمج كلا الكوكبين. وفي النهاية، تجمدت البقايا المتحطمة من ثيا وتصلَّبت لتصبح الشريك الفضي الذي نمتلكه اليوم.

ولكن القياسات الحديثة لحجر التروكتولايت 76536، والأحجار الأخرى من القمر والمريخ، قدمَّت شكوكًا حول هذه القصة. فخلال السنوات الخمس الماضية، واجهت مجموعة واسعة من الدراسات مشكلة ما: ففرضية التصادم الهائل السائدة تقوم على افتراضات لا تتوافق مع الدلائل، ففي حال ضربت ثيا كوكب الأرض وشكَّلت القمر فيما بعد، إذًا ينبغي على القمر أن يكون مكوَّنًا من مادة ثيا، ولكن القمر لا يشبه ثيا، أو المريخ أيضًا في ذات السياق، فذرَّاته الداخلية تشبه الأرض بشكل كبير.

ومع الاصطدام بهذا التناقض، سعى الباحثون في طبيعة القمر نحو البحث عن أفكار جديدة لفهم كيفية تشكُّل القمر. والحل الأكثر وضوحًا لذلك والذي قد يبدو أبسط، وذلك بالرغم من التحديات الأخرى التي يخلقها مع النظام الشمسي الأولي هو: ربما شكَّلت ثيا القمر، ولكن ثيا كانت مصنوعة من مادة تكاد تتطابق مع الأرض. وتقوم الفرضية الثانية على أن عملية التصادم أدت إلى مزج كل شيء، مما أدى لتجانس الكتل والسوائل المتفاوتة بنفس الطريقة التي تُصنع فيها الفطائر، وربما حدث ذلك في صدام هائل عالي الطاقة، أو عبر سلسلة من التصادمات التي أنتجت مجموعة من الأقمار التي انمدجت فيما بعد. بينما يتحدى التفسير الثالث ما نعرفه عن الكواكب، فمن الممكن أن الأرض والقمر الموجودان اليوم قد خضعا لتحولات غريبة وتحرُّكات مدارية جامحة غيَّرت دورانهما ومستقبلهما بشكل دراماتيكي.

***

كي نفهم ما الذي من الممكن أن يكون قد حدث في أخطر أيام كوكب الأرض، فسيكون من المفيد أن نفهم أيام شباب النظام الشمسي. قبل 4 ونصف مليار سنة، كانت الشمس محاطة بسحابة دائرية ساخنة من الحطام. فقد التفَّت العناصر المنصهرة من النجوم حول الشمس الوليدة، حيث بردت ثم اندمجت بعد دهور – ضمن عملية لا نعرفها تمامًا – ضمن كتل، ثم تحولت لكويكبات لتتطور بعد ذلك إلى كواكب أكبر. تصادمت هذه الأجسام الحجرية بشكل عنيف، في فترات متباعدة، وتبخرت مرة أخرى. وقد تشكلت الأرض والقمر ضمن هذه الظروف الصعبة والمهولة.

كي نصل إلى القمر الحالي بحجمه ودورانه ومعدل تباعده عن الأرض، فإن أفضل نماذجنا الحاسوبية تقول إنه بغض النظر عما اصطدم في الأرض فينبغي أن يكون حجمه بحجم كوكب المريخ، وفي حال كان أكبر أو أصغر من ذلك فسينتج نظامًا بزخم زاوي أكبر بكثير مما نراه اليوم. كما أن قذيفة كبيرة ستترك الكثير من الحديد على مدار كوكب الأرض، مما سيُنتج قمرًا يمتلئ بالحديد أكثر مما هو عليه اليوم.

يعبر الزخم الزاوي عن حركة وكتلة الجسم في حالة الدوران أو نظام من الكتل الدوارة، كدوران الأرض، أو دوران القمر الذي يدور حور الأرض، وهكذا. وتعدُّ قيمة الزخم الزاوي محفوظة دائمًا، مما يعني أنها لا يمكن أن تزيد أو تنقص إلا لو تدخل شيء آخر بها.

لقد دعَّمت الدراسات الجيوكيميائية المبكرة للتروكتولايت 76536 والأحجار الأخرى، هذه القصة، حيث أظهرت أن صخور القمر قد نشأت ضمن محيط قمري من الماغما، والذي لا يمكن أن ينتج إلا عبر اصطدام هائل. ويبدو أن التروكتولايت قد انصهر في هذا البحر مثل الجبل الجليدي الذي يطفو في القارة القطبية الجنوبية. وبناءً على هذه الظروف الفيزيائية، حاجج العلماء أن القمر قد صُنِعَ من بقايا كوكب ثيا، ولكن ثمة مشكلة في ذلك.

وعودةً للنظام الشمسي الأولي، فمع اصطدام الكوكبين وتبخرهما، اندمجت مكوناتهما واستقرت فيما بعد في منطقتين مختلفتين. وبالقرب من الشمس، وهي النقطة الأكثر سخونة، من المرجَّح أن العناصر الخفيفة قد سخنت وغادرت، تاركةً وراءها بقايا من النظائر المشعة الثقيلة (مجموعة من العناصر تحمل كمية إضافية من النيتروجين). وبعيدًا عن الشمس، تمكنت الصخور من الاحتفاظ بالمزيد من الماء بداخلها، واستمرت النظائر المشعة الخفيفة بالوجود. وبسبب ذلك، يمكن للعالم أن يفحص مادة من النظائر المشعة المختلفة من أجل تحديد مصدرها من النظام الشمسي، مثلما تذهب اللكنة عن لغة المرء الأصلية.

يشار إلى أن هذه الاختلافات تُستخدَم لتمييز أنواع الكواكب والنيازك. فالمريخ متحدر كيميائيًا من الأرض على سبيل المثال، لأنه يمكن التعرف على نيازكه بسهولة عن طريق قياس معدلات ثلاثة أنواع مختلفة من النظائر المشعة المليئة بالأوكسيجين.

في عام 2011، وباستخدام مهارات متقدمة في قياس التطييف، قام باحثون سويسريون بإعادة قياس حجر التروكتولايت 76536، بالإضافة لثلاثين عينةً أخرى من القمر، وقد اكتشفوا أن النظائر المشعة بالأوكسيجين الموجودة في القمر لا تختلف عن تلك الموجودة في الأرض. فقام الباحثون الجيوكيميائيون منذ ذلك بدراسة التيتانيوم والتنغستون والكروميوم والروبيديوم والبوتاسيوم، وغيرها من المعادن من الأرض والقمر، واكتشفوا أنها تتشابه كثيرًا فيما بينها.

وهذا يمثِّل خبرًا سيئًا بالنسبة لثيا، فإذا كان المريخ مختلفًا بوضوح عن الأرض، فإن ثيا – والقمر بالتالي – ينغبي أن تكون مختلفةً أيضًا، ولكن في حال كانوا متشابهين، فإن هذا يعني أن القمر قد تشكَّل من الفتات الذائب من الأرض، وأن أحجار أبولو تقف في صدام مباشر مع ما يصر الفيزيائيون على تأكيده.

تقول عالمة الكواكب في جامعة كاليفورنيا في دايفس، سارة ستيوارت، إن "هذا النموذج المقدس أصبح في خطر حقيقي، فهو لم يَمُت بعد، ولكنه لم يعد صحيحًا بصيغته الحالية".

***

حاولت ستيوارت أن توفِّق بين الشروط الفيزيائية للمشكلة – الحاجة إلى جسم مصادم بحجم معين وبسرعة معينة – وبين الدلائل الجيوكيميائية الجديدة. ففي عام 2012 قدمَّت هي وماتيغا جوك، ضمن معهد سيتي، مقترحًا لنموذج فيزيائي جديد حول تشكُّل القمر. حيث حاججتا أن الأرض في بداياتها كانت تدور حول نفسها كل ساعتين إلى ثلاث ساعات في اليوم، وهنا اصطدمت ثيا بالأرض. أدى هذا التصادم لنشوء قرصٍ حول الأرض، قرصٌ يشبه ذاك الموجود لدى زحل، ولكنه لم يستمر سوى لـ24 وساعة، وفي النهاية، برد هذا القرص وتصلَّب ليشكِّل القمر.

لا تقدر الأجهزة الحاسوبية المتقدمة أن تعبِّر عن هذه العملية بشكل كامل، ولكنها أظهرت أن اصطدامًا هائلًا بمثل سرعة الدوران هذه ستعمل على كسر جزءٍ جيد من الأرض، وإزالة أجزاءً من ثيا، وأن تختلط بما يكفي ليتشكل القمر والأرض ضمن معدلات النظائر المشعة الموجودة المتشابهة. فكر في ذلك مثل لطم كتلة رطبة من المعجون بعجلة فخارية سريعة.

ولكن كي يفلح تفسير الأرض التي تدور بسرعة، يبنغي أن يأتي شيء آخر ليبطئ من معدل دوران الأرض لتصل لما هي عليه الآن. خلال عملهم في عام 2012، حاجج كل من ستيوارت وجوك أنه تحت مستوى محدد من المدار الرنيني، كان يمكن للأرض أن تنقل بعض الزخم الزاوي إلى الشمس. وبعد ذلك، اقترح جاك ويزدوم، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عدة سناريوهات بديلة لانحدار الزخم الزاوي عن نظام الأرض والقمر.

الإلهة هستيا في مقابل الإلهة ثيا

ولكن لم تكن أي من هذه التفسيرات مُرضِية بشكلٍ كامل. وتقول ستيوارت أن نماذج عام 2012 لا تزال غير قادرة على تفسير مدار القمر أو تركيبته الكيميائية. ولكن في العام الماضي، جاء سايمون لوك، وهو طالب خريج من جامعة هارفارد وأحد تلاميذ ستيوارت، بنموذج محدَّث يقدِّم بنية كوكبية لم تكن مدرَكَة في السابق.

في هذه القصة، تبخرت كل الأجزاء من الأرض وثيا وشكَّلا سحابة منتفخة ومتورمة أشبه بالكعكة السميكة. التفت هذه السحابة حول نفسها بسرعة كبيرة إلى أن وصلت إلى نقطة تُدعى بحد الاستدارة. على الطرف الخارجي للغيمة التفت صخرة متبخرة بسرعة مما جعل الغيمة تأخذ هيكلًا جديدًا، مع وجود قرص سميك يحيط بالمحيط الداخلي. لم يكن القرص منفصلًا عن المنطقة المركزية كما هو الحال مع حلقات زحل، ولا بنفس الطريقة التي رُسِمت بها النماذج السابقة للتصادم الهائل.

كانت الظروف في هذا الهيكل مريعة جدًا، فليس هناك أي سطح، ولكن هناك غيوم من الصخور الذائبة، حيث تشكِّل كل نقطة من الغيمة حبات مطر من الصخر الذائب. ويقول لوك أن القمر قد نما داخل هذا البخار، وذلك قبل أن يبرد البخار ويشكِّل نظام الأرض والقمر فيما بعد.

وبحكم الصفات غير العادية لهذا الهيكل، فكرَّ لوك وستيواتر بتقديم اسم جديد له. لقد حاولوا القيام بالعديد من التصورات قبل صياغة التركيبة المشتقة من أصولها اليونانية، والتي تفيد فكرة الجمع، وأضافوا اسم الإلهة "هستيا" التي تمثل الوطن والقلب والبناء. وتعني الكلمة "الهيكل المتصل" بحسب ما تقوله ستيوارت.

وتقول أيضًا "إن هذه الأجسام ليست هي ما تظنونه عنها، فهي لا تبدو كما كنتم تعتقدون سابقًا".

في شهر أيار/ مايو الماضي، نشر لوك وستيوارت ورقةً في فيزياء التركيب، حيث حاججت الورقة بأن أصل القمر ما زال موضعًا للمراجعات. وعرضوا هذا العمل في مؤتمر حول علم الكواكب في الشتاء والصيف وقالوا إن زملائهم الباحثين كانوا مفتونين ولكنهم اقتنعوا بالفكرة بصعوبة. وقد يعود ذلك ربما لأن فرضية التركيب ما زالت مجرد فكرة، على عكس حلقات الكواكب التي تعد مألوفة في نظامنا الشمسي، والأقراص الكوكبية الأولية المألوفة عبر الكون، بالرغم من أن أحدًا لم يشاهدها بعد.

يقول لوك: "ولكن يعد هذا حاليًا طريقة يمكن أن يفسر من خلالها سمات قمرنا وتخرجنا من الحيرة اتجاهه، حيث نمتلك نموذجًا يبدو أنه لم يعد صحيحًا اليوم".

***

من بين الأقمار الطبيعية في نظامنا الشمسي، قد يكون قمر الأرض صادمًا بسبب وحدته. فعطارد والزهرة يفتقدان للأقمار الطبيعية، ويعود ذلك جزئيًا لقربهما من الشمس، وهو ما يجعل مدار دوران أقمارهما غير مستقر بسبب قوة جاذبيتها. بينما يمتلك المريخ قمرا فوبوس وديموس الصغيران، والذي يعتبرهما البعض كويكبات عالقة، بينما يحاجج آخرون أنها تشكَّلت مع تصادمات بكوكب المريخ. في حين تعج العمالقة الغازية بالأقمار، بعضها صخري وبعضها مائي وبعضها الآخر يخلط بين الصفتين.

وعلى عكس هذه الأقمار، يتفوق القمر في حجمه والثقل المادي الذي يحمله. تصل كتلة القمر إلى 1% من كتلة الأرض، وبالنسبة للكتل المجتمعة من أقمار الكواكب الخارجية فإنها تشكل عُشْر الـ1% من كواكبها الأصلية. والأهم من كل ذلك، يمتلك القمر 80% من الزخم الزاوي من نظام الأرض والقمر. بمعنى أن القمر مسؤول عن 80% من حركة هذا النظام بأكمله، في حين تمثِّل هذه النسبة 1% بالنسبة للكواكب الخارجية.

لماذا علينا أن نفترض أن صخرة واحدة كانت هي المسؤولة عن إزاحته من الأرض؟

ولكن ربما لم يحمل القمر هذا الحمل طيلة الزمن، فوجه القمر يقدِّم شواهد حول تعرضه المستمر للضربات والقذائف، لذا لماذا علينا أن نفترض أن صخرة واحدة كانت هي المسؤولة عن إزاحته من الأرض؟ فهناك احتمال لوجود عدة ضربات ساهمت في تشكيل القمر، وذلك بحسب رالوكا روفو، عالمة الكواكب في معهد وايزمان العلمي في مدينة رحوفوت في إسرائيل.

في ورقة نشرت خلال فصل الشتاء الماضي، حاججت روفو بأن قمر الأرض ليس هو القمر الأصلي، وإنما هو الخلاصة النهائية لآلاف الانكسارات، أو العشرات منها على الأقل بحسب تجارب المحاكاة التي أجرتها. حيث تأتي القذائف من عدة زوايا وبسرعات مختلفة لتضرب الأرض وتشكِّل الأقراص، لتلتئم مشكِّلة "أقمارًا صغيرة"، وهي فتاتات أصغر من حجم القمر الحالي، ثم أدت التفاعلات بين الأقمار الصغيرة عبر مختلف العصور إلى اندماجها ليتشكل القمر الذي نعرفه اليوم.

وقد أصبح علماء الكواكب عرضة للعدوى عندما نُشرت ورقتها خلال العام الماضي، حيث قال روبين كانوب أن ورقتها تستحق الانتباه، وهو عالم القمر من معهد ساوث ويست البحثي وعميد نظريات تشكُّل القمر، ولكن الأمر ما زال يحتاج إلى المزيد من الاختبار. لا تبدو روفو متأكدة ما إذا علقت الأقمار الصغيرة في مداراتها، أي بنفس الطريقة التي يقف فيها القمر حاليًا، وفي حال كان الأمر كذلك، فإنها لا تبدو متأكدةً من كيفية اندماجها. حيث تقول روفو: "وهذا ما نريد أن نكتشفه لاحقًا".

النماذج الفيزيائية وسر التشابه

وفي تلك الأثناء، تحوَّل آخرون إلى تفسير آخر حول تشابه الأرض والقمر، وهو تفسير يقدِّم إجابة مشابهة جدًا لهذه. فمن نظريات التركيب وحتى الأقمار الصغيرة، ستتنازع النماذج الفيزيائية الجديدة، كما أنه من الممكن أن يكون القمر مشابهًا للأرض بسبب ثيا.

إن القمر ليس هو الجسم الوحيد الذي يشبه الأرض في النظام الشمسي، فالأحجار مثل تروكتولايت 76536 تشارك معدلات نظائر الأوكسيجين مع الأرض بالإضافة لمجموعة من كويكبات الإنستاتايت كوندرايتس. حيث يعتبر مزيج الأوكسجين في هذه النظائر مشابهًا جدًا لتلك الموجودة في الأرض، وذلك بحسب عالمة الكيمياء الفلكية التي تدرس النيازك في معهد كارنيغي العلمي في واشنطن، مريم تيلوس.

وتقول في ذلك: "أحد الحجج لذلك هي أنها تشكلت في المناطق الأسخن من القرص، والتي يبدو أنها كانت أقرب للشمس". يبدو أنها قد تشكلت بالقرب مثلما كان الأمر مع الأرض.

تجتمع بعض هذه الصخور سويةً لتشكل الأرض، بينما اندمجت صخور أخرى لتشكِّل ثيا. تعتبر الإنستاتايت كوندرايتس هي الفتات، وهي بقايا الصخور التي لم تندمج وكبرت لتشكل كويكبات كاملة.

في كانون الثاني/ يناير، قال الجيوفيزيائي من جامعة شيكاغو، نيكولاس دوفاس، أن أغلبية الصخور التي شكَّلت الأرض كانت من نوع النيازك الإنتساتايتية. حيث حاجج أن أي شيءٍ قد تشكل في نفس المنطقة فلا بد أن يكون مصنوعًا منها أيضًا. كانت عملية بناء الكوكب تحدث باستخدام ذات المواد الممزوجة التي نجدها الآن في القمر والأرض، فهي تبدو متشابهة لأنها هي نفسها بالأصل. فقد كتب دوفاس: "من المرجَّح أن الجسم الصادم الضخم الذي شكَّل القمر كان يمتلك مزيجًا من النظائر تشبه تلك الموجودة في الأرض".

عالم الكواكب في معهد كاليفورنيا التقني، ديفيد ستيفنسون، والذي درس أصول القمر منذ بداية طرح فرضية ثيا عام ١٩٧٤، إنه يعتبر هذه الورقة كأهم مساهمة في هذا الجدل خلال العام الماضي، مشيرًا إلى أنها تشخِّص مسألة أرَّقت الجيوكيميائيين لعقود.

يقول ستيفنسون: "لقد جمع قصة تقاس بالكميات، إنها قصة ذكية حول كيفية النظر للعناصر المختلفة التي وصلت للأرض". ويضيف قائلًا: "من هنا، يمكنه وضع قصة حول المراحل الدقيقة لتشكل الأرض، حيث تلعب الإنستاتيات كوندرايتس دورًا مهمًا في ذلك".

ولكن لم يقتنع الجميع بذلك، حيث تشير ستيوارت إلى أنه لا زالت هناك بعض الأسئلة العالقة حول نسب النظائر مثل التنغستون. تعد التنغستون 182 ابنه الهافنيوم 182، لذا تمثِّل نسبة التنغستون للهافنيون علاقة كالساعة، مشيرةً لعمر الصخرة المطلوبة. فإذا كانت تمتلك صخرة ما كمية أكبر من التنغستون 182، فبإمكانك أن تقول أن هذه الصخرة قد تشكلت قبل الأخرى. ولكن تُبيِّنُ أدق القياسات المتاحة تشابه نسب التنغستون في كل من الأرض والقمر. وهنا يعترف دوفاس قائلًا: "لا بد من صدفة خارقة كي يكون المزيج متطابقًا بين الجسمين".

***

إن فهم القمر – وهو شريكنا الدائم، ورفيقنا الفضي، وهدف الحالمين والمستكشفين منذ القدم – هو أمر مبرر لذاته، ولكن قصة نشأته، وقصة الصخور مثل تروكتولايت 76536، هي أحد الفصول لملحمة كبيرة جدًا.

يقول ستيفنسون: "إني أرى ذلك نافذة لسؤال أعم بكثير: ما الذي حدث عندما تشكَّلت الكواكب الأرضية؟ ولكن يفشل الجميع في الإجابة عن ذلك اليوم".

"من المرجَّح أن الجسم الصادم الضخم الذي شكَّل القمر كان يمتلك مزيجًا من النظائر تشبه تلك الموجودة في الأرض".

كي نفهم فرضية التركيب سيكون من المفيد أن نجيب على ذلك، يحاجج لوك وستيوارت أن التركيبات قد تشكَّلت على قدمٍ وساق في بدايات نظامنا الشمسي مع تصادم الكواكب الأولية بعضها ببعض وذوبانها. يبدو أن الكثير من الأجسام الحجرية قد بدأت من هالات مليئة بالبخار، لذا فإن فهم كيفية تطور هذه التركيبات يمكن أن يساعد العلماء على فهم كيفية تطور القمر والعوالم الأرضية الأخرى.

كما سيساعد ذلك وجود عينات أكثر عن القمر والأرض، خاصة وأنها تعد ضمن ذات النظام، كي يحصل الجيوكيميائيون على المزيد من المعلومات لغربلتها. حيث سيتمكنون من معرفة ما إذا تخزَّن الأوكسجين داخل الأرض بنفس الطريقة، أو أن نظائر الأوكسيجين الثلاثة المشتركة تتواجد في مناطق مختلفة.

يشير ستيفسون إلى أنه "عندما نقول إن الأرض والقمر قريبين جدًا إلى حد تطابقهما في نظائر الأوكسيجين الثلاثة، فإننا نقيم افتراضًا بأننا نعرف ما هي الأرض، وأننا نعرف ما هو القمر".

إن بروز صيحات جديدة في نظريات أصل النظام الشمسي، والتي تستند عادة على أنظمة محاكاة حاسوبية معقدة، تفتح أعيننا أيضًا حول موقع ميلاد الكواكب ومكان ارتحالها. لقد بدأ العلماء يقترحون أننا لا يمكننا الاعتماد على القمر كي نحكي الحكاية، لأنه ربما قد تشكل في مساحة مختلفة من النظام الشمسي في مقابل الأرض و الإنستاتياتس وثيا. ويقول ستفينسون إنه ينبغي أن نكف عن استخدام المريخ كمقياس للكواكب الحجرية.

وفي النهاية، يوافق علماء القمر على أن الإجابة الأفضل يمكن أن يجدوها في كوكب الزهرة، وهو الكوكب الأشبه بالأرض. فربما كان يمتلك قمرًا في بداياته، ثم خسره فيما بعد، وقد يكون شبيهًا بالأرض، وقد يكون غير ذلك. يقول لوك: "إذا تمكنا من الحصول على قطعة حجر من الزهرة، فإننا سنتمكن من الإجابة على سؤال أصل القمر بشكل أسهل، ولكن هذه ليست على قائمة أولويات أي أحد، مع الأسف".

مع غياب عينات من الزهرة، ومع عدم وجود مختبرات قادرة على اختبار الضغوطات ودرجات الحرارة المبهمة في قلب الصدامات الهائلة، سيضطر علماء القمر إلى أن يصوغوا النماذج الجديدة، وأن يراجعوا قصة أصل القمر.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018