تنظيم "الدولة الإسلامية"... إلى أين؟

تنظيم "الدولة الإسلامية"... إلى أين؟
(أ ف ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

في ذروة أيامه، لم يكن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، مجرد "خلافة" ممتدة على قطاع واسع من الشرق الأوسط فحسب، بل كان مصدر صخبٍ عالمي يحمل رؤية واضحة.

فامتداده العنيف والمتوسع عبر اثنتين من أكثر الدول رمزية عبر التاريخ الإسلامي، قد جذب عشرات الآلاف من الداعمين حول العالم. ولكن انقلبت الطاولة خلال السنوات الأخيرة على تنظيم "الدولة الإسلامية"، وخسر جزءًا كبيرًا من مكاسبه. لماذا بقي إذًا الحلم الجهادي على قيد الحياة بالنسبة للآلاف بعد النفاذ السريع للمال والأراضي والقوى البشرية.

إن الخسارة الميدانية لتنظيم الدولة مثَّلت قضية خطيرة بالنسبة له، ولكنها لم تكن مهلكة. فبعد انشقاق الجماعة عن تنظيم القاعدة وصعودها في عام 2013، ميَّز تنظيم الدولة نفسه عن طريق إحكام السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، وهو ما لم يتمكن التنظيم من إدارته.

فقد سعت مجموعات مختلفة من الجماعات الإسلامية المتشددة إلى تأسيس شكل من أشكال الدولة الإسلامية لإثارة الحنين للماضي الذي عاشته المنطقة، ولكن تنظيم الدولة هو الوحيد الذي تمكن من بناء نمط حكمٍ أولي، بما في ذلك من فرض الضرائب والعملة والوكالات. وبالرغم من أن بناء الدولة يمثل عنصرًا جوهريًا في أيديولوجيا تنظيم الدولة، إلا أن الخبير في مكافحة الإرهاب، مايكل سميث، يقول إنه وبحكم الالتزام الصلب والواضح للرؤية المتشددة بالنسبة للتنظيم، فقد أصبح التصاقه بالتأويل السفلي الجهادي للإسلام هو مفتاح حفاظه على الشرعية بعد خسارته للأراضي.

قال سميث لصحيفة نيوز ويك: "وعلى نفس المستوى من الأهمية أيضًا هو تركيز التنظيم على عقاب من يسميهم بـ"أعداء الإسلام"، وذلك بالإضافة للقاعدة والجماعات السلفية الجهادية الأخرى التي رفضت الانضواء تحت التنظيم".

ويضيف قائلًا: "ففي النهاية، وبالإضافة إلى إمكانية تنظيم الدولة على الاستمرار في حشد الإرهابيين للهجوم على الأعداء المشتركين في العالم الإسلامي، وبالرغم من قيامها بضربات أكثر على الغرب مقارنةً مع القاعدة، سيبقى تنظيم الدولة في عين الجهاديين الطموحين كنموذج يحظى بالمشروعية ويستحق الدعم".

لا يرفض التنظيم – الذي انبثق عن تنظيم القاعدة في بدايات الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 – التنافس مع الحركات الجهادية وحسب، بل يزدريها باستمرار بالرغم من قلة عدد أعضائها. وكما هو الحال مع سميث، تتصدر د. ميا بلوم، من جامعة ولاية جورجيا، مشروع تتبُّع تفاعل تنظيم الدولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتتابع التنظيم باستمرار في رسائله المشفرة عبر التيليغرام. وتوضح بلوم مجموعة من الطرق التي تمكِّن روح التنظيم من البقاء أمام عودة القاعدة والحملات التي تتزعمها القوى الدولية والهجمات العسكرية السورية والعراقية، بالإضافة للقوى الأخرى التي تعمل على تدميرها.

أولًا، قالت لبوم، إن الجماعة لا تعترف بالخسارة أمام أتباعها، فبالرغم من انحسار جيوب المقاومة الخاصة بتنظيم الدولة في العراق بعد الضربات الجوية الأميركية والهجمات البرية التي يتزعمها الجيش العراقي والقوات الكردية والميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا بالإضافة إلى قوى الحشد الشعبي، إلا أن حضور الجماعة في سورية لم ينحسر بشكل كامل. إن القوات السورية الكردية المدعومة أميركيًا وحلفاءها الذين يقاتلون تحت مظلة قوات سورية الديمقراطية، وذلك بالإضافة لجيش النظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين، لا زالوا جميعًا منخرطين في معارك وحشية مع مليشيات تنظيم الدولة. يقوم تنظيم الدولة باستمرار بنشر خسائر الأعداء وخرائط الحرب والصور الإعلامية حول الأضرار الجانبية التي ألحقت بالمدنيين بسبب حملات أعدائه خلال هذه المواجهات.

وقالت بلوم لصحيفة "نيوز ويك": "ببساطة، إنهم يتخذون ذات المواقف التي يمكن أن تتوقعها من تيار اليمين البديل. فيشيرون إلى أي خبر يدل على خسارتهم بأنه (خبر كاذب)".

كما أكدت على أن تنظيم الدولة، بطبيعته/ يمجد الموت. فأتباعه الصامدين – التي تنعتهم بـ"طائفة الموت المروع" – لا يهابون القتال حتى آخر رمق، لأن استحضار اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان يعدُّ أحد مبادئهم الرئيسية. فقد حافظت الجماعة على وجودها حتى عندما تمكن الثوار السوريون، خلال العام الماضي، من السيطرة على مدينة دابق، وهي المدينة التي تنبأ تنظيم الدولة باندلاع "معركة هرمجدون" فيها، في معركة حاسمة مع جيوش "الروم". وبنفس الطريقة، لا يبدو أن تنظيم الدولة سيواجه الغياب المريب والموت المحتمل لمؤسسه وقائده أبو بكر البغدادي.

ولكن بدأت علامات التفسخ تظهر على قاعدة تنظيم الدولة. حيث بدأ داعموا تنظيم الدولة بالانقلاب على بعضهم البعض، وبدأوا بتوجيه تهم الردة والكفر والتجسس، وهو منحىً تألفه التنظيمات التي تخشى من الانهيارات الوشيكة بحسب ما تقوله بلوم. تدعو بلوم هذه العملية بـ "إفناء الذات"، وتشير إلى احتمالية قيام التنظيم بتفتيت نفسه من الداخل بالرغم من تظاهره بالصمود.

أخبرت قوة المهام المشتركة التي شكلتها القيادة المركزية الأميركية، (عملية العزم الصلب)، صحيفة "نيوز ويك"، خلال الشهر الماضي، أن أعداد مقاتلي تنظيم الدولة في العراق والشام يتراوحون ما بين 12 ألف و15 ألف مقاتل. وقبل أسبوع تقريبًا، أشارت "أسوشييتد بريس" إلى أن المسؤولين الأمريكيين يحددون عددهم بـ11 ألف مقاتل، بالإضافة لأكثر من 8 آلاف من المقاتلين المرتزقة. ولكن معظم ما كان يعتبر ضمن مواقع الحكم المتقاربة، قد أصبح بؤرًا استيطانية تحت تأثير الجهاديين. ومع خسارة تنظيم الدولة لمدينة الموصل المعروفة وانحصاره في حوالي النصف من عاصمته الحالية في الرقة، فإن الأكاديمي د. فالي ناصر، يشير إلى أن فكرة الحفاظ على الخلافة قد ماتت الآن، ولكن من المرجح أن تستمر المخاطر الدولية التي يفرضها داعموها لبعض الوقت.

قال ناصر لصحيفة "نيوز ويك"، وهو عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكين،ز والباحث في معهد الشرق الأوسط: "ربما اختفت الصيغة الحالية لتنظيم الدولة، ولكن السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي حصل لداعميه؟".

وأضاف قائلًا: "لست بحاجة لأن يكون هناك تنظيم دولة ضخم ومتغول فقط، كي يكون مصدرًا للتهديد".

فمع خسارته لمناطق الحكم المركزية في العراق وسورية، من المرجح أن تتفرع "قيادة وسيطرة" تنظيم الدولة إلى الدول الضعيفة الأخرى، مثل التشاد وليبيا ومالي والفلبين.

ولكن في أراضي تنظيم الدولة السابقة، فإن الانقاسات الطائفية العميقة، وحالة السخط على الإمبريالية الغربية وعدم الرضا عن الحكومات المحلية، كل ذلك من المرجح أن يحفِّز الجهاديين على الاستمرار في القتال تحت الرايات الأخرى، بما فيها القاعدة. ويقول ناصر أن الانقسام الطائفي القائم، والذي تعززه الحرب الدائرة بين المملكة العربية السعودية وإيران، سيستمر في تقديم أرضية خصبة للتطرف، وسيبقى الأمر كذلك إلى حين تقديم تنازلات حقيقية من كلا الطرفين.

ويؤكد ناصر أن عملية تهدئة حالة عدم الثقة القائمة بين الأغلبيات والأقليات الدينية والعرقية في العراق وسورية لا تحصل عبر خلع حكومة ووضع قيادة جديدة بكل بساطة. ويشير إلى مثال الجهود الأميركية الساعية لطرد رئيس سورية بشار الأسد، حيث يؤكد على صحة كونه "وغدًا" متهمًا بانتهاكات متكررة لحقوق الإنسان، ولكن الموازنات الطائفية، قد اصطفوا وراءه خوفًا من أن يؤول الأمر بالنسبة لهم كما آل بالنسبة للأقليات العراقية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003. حيث لم تؤسس الولايات المتحدة بعد أي وضع مستقر في العراق بعد 14 عامًا من ذلك.

وفي النهاية، يشدد ناصر على أن الطريقة الفعالة الوحيدة لكبح جماح الجماعات مثل تنظيم الدولة من الصعود في المنطقة، هي البحث عن الأرضية المشتركة بين الفاعلين المحليين، وهو أمر ينبغي على التحالف الأميركي السعودي والمحور الروسي الإيراني أن يدركه.

ويشير لصحيفة "نيوز ويك" إلى أنه "إما أن تفكر بضرورة الحل العسكري في سورية، والذي يبدو أنه أصبح مكلفًا وغير فعال، أو أنه ينبغي الوصول لحل تفاوضي".

ويختم قائلًا: "وما زال يلعب كلا الطرفين معركة صفرية في سورية".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018