حول العلم والأخلاق: قصص التجارب العلمية الخفية على العبيد

حول العلم والأخلاق: قصص التجارب العلمية الخفية على العبيد
(visualhunt)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

يصاب الناس بالأمراض ويموتون، وهذا جانب طبيعي في الحياة، ويأمل المرضى بالحصول على علاجٍ سحري لاستعادة صحتهم.

ونريد جميعًا أن تعالجنا الأدوية بأعجب الطرق، ولكن كيف تُختَبرُ الأدوية على البشر؟ من يحمل عبء المخاطرة؟ وما هي الموانع الأخلاقية التي تكبح جماح العلم عن توظيف الفئات السكانية الضعيفة؟ ومن يخاطر بذلك أولاً؟

لا يزال السؤال اليوم عن علاقة الأقليات الضعيفة بالتجارب الطبية مهمَّشًا بعض الشيء. فعادة ما تكون الأقليات، خاصة الأفريقية الأميركية في الولايات المتحدة، ذات تمثيل ضعيف في الأبحاث الطبية، ومستغلة تاريخيًا كفئران تجارب في نفس الوقت.

يركز كتابي الجديد، "العلاجات السرية للعبيد: الناس والنباتات والطب في المحيط الأطلسي خلال القرن الثامن عشر"، على حقول التجارب البشرية في مزارع العبيد في منطقة البحر الكاريبي خلال القرن الثامن العشر. ويتساءل: هل استُخدِمَ العبيد في مزارع "العالم الجديد" للسكر كفئران تجارب، بنفس الطريقة التي استُخدِمَ بها الأفارقة الأميركيين في جنوب أميركا بعد قرون من ذلك؟

التجارب الاستغلالية مع العبيد

يمتلئ التاريخ بالقصص المتناثرة حول التجارب الاستغلالية على البشر. قد تعد تجربة توسكيجي للزهري من أكثر التجارب الطبية سيئة السمعة، فبين عامي 1932 و1972، قدَّمت إدارة الصحة العامة الأميركية الطعام والرعاية الطبية المجَّانية والتأمين على الدفن لـ600 رجل أفريقي أميركي لغرض الدراسة، وأصيب حوالي 400 شخص من هؤلاء الفقراء بمرض الزهري، حيث قامت الحكومة بدراسة التطور الطبيعي للمرض حتى الموت، وذلك بالرغم من توافر البنسلين وقلة سعره وقدرته العلاجية الآمنة.

بدأ هذا النوع من التجارب الطبية – أي التجارب الممنهجة – بشكل جدي في بدايات القرن الثامن عشر، وتم تعريض العديد من الأرواح المسكينة للاختبارات الطبية. وكانت تجارب العقارات في أوروبا ومستعمراتها الأميركية تُمارس قسرًا ويتم اختيار أفرادها من الأوساط والأجنحة الفقيرة في الدولة، كالمساجين ومرضى المستشفيات والأيتام. كان يأتي معظم أفراد التجارب من ذات المجموعات التي تُمارس عليها عمليات التشريح، وهم الأفراد الذين ليس لهم أقرباء كي يطالبوا بطقوس الدفن أو حمل تكاليف العلاجات المكلفة.

وقد تفاجأت عندما علمت أن الأطباء، وفي كثير من الشواهد، لم يقوموا – كما يمكن أن يتوقع – باستخدام العبيد كفئران تجارب، فقد كان العبيد ملكًا ثمينًا بالنسبة لأصحابها الأقوياء، وكانت تسود إرادة المُلَّاك على نصيحة الطبيب.

(visualhunt)

فعلى سبيل المثال، أعلن طبيب بريطاني في جامايكا عن تطوير "العلاج الأفضل" لداء العليقي، وهو مرض استوائي فظيع يصيب الجلد والعظام والمفاصل التي ولدت ضمن نظام صحي فقير وضعيف. وكان من المقرر أن تأخذ التجربة العلاجية مدة ثلاثة إلى أربعة أشهر. ولكن رفض الملاك طلب الطبيب لعدم رغبتهم بـ"التخلي عن عمل عبيدهم" لهذه المدة الطويلة.

ولكن تم استغلال العديد من العبيد في هذه التجارب الطبية آنذاك. فقد قام الطبيب البريطاني جون كوير، الذي يعمل في ريف جمايكا، بإجراء التجارب بكل حرية باستخدام لقاح الجدري على فئة سكانية تقدَّر بـ850 عبد، وذلك خلال الطاعون الذي ساد في العام 1768. يحمل هذا اللقاح، وهو النسخة الأقدم للمطاعيم، عينةً بسيطة من المرض ليتم حقنها في جسد شخص سليم بغرض تحصينه مدى الحياة.

عَمِل كوير مع ملاك العبيد وكان مطلوبًا منه أن يحقن مزرعة من العبيد بالجدري، من أجل تجاربه العلمية أو لغيرها. وكانت الكلمة الأخيرة في كل الحالات لملاك العبيد. فلم يمكن الأمر يتعلق بموافقة العبد أو مواقفة الطبيب.

ولكن لم يستخدم كوير اللقاح من أجل منع المرض بكل بساطة. حيث تشير تقاريره إلى أنه استخدم العبيد لاستكشاف الأسئلة التي لم يجرؤ على بحثها الأطباء في أوروبا. فقد أراد أن يعرف مثلاً ما إذا كان بالإمكان أن يلقِّح امرأة في مرحلة الحيض أو الحمل. كما أراد أن يعرف ما إذا كان آمنًا أن يحقن حديثي الولادة أو شخصًا مصابًا بمرض الاستسقاء أو داء العليقي أو الحُمَّى أو ما شابه.

في رسائله لزملائه، أشار كوير إلى أنه كان يقوم في بعض الأحيان بحقن ذات الشخص أكثر من مرة وعلى نفقته الخاصة للإجابة عن هذه الأسئلة. وكان يسير في تجاربه مندفعًا باهتمامه بالعلم، لا لما هو أفضل للإنسان المستلقي أمامه.

الجندر والعلم

لا يتعلق تاريخ التجارب البشرية باستغلال وإساءة استغلال أفراد التجربة فقط، بل يتعلق أيضاً بالأفراد الذين يتم استبعادهم من الاختبار، أي استبعاد أولئك الذين من المحتمل أن يستفيدوا من العلاج.

يتجادل الباحثون الطبيون اليوم حيال إدخال المرأة ضمن التجارب السريرية. يستحيل تحديد متى وُضِعت المرأة كموضوعٍ للتجارب في الأبحاث البشرية، ولكن كانت النساء متضمنة في الأبحاث الطبية في القرن الثامن عشر.

ففي عام 1721، اختبرت تجارب سجن نيوغيت المعروفة، سلامة وفعالية لقاح الجدري. ومن بين المجرمين الستة المدانين كان هناك ثلاثة نساء وثلاثة رجال متقاربين في العمر إلى حد ما.

كما كانت تتواجد النساء في تجارب كوير، مما أثار العديد من الأسئلة حول الاختلافات بين النساء، حيث كان يتعلق الكثير منها بموضوع العرق.

فعلى سبيل المثال، تساءل زملاء كوير من لندن حول مدى صلاحية نقل التجارب التي أجراها على "النساء الزنوج" وتطبيقها على النساء الإنجليزيات. ولكن شعر "بعض الرجال القديرين" بالقلق من سلامة فكرة تطبيق هذه التجارب على "نساء الموضة والقوانين الحساسة". فقد حذَّرَّوا من أن التدابير العلاجية الملائمة للنساء العبيد قد تدمر النساء ذوات "العادات الناعمة، ...من بنات الرفاهية الأوروبية".

مساهمات الأفارقة في العلم

تندمج معارف الأفارقة والهنود الحمر والأوروبيون في مزارع السكر الكاريبية.

لم يكن الأوروبيون خبراء في الأمراض الاستوائية التي واجهوها في المحيط الكاريبي، على عكس الأفارقة. وأحد أهدافي في هذا الكتاب هو أن أوسع من معرفتنا حول المساهمات الأفريقية في العلم.

فقد أجريت تجربة استثنائية في عام 1773 على التحريض ضد علاجات العبيد المزعومة في مقابل العلاجات الأوروبية في غرينادا، وهي جزيرةٌ صغيرة في جنوبي باربادوس. وكأنه نوع من "العلاج السحري"، تم اختبار علاج قدمه أحد العبيد لداء العليق، والذي يسير على عكس معايير العلاج الأوروبية. وتحت إشراف المالك، تم علاج أربعة عبيد عن طريق جراحين أوروبيين، اثنان منهم على يد طبيب من العبيد.

حيث أجرى الجرَّاحون علاجًا تقليديًا يعتمد على الزئبق، وهو ما يُضعف من صحة العبيد بعد سنوات من العلاج. وفي المقابل، استند العبد على أساليب تعلمها في "بلاده" (من المحتمل أنها أفريقيا). ويتألف هذا الأسلوب من إيصال المرضى إلى حالة من التعرُّق "القوي" مرتين يوميًا، داخل برميل خشبي تضاء فيه شعلة نارٍ صغيرة، وعن طريق إعطائهم دواء مصنوع من نوعين من الخشب يُعرَفان محليًا بـ"بيوس رويال وبيوس فير".

والنتيجة؟ شفي المرضى الذين عالجهم العبيد خلال أسبوعين، بينما لم يشفى مرضى الجراحون. وقام مالك المزرعة، والذي كان عالمًا، بعد ذلك بتنصيب الرجل ذو الأصول الأفريقية كمسؤول عن جميع مرضى داء العليق في مستشفى مزرعته. وخلال ذلك، تم ترفيع الرجل – الذي بقي اسمه وهويته مجهولة إلى اليوم – إلى رتبة "الطبيب الزنجي".

يمثِّل عالم المحيط الأطلسي خطوة أساسية نحو العولمة، حيث امتزجت خبرة البشر عندما تصادمت العوالم. ولكن توسع البشر، كما هو الحال مع الهنود الحمر في جزر الأنتيل الكبرى، يختلط بالخوف والسرية التي تغلف استعباد الأفارقة، وهو ما يعني الوقوف في طريق الانتشار الحر للمعرفة.

يحسد الطبيب الفرنسي برتنارد باغو "العلاجات النباتية المختلفة" التي كان يعرفها "الهنود والزنوج". واعترف باغو بأن العبيد كانوا ملزمين "لصالح البشرية" أن "يربطوا النباتات التي كانوا يستخدمونها بالأساليب التي كانوا يوظفونها بها". وفي المقابل، أوصى باغو بتحرير العبيد، ولكن ليس قبل "التجارب المهولة لإثبات صلاحية العلاج".

ينبغي أن نتذكر أن المعرفة التي صُنِعَت في تلك الفترة لم تنشأ من أجل العلم، بل كانت مدفوعة بسلسلة من أعمال الغزو والاستعباد والعنف الاستعماري.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018