هل تؤثر الألوان حقًا على نفسيتنا وجسدنا؟

 هل تؤثر الألوان حقًا على نفسيتنا وجسدنا؟
يقال أن اللون الأزرق قد ساهم في تقليل معدلات الانتحار في محطات القطار

ترجمة خاصة: عرب 48

يزيد اللون الأحمر من معدل ضربات القلب، ستسمع باستمرار مثل هذه الادعاءات وغيرها حول آثار الألوان المختلفة على نفسية وجسم الإنسان. ولكن هل هناك أية أدلة أو بيانات علمية تدعِّم هذه الادعاءات؟ خلال هذا القرن، بدأت فهم التأثيرات النفسية المتعلقة برؤية الإنسان للألوان، ولكن خلال العقود الماضية فقط اكتشفنا وبدأنا نفهم طريقًا جديدًا حول التأثيرات غير البصرية للألوان.

مثل الأذن، والتي توفِّر الشعور بالتوازن أيضًا، بتنا ندرك الآن أن العين تؤدي وظيفتين. فالخلايا الحساسة للضوء، والتي تُعرف بالمخاريط الواقعة في الشبكية في الجهة الورائية من العين، ترسل إشارات كهروكيميائية لمساحة من الدماغ تُعرف بالقشرة البصرية، حيث تتشكل الصور البصرية التي نراها. ولكننا نعرف اليوم أن بعض الخلايا الشبكية تستجيب للضوء عن طريق إرسال إشارات إلى المنطقة الدماغية الوسطى المسماة بالغدة النخامية، والتي لا تلعب دورًا في تشكيل الصور البصرية.

الضوء وليس الرؤية

تعد الغدة النخامية فاعلًا رئيسيًا في مهمة الدماغ المتعلقة بإفراز عددٍ من الهرمونات التي تتحكم بالعديد من جوانب التنظيم الذاتي للجسد، بما فيها درجة الحرارة والنوم والجوع والساعة البيولوجية. فالتعرض للضوء في الصباح، خاصة الضوء الأزرق/ الأخضر، يحفِّز من إفراز هرمون الكورتيزول وينشطنا ويوقظنا، ويمنع إفراز الميلاتونين. وبحلول المساء ومع انخفاض الضوء الأزرق في أشعة الشمس، يفرز الميلاتونين في مجرى الدم ونصاب بالنعاس.

تعتبر الخلايا العصبية التي تشكل المسارات البصرية غير الصورية بين العين والغدة النخامية حساسة بشكل انتقائي اتجاه الأطوال الموجية القصيرة (الأزرق والأخضر) في الطيف المرئي. ما يعنيه ذلك هو أن هناك عملية نفسية واضحة تمكِّن من وجود تأثير محدد للألوان والأضواء على المزاج ومعدل ضربات القلب والانتباه والدافعية وغيرها.

فعلى سبيل المثال، يُعتقد وجود علاقة بين هذه المسارات العصبية غير الصورية التي تصل للغدة النخامية وبين تقلب المزاج مع اختلاف الفصول، وهو اضطراب مزاجي يؤثر في بعض الناس خلال أشهر الشتاء المظلمة التي يمكن علاجها عبر التعرض لضوء النهار.

وبالمثل، تشير بعض البيانات المنشورة إلى أن التعرض لأشعة الضوء الساطعة قصيرة الطول الموجي لبضعة ساعات قبل وقت النوم المعتاد يمكن أن تزيد من الانتباه وأن يؤثر بالتالي على كفاءة النوم. لقد أصبح تدني كفاءة النوم أمرًا منتشرًا جدًا في العصر الحديث ويرتبط بازدياد عوامل الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب. وهناك بعض المخاوف من أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية في الأوقات المتأخرة من الليل يمكن أن يؤثر على كفاءة النوم، لأنها ترسل كميات كبيرة من الضوء الأزرق/ الأخضر ضمن الأطوال الموجية التي تعيق إفراز الميلاتونين، وهو ما يمنعنا من الشعور بالنعاس.

هذه أحد آثار الضوء الأزرق/ الأخضر، ولكن ينبغي إنجاز العديد من الأبحاث من أجل دعم الإدعاءات الكثيرة المتعلقة بالألوان الأخرى.

تجربة الألوان

قمت بقيادة المجموعة البحثية الخاصة بتصميم التجربة في جامعة ليدز، حيث كان لدينا مختبر أضواء مصمم خصيصًا لتقييم أثر الضوء على السلوك والحالة النفسية للإنسان. يعد نظام الأضواء هذا فريدًا في المملكة المتحدة حيث يمكن أن يضيء الغرفة بأضواء ملونة بأي قيمة محددة لطولها الموجي (عادةً ما تستخدم أضواء الألوان الأخرى خليطًا بسيطًا من أضواء الأحمر والأخضر والأزرق).

كشفت دراسة حديثة أجرتها المجموعة وجود أثر صغير للأضواء الملونة على معدل ضربات القلب وضغط الدم، حيث يبدو أن اللون الأحمر يزيد من معدل ضربات القلب فعلًا، بينما كان يعمل الضوء الأزرق على تقليلها. كان هذا تأثيرًا صغيرًا ولكن يمكن تعزيزه من ورقة قدمتها مجموعة من أستراليا في عام 2015.

في عام 2009، تم وضع أضواء زرقاء على نهاية منصات خطوط سكة حديد يامانوت في توكيو لتقليل حوادث الانتحار. وكنتيجة لنجاح هذه الأضواء (حيث انخفضت نسب الانتحار بقيمة 74% في الأماكن التي تم وضع الأضواء الزرقاء فيها)، تم وضع أضواء بلون مشابه في منصات قطار مطار غاتويك. اتُّخذت هذه الخطوات بناء على الادعاء القائل بأن الضوء الأزرق يقلل من اندفاعية الناس ويزيد من هدوءهم، ولكن لا يوجد أدلة كثيرة تدعِّم هذه الادعاءات: ففي دراسة أخذت ثلاثة سنوات من نيكولاس كيكون، باحث دكتوراة من مجموعتنا، لم يتبين وجود أدلة حاسمة لتأثير الأضواء الملونة على الدافعية. لا زالت تُجرى مثل هذه الأبحاث في مختبراتنا للبحث في أثر الألوان على الإبداع وتعلم الطلاب في القاعات الدراسية وكفاءة النوم.

من الواضع أن الضوء، واللون تحديدًا، يمكن أن يؤثر علينا بطريقة تتجاوز الرؤية العادية للألوان. قدم اكتشاف المسارات البصرية غير الصورية دافعًا جديدًا للأبحاث التي تكشف عن كيفية استجابتنا للألوان المحيطة بنا على الصعيدين النفسي والجسدي. إن زيادة توافر واستخدام الأضواء الملونة بفعل التقدم في تكنولوجيا أضواء الليد قد زادت من الحاجة لإجراء أبحاث دقيقة في هذا المجال، ولكن تزداد معها صعوبة فصل الإدعاءات المتعلقة بأثر الألوان المبنية على البيانات، عن تلك المبنية على الحدس والتقاليد.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018