العلمين: آخر انتصارات الإمبراطورية البريطانية

 العلمين: آخر انتصارات الإمبراطورية البريطانية

 

(ترجمة: عرب 48)

بدأت معركة العلمين الثانية في ٢٣ تشرين الأول/ أكتوبر من عام ١٩٤٢، قبل ٧٥ سنة، وانتهت في غضون أقل من شهر. وقد جاءت بعد أشهر قليلة من معركة العلمين الأولى، والتي حدثت في مصر من دون حسم الفائز. لم تُنهي معركة العلمين الثانية حملة شمال أفريقيا الخاصة بالحرب العالمية الثانية، حيث كانت تتنافس قوات التحالف والمحور للسيطرة على المنطقة، ولكنها جعلت انتصار ألمانيا أمرًا مستحيلًا. مثل معركة ميدواي وغوادالكانال وستالينغارد – وهي المعارك الأخرى التي أغلقت الباب أمام انتصار دول المحور – مثَّلت معركة العلمين انتصارًا استراتيجيًا لقوات التحالف، وحددت مسار الحرب.

كانت بداية حملة شمال أفريقيا غريبةً بعض الشيء. فقد كانت حربًا صحراويةً على البحر الأبيض المتوسط حرضت القوات الإيطالية والألمانية ضد القوات البريطانية والأسترالية. كانت بريطانيا جزيرة صغيرة لا تقدر أن تحافظ على وجودها لوحدها وتشن حربًا ضد الألمان. فهي تعتمد على مستعمراتها، خاصة في الهند، لتحصيل المواد الخام والغذاء. كان يمر المعبر التاريخي نحو الهند برأس الرجاء الصالح في أفريقيا الشمالية، وخلال المحيط الهندي. لقد كانت رحلة طويلة وصعبة. زود بناء قناة السويس طريقًا أقصر، ومكَّن من نقل حمولة أكثر بنفس كمية السفن.

كان البريطانيون مهتمين دائمًا بالبحر الأبيض المتوسط، ولكن بعد فتح قناة السويس، أصبحوا مهووسين به. كان البريطانيون قد سيطروا على جبل طارق، المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، من إسبانيا قبل قرون. وأعطت قناة السويس البحر الأبيض المتوسط مخرجًا شرقيًا، مما جعل السيطرة على البحر الأبيض المتوسط مفتاح السيطرة على حوض المحيط الهندي، من جنوب أفريقيا وحتى سنغافورة والمحيط الهادئ.

مع هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، واجه البريطانيون عددًا من المشاكل. حيث كان عليهم الاستعداد لاحتمالية غزو ألماني، ولكن كان عليهم أيضًا الحفاظ على إمبراطوريتهم، والتي أعطتهم سمعة القوة الدولية. كان هذا يعني السيطرة على جبل طارق وقناة السويس. بحلول عام ١٩٤١، كان جنوبي أوروبا إما أنه محكوم أو متحالف مع ألمانيا. بينما لم يُبَت الأمر في البحر الأبيض المتوسط وسيطرة الألمان عليه، خاصة بعد غزو الإيطاليين لشمال أفريقيا.

توقع الألمان تأمين اتفاقية سلام مع بريطانيا بعد سقوط فرنسا وعرضت صفقة تمكن بريطانيا من الحفاظ على إمبراطوريتها وسلطتها على المسارات البحرية، بحيث تمكن الألمان في المقابل من السيطرة على شبه الجزيرة الأوروبية. ولكن خشيت بريطانيا من أن تتمكن ألمانيا، والتي تسيطر الأساطير الفرنسية والإيطالية والتي تستخدم الموارد الأوروبية بكل أريحية لتطبيق برنامج ضخم من بناء السفن، من انتزاع المحيطات والإمبراطورية من يد بريطانيا بعد سنوات. فرفضت بريطانيا العرض.

لم يتمكن الألمان من السيطرة على بريطانيا لأن قواتهم البحرية لم تتمكن من السيطرة على القناة الإنجليزية. لم يكن من الممكن ضمان أن تحافظ ألمانيا على عرضها على المدى الطويل. قامت بريطانيا بأخذ ذلك بالحسبان بعد فرصة دخول الولايات المتحدة في الحرب سواءً باختيارها أو كرد على الأعداء. فانتظروا قليلًا، وحافظوا على مكانهم وقاتلوا للحفاظ على المحيط الأطلنطي مفتوحًا ضد السفن الألمانية من أجل فتح معابر بين إمبراطوريتهم وأميركا الشمالية.

الاستيلاء على قناة السويس

كان هناك مكان واحد لم يكن التأخر عنه أمرًا ممكنا. فقد كان البريطانيون مضطرين للحفاظ على البحر الأبيض المتوسط لضمان بقاء جبل طارق وقناة السويس مفتوحين. وبالنسبة للألمان، كانت هناك فرصة هائلة في البحر الأبيض المتوسط. فإذا تمكنوا من إغلاق جبل طارق أو قناة السويس، فسيتم إطالة مسارات النقل للبريطانيين وسيصعب الدفاع عنها. لذا حاول الألمان إقناع الإسبان بالدخول في الحرب، ولكنهم رفضوا ذلك. لم يكن من الممكن الاستيلاء على جبل طارق، ولكن هناك فرصة في قناة السويس.

كانت ألمانيا تسيطر على اليونان وقبرص، وإذا تمكنت من أخذ قناة السويس، فستسيطر على مصر أيضًا. سيخلق هذا فرصًا أخرى أمام الألمان. فبعبور شبه جزيرة سينا، سيتمكنون من الهجوم نحو الشمال عبر فلسطين ونحو الشمال الشرقي لأخذ حقول النفط البريطانية في العراق والسيطرة على الخليج الفارسي. كانت ستُحدِث مشكلة لوجستية عويصة، ولكنها كانت خيارًا مطروحًا لعدم وجود قوات عسكرية كبيرة تقف في طريق الألمان.

كانت المشكلة التي تواجه الألمان هي الاتحاد السوفيتي. فقد أدى تقسيم بولندا إلى إزاحة السوفييت لمسافة ٣٠٠ ميل نحو برلين. كانت قوة السوفييت هائلةً جدًا، وكان على ألمانيا أن تفترض قيام السوفييت بضربة عندما يصبحوا أقوياء. وبالتالي كان على ألمانيا أن تضرب السوفييت قبل قيام السوفييت بضرب ألمانيا، ولكن مثل هذه الخطوة ستحد من موارد ألمانيا التي يمكن تكريسها لشمال أفريقيا.

أجرى الألمان تسوية كلاسيكية: لقد شنوا الحرب على الجبهتين. ما كان سيئًا للألمان هو أنه بينما كانت تقاتل معظم قواتهم الاتحاد السوفيتي، انقسمت قواهم إلى ثلاثة اتجاهات. الأولى، أرادوا أن يسيطروا على المغرب بسرعة ويضربوا السوفييت. والثانية، حاولوا أن يضربوا نحو الجنوب للسيطرة على باكو فيما يعرف اليوم بأذربيجان، وهي موطن لأثر واردات النفط في العالم والمصدر الأساسي الوحيد الذي يمتلكه السوفييت. كان يمكن للتوجه الجنوبي أن يضرب اقتصاد السوفيت ويعطي ألمانية مصدرًا للنفط هي في أمس الحاجة له. كما حاول هتلر الاستيلاء على ليننغراد. ولكنه فشل في الحملات الثلاث.

كما فشل في شمال أفريقيا، كنتيجة لقرار الهجوم على السوفييت. بالرغم من صعوبة أوضاع البريطان، إلا أنهم لم ينكسروا تحت قوات إروين روميل، القائد الميداني لألمانيا. لكن كان يمكن الاستيلاء على الاسكندرية والقاهرة والقناة في حال زادت ألمانيا من قواتها. كما كان يمكن لضربة شمالية نحو تركيا أن تُقحم الأتراك في الحرب. كما كان يمكن لها أن تقنع الإسبان لاسترجاع جبل طارق. كما كان يمكن لها أن تجبر البريطان على طلب السلام. (قد تبدو هذه الاحتمالات مجرد تكهنات، ولكن أعتقد أن إمكانية واحدة من هذه الاحتمالات كانت عالية جدًا).

كان يمكن لإعادة تويجه الموارد الألمانية أن يغير مجرى الواقع. ففي تلك اللحظة، كان للتوجه نحو باكو من الجنوب الغربي، مع موجة عبر جنوب روسيا، أن يقطع مورد النفط السوفيتي ويوقف الإنتاج الصناعي هناك. بكلمات أخرى، لم تكن أفريقيا الشمالية هي المفتاح الوحيد لهزيمة بريطانيا في الحرب، بل عنصرًا أساسيًا في إخضاع السوفييت. كان الفشل في فهم أهمية قناة السويس في الخارطة الاستراتيجية الأكبر، وتركيز الجهود على القاعدة الصناعية السويفيتي، هو سبب خسارة ألمانيا للحرب.

الضعف الاستخباراتي

لماذا لم يتمكن هتلر من رؤية ذلك؟ كان يفتقد للمعلومات الاستخباراتية حول السوفييت وصُدِم بحجم الاحتياطيات التي ينتجونها. كما لم يكن يمتلك معلومات استخباراتية عن بريطانيا. فقد ظن أنه سيطاح وينستون تشرشل إذا لم يحقق السلام. ربما حصل على معلومات استخباراتية مغلوطة، أو أساء فهم معلومات صحيحة، أو أنه لم يحصل على أي معلومات تفيد في إعلان الحرب. والمثير للاهتمام أن مسؤول الاستخبارات الشرقية الخاص به، رينهارد غيلين، انقلب للعمل مع الأميركان مباشرةً بعد الحرب بينما كان السوفييت يوحدون سيطرتهم في الشرق.

لم يتمكن رومل من الوصول لقناة السويس لأسباب لوجستية. فأقصى موضع شرقي وصل إليه في مدينة طبرق في ليبيا كانت تصبح الموارد فيه محدودة. وأبعد نقطة وصلت لها بريطانيا هي الاسكندرية كانت الموارد فيها محدودةً أيضًا. كان يستحيل فوز أي من الطرفين، ولكن كان لدى هتلر فرصة لإعادة صياغة استراتيجيته.

ولكن انتهت الفرصة في ٨ تشرين الثاني/ نوفمبر، أي بعد ٤ أيام من هيزمة رومل على يد القائد البريطاني برنارد مونغوميري وإجباره على الانسحاب. غزت الولايات المتحدة أفريقيا الشمالية في عملية تورتش، واستولت على المغرب، ومرت عبر جبل طارق مساءً لتحط على الجزائر وتنخرط مع القوات الفرنسية الموالية لفيتشي. بينت هذه المعركة عدم وجود أي مستقبل في شمالي أفريقيا.

خلال ذلك، حدثت معركة ستالينغراد، ودُمِّرت مساعي هتلر للاستيلاء على باكو من الشمال. ولم يكن لديه الكثير من الوقت للقلق على جوهر الأزمة، أي في قناة السويس. وظفت الولايات المتحدة الغزو لتدريب قواتها على الحرب، واستفاد رومل من معركة كاسيراين باس في تونس. ولكن انتهت الحرب في أفريقيا الشمالية. وانتهت ألمانيا النازية، وإن كان قد بقي منها الكثير قبل انتهاء الحرب.

في حال تمكن رومل من الوصول إلى القاهرة وقناة السويس، لكان التاريخ قد أخذ مسارًا مختلفًا، ولكنه لم يصل. كانت العلمين، وهو موقع تعيس يغطي مساحة ٥٠ ميل بين البحر والصحراء الطويلة، هي آخر لحظة شنت فيها بريطانيا حملةً كبيرة لوحدها في تلك الحرب أو أي حرب أخرى. ومنذ ذلك، قاتل البريطانيون مع الأميركيين وكانوا تحت إمرتهم في العديد من الحالات. وشاخت مستعمراتهم السابقة، وذابت إمبراطوريتهم.

كانت العلمين هي آخر انتصارات بريطانيا كدولة قادرة على إعلان الحرب بنفسها، وكانت آخر أعظم انتصار. ولكن من دون عملية تورتش، وقرارات هتلر الضعيفة، لانتهت الأمور على نحو سيء.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018