كيف يصبح شكل العالم في حال استلمت النساء المراكز القيادية؟

كيف يصبح شكل العالم في حال استلمت النساء المراكز القيادية؟
(أ ف ب)

(ترجمة: عرب 48)

خلال بدايات الحرب العالمية الأولى، ووسط الشوفوينية الحارقة البريطانية، قالت الشاعرة دوروثيا هولينز من اتحاد العمال النسائي أن ١٠٠٠ امراًة من "قوات حاملي السلام النسائية" غير المسلحة جابت أوروبا "وسط النار" وأدخلت نفسها بين الجيوش المتحاربة في الخنادق. لم يتجسد التصور العام الذي طرحته هولينز، ولم يتجلى في أي مكان، فقد تشكلت في قرن كان يتسند ناشطوه على الحب الأمومي. أو كما كتبت رفيقتها وناشطة السلام هيلينا سوانويك: كان الخوف المشترك هو أنه في الحرب "تموت النساء، ويرون أطفالهم وهم يموتون، ولكن ما من مجد هناك، لا شيء سوى الرعب والعار".

ساعدت سوانويك في إنشاء الاتحاد النسائي الدولي للسلام والحرية، وهي منظمة تكرس جهودها لإخماد أسباب الحروب. وكانت تأمل أن يتشكل "عالمٌ لا يحتوى على جندي واحد في المستقبل البعيد". يعتقد الكثير من الناشطين أنه لو امتلكت النساء السلطة السياسية، فلن يسعوا للحرب. ولكن هل هذا صحيح؟ هل تتغير حوادث العنف عندما تصبح النساء في موقع الزعامة، أو عند صعود تمثيلهم في البرلمان؟ وبأي معنى ترعى فيه النساء الحروب؟

إذا طرحت هذا السؤال بصوت عالي، فلن تمر دقيقة قبل أن تسمع أحداً يقول "مارغريت تاتشر"، رئيس الوزراء البريطانية التي شنت حرباً كبيرة في جزر الفوكلاند والتي أدت إلى تصدرها في انتخابات عام ١٩٨٣. وليست تاشتر هي الزعيمة الوحيدة التي احتفت بإثارتها للحروب. خذ بوديكا مثلاً، ملكة قبيلة آيسيناي شرقي إنجلترا، التي تزعمت ثورة شعبية ضد الغزاة الرومان؛ أو لاكشمي باي، ملكة جانشي وزعيمة التمرد الهندي لعامي ١٨٥٧ و١٨٥٨ ضد البريطان؛ أو حتى إيميلاين بينكرست، التي قادت المطالبات بحق الاقتراع للمرأة البريطانية في حملة نضالية من إضرابات الطعام وإشعال الحرائق وكسر النوافذ، والتي أصبحت بعد ذلك في عام ١٩١٤ من كبار الداعمين لدخول بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.

ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه الأمثلة فقط لأن الزعيمات النساء كن نادرات عبر التاريخ. فبين عامي ١٩٥٠ و٢٠٠٤، وبحسب بيانات جمعتها كاثرين فيليبس، أستاذة القيادة والأخلاقيات في كلية كولومبيا للأعمال، كان ٤٨ من الزعماء الوطنيين عبر ١٨٨ دولة – أي أقل بـ ٤٪ من كل الزعماء – من النساء، وهم عبارة عن ١٨ رئيسة و٣٠ رئيسة وزراء. امتلكت دولتان، وهما الإكوادور ومدغشقر، زعيمات سياسيات، ولم يعملن لأكثر من يومين حتى تم استبدالهم برجال.

لكن نظراً لصِغَر حجم العينة، فهل من المنطقي القول أن النساء يكونون أكثر أو أقل ميلاً لإعلان الحرب في حال امتلكن السلطة؟ لا تعتقد المتخصصة في الأنثروبولجيا الطبية كاثرين بانتر بريك بذلك، وهي التي تدير برنامج الصراع والمرونة والصحة في مركز ماكميلان للدراسات الدولية والمناطقية في جامعة ييل. وأخبرتني أن هذه عبارة عن "صورة نمطية جنسانية، وتفترض أن القيادة شيءٌ غير معقد وبسيط". ربما استلهمت من بعض المفكرين مثل ستفيان بينكر، فقد كتب في دراسته عن العنف عبر التاريخ في كتاب "الملائكة في طبيعتنا" (٢٠١١): "لطالما كان النساء، وسيصبحن، قوة إصلاحية". تقول ماري كاريولي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا دولوث أن هذا الاستدلال لا يقوم دائماً على الواقع، فبالتعاون مع مارك بوير من جامعة كونيكتيكوت، عدَّدّت كاريولي ١٠ أزمات عسكرية في القرن العشرين انخرطت فيها أربعة زعيمات (سبعة منها تزعمتها غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية بين عام ١٩٦٩ و١٩٧٤). وقالوا أنه من أجل تقييم سلوك الزعيمات النساء خلال الأزمات، فإننا نحتاج لعينة أكبر، وهو "ما لا يقدمه لنا التاريخ".

درست أويندريلا ديوب، أستاذة دراسات الصراعات الدولية في جامعة شيكاغو، وس. ب. هاريش من جامعة نيويورك، أربعة قرون من الملوك والملكات الأوروبيين. ففي ورقتهم التي لم تُنشر بعد، درسوا ممالك ١٩٣ ملكاً في ١٨ نظاماً سياسياً أوروبياً، أو وحدات سياسية، بين عامي ١٤٨٠ و١٩١٣. وبالرغم من كون ١٨٪ فقط من الملوك نساءً – مما يقلل من قابلية تحليلهم الإحصائي للتعميم – وجدوا أن الأنظمة السياسية التي حُكِمَت من قِبَل النساء كانت أميل في الإنخراط بالصراعات الداخلية من الرجال بنسبة ٢٧٪. كما كانت الملكات غير المتزوجات أكثر ميلاً للانخراط في الحرب التي تشنها دولها، ربما لأنه كان يُنظَر لهن كنساءٍ ضعيفات.

وبحسب كابريولي، فيبدو أن الخوف من الظهور بمظهر الضعف لدى الزعيمات اليوم يتسبب بجعلهن يمارسون تعويضاً لذلك في التشديد على قضايا الأمن والدفاع. حيث تشير إلى أن النساء اللواتي تضاهين الرجال، مثل تارتشر ومير ورئيسة وزراء الهند إدنريا غاندي (١٩٨٠-١٩٨٤) – والتي ادعت أنها "بشر ثنائي الجنس"، لا برجل ولا امرأة – كانوا أميل للنجاح في الزعامة السياسية. كما ينبغي أن يصارعن الصور النمطية السلبية من الخصوم الذكور، فعلى سبيل المثال، قال يحيى خان، الرئيس السابق لباكستان (١٩٦٩- ١٩٧١) أنه كان سيستجيب بعنف أقل اتجاه إندريا غاندي خلال الحرب الهندية الباكستانية عام ١٩٧١ في حال كان يحكم الهند زعيمٌ ذكر، حيث قال: "إذا كانت تعتقد هذه المرأة أنها تستطيع إخضاعي، فإنني أرفض الانصياع".

وجد ديوب وهاريش أن النساء كن أكثر ميلاً للعدوانية إذا ما كن يتقاسمن السلطة مع زوج، كما في حالة إيزابيلا الأولى وفيرديناند الخامس، اللذان حكما مملكة ليون وقشتالة بين عامي ١٤٧٤ و١٥٠٤. أحد الاستثائنات على ذلك هي كاثرين العظيمة، التي أصبحت إمبراطورة روسيا في عام ١٧٦٢ بعد اغتيال زوجها بيتر الثالث، والتي توسعت حملاتها العسكرية خارج حدود روسيا بحوالي ٥٢٠٠٠٠ كيلو متر مربع، لتدمج القرم وجزءٍ كبيرٍ من بولندا.

كي تقود المرأة، ينبغي أن تبدأ بالانخراط في السياسة، كالترشح للرئاسة أو البرلمان، وقيادة الحملات، أو تنظيم دخول النساء في الرئاسة. في عام ٢٠١٧، كان المعدل العالمي لحصة المرأة في البرلمان هي ٢٣,٣٪، وهي أكثر بـ ٦,٥٪ من العقد الماضي. وهذه إضافة نوعية، حيث تظهر بيانات كابريولي أنه مع تزايد عدد النساء في البرلمان بنسبة ٥٪، تقل فرصة استخدام الدولة للعنف خمسة مرات عندما تواجه أزمة دولية (ربما لأن النساء يملن أكثر لتوظيف "توجه جماعي أو استرضائي" لحل الصراعات).

كما تميل الدول أكثر نحو تحقيق حالة سلام بعد الصراع عندما تدخل النساء في طاولة المفاوضات. وبالرغم من قلة عدد النساء المنخرطين في مباحثات السلام (وجدت دراسة عن الأمم المتحدة أن ٢,٤٪ فقط من المتوسطين و٩٪ من المفاوضين هم نساء، و٤٪ فقط من الموقعين على ٣١ عملية صنع سلام)، فإن إدخال النساء يمكن أن يحدث تأثيراً عميقاً. كما تزداد احتمالية استمرارية السلام، ففي تحليل أجرته مؤسسة الأمن الشامل الأميركية غير الربحية لـ ١٨٢ اتفاقية سلام موقعة بين عامي ١٩٨٩ و٢٠١١، وجدت أن الاتفاقية تميل للاستمرار بنسبة ٣٥٪ أكثر لمدة ١٥ سنة على الأقل في حال دخلت النساء كمفاوِضات أو وسيطات أو موقعات.

تنجح النساء كوسيطات ومفاوضات بسبب الميزات التي يُنظر لها تقليدياً باعتبارها أنثوية أو أمومية. في إيرلندا الشمالية والصومال وجنوب أفريقيا، حصلت النساء المشاركات في عمليات السلام على سمعة احتضان الحوار والتفاعل مع جميع الأطرف. كما يُنظر لهن عادةً كبناةٍ للثقة وأكثر موثوقية وأقل تهديداً، لأنهم يتصرفون من خارج بنى السلطة الرسمية. ولكن وبالرغم من نظرة النعومة والمرونة الموجهة للأنثى، عادةً ما يتصرفون بعكس ذلك تماماً. ففي عام ٢٠٠٣، قادت ناشطة السلام اللايبيرية ليما غبوي ائتلاف مكون من آلاف النساء المسلمات والمسيحيات في اعتصامات وصلوات وحملات صوم ساهمت في إنهاء الحرب الأهلية العنيفة في البلاد التي دامت لـ ١٤ سنة. وتحت لقب "محاربة السلام"، حصلت غبوي على جائزة نوبل للسلام في عام ٢٠١١.

إن مصطلحات مثل محارب وأسلحة وثورة تستخدم عادةً مع المجموعات التي تحارب من أجل السلام، والتي حافظت النساء فيها على حضور جيد، وذلك بحسب الأمم المتحدة. ففي إسرائيل، تنظم منظمة السلام النسائية اعتصامات للضغط على الحكومة للمضي في اتفاقية سلام مستدامة. وفي الأرجنتين، "ثوَّرت" حركة أمهات بلازا دي مايو فكرة الأمومة عبر الاحتجاج على اختفاء أطفالهن خلال "الحرب النتنة" الأرجنتينية بين عامي ١٩٧٧ و١٩٨٣، وحولت مفهوم الأمومة من دوره الإيجابي إلى شكل من القوة الشعبية.

إن تحويل المفاهيم التقليدية عن الأنوثة إلى أسلحة كان عنصراً قوياً أيضاً في مخيم السلام النسائي الذي دام لعقد كامل في غرينهام كومون في المملكة المتحدة. فابتداءً من عام ١٩٨١ باعتصام ضد جلب ٩٦ صواريخ تومهاوك لقاعدة عسكرية جوية أميركية في بيركشاير، التفت النساء حول القاعدة العسكرية وقطعوا سياجها، وتسلقوا الحاجز مرتدين زي دمية دب، وعلقوا ملابس ووزجاجات وعضاضات وحفاظات أطفال وصور عائلية على الأسلاك الشائكة. لم تكن معركتهم أقل نضالية من حروب تاتشر على الفولكلاند، ولكنها وسمت النساء بـ"الغرابة".

يبدو أنه سواءً أقاتلت النساء من أجل السلام أو الحرب، فإنهن يقاتلن ضد الافتراض القائل أنهن غير فعالات أو ضعيفات أو غير طبيعيات. يبين لنا التاريخ أن هذا ليس صحيحاً، وأنه قد يصبحن قاسيات بلا هوادة، مثل حالة إيزابيلا الأولى وفيرديناند الخامس، فلم يقم هذان الشريكان بقيادة الغزو الاسباني لمملكة غرناطة الإسبانية في عام ١٤٩٢ وطرد اليهود والمسلمين فحسب، بل عذبوا كل من بقي وحولوهم إلى المسيحية، وقد حرقوهم حتى الموت في بعض الحالات.

فهم ليسوا مسالمين دائماً كما يشير التاريخ، فأونغ سان سو تشي، الزعيمة الحالية لميانمار وصاحبة جائزة نوبل للسلام في عام ١٩٩١ لـ"صراعها السلمي للديمقراطية وحقوق الإنسان"، أصبحت مدانةً اليوم لفشلها في التنديد ضد جيش البلاد بسبب حملة التطهير العرقي ضد سكان الروهينغا المضطهدين، وهم الأقلية المسلمة في ولاية راخين شمالي ميانمار. وبحسب هيومان رايتس ووتش، هرب أكثر من ٤٠٠٠٠٠ مسلم روهينغي عبر الحدود لبنغلاديش منذ ٢٥ أغسطس من عام ٢٠١٧ هرباً من حرائق ووحشية واغتصابات الجيش.

وكما تشير كابريولي: "يمكن للزعيمات أن يكن قويات عند الانخراط في الظروف الدولية العنيفة والعدوانية والخطيرة". ولكن يمكن أن يكن عدوانيات في إحداث السلام أيضاً. إنها صورة نمطية تصرف صورة النساء كمسالمات بالأصل. وكما كتبت سوانويك في "مستقبل الحراك النسائي" (١٩١٣): "أتمنى أن أنكر هذا النوع من الافتراضات... في نقاشات النسويات اليوم"، وهو "الافتراض القائل إن الرجال كانوا بربريين يحبون القوة المادية، وأن النساء وحدهن اللواتي كن متحضرات وحضاريات، فما من دلالات تدعم ذلك في الأدب أو التاريخ".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018