الأنماط الموسيقية والدماغ: تفاعل مستمر

الأنماط الموسيقية والدماغ: تفاعل مستمر
Pink Floyd - Games for May 1967

 

هل يمكن أن تُفسَّر الخيارات الموسيقية عن طريق الاختلافات في الدماغ؟ بدأ فريقي البحثي في جامعة كامبردج قبل سنتين بالبحث في هذه المساحة من خلال دراسات عبر الإنترنت ونشروا نتائج تشير إلى أن الخيارات الموسيقية ترتبط بثلاثة أنماط واسعة من التفكير، والتي يشار إليها أيضًا بـ "أنماط الدماغ". حيث يمتلك المتعاطفون (النمط E) اهتمامًا قويًا في أفكار الناس وعواطفهم. بينما يمتلك المنظَّمون (النمط S) اهتمامًا قويًا في الأنماط والأنظمة والقوانين التي تحكم العالم. أما الذين يحققون نتيجة متساويةً نسبيًا في التعاطف والتنظيم يصنفون بـ "المتوازنين" (النمط B).

وجدت دراستنا التي أجريناها على أكثر من 4000 مشارك أن المتعاطفين يفضِّلون الموسيقى الناعمة التي تمتلك القليل من الطاقة، وتمتلئ بالمشاعر الحزينة والعواطف العميقة، كالتي نسمعها في موسيقى الإيقاع والبلوز (R&B) والروك الخفيف (soft rock) والموسيقى التي يكتبها مغنوها. فعلى سبيل المثال، ارتبط النمط المتعاطف بخيارات مثل أغنية "تعال معي للبعيد" (Come Away With Me) لنورا جونز وتسجيلات جيف بيكلي لأغنية "هالولياه" (Hallelujah). من جهةٍ أخرى، كان اهتمام المنظَّمين على العكس من ذلك تمامًا في خياراتهم الموسيقية، فهم يفضلون الموسيقى الأكثر كثافة، مثل الروك الثقيل (Hard Rock) والبانك (punk) والميتال الثقيل (heavy metal). كما يفضلون الموسيقى التي تمتلك عمقًا ثقافيًا ودرجة من التعقيد كما هو في الموسيقى الكلاسيكية الطليعية. فعلى سبيل المثال، ارتبط المنظمون بتفضيلهم لأغنية "Etude opus 65 no 3" لألكسندرا سكريابين. والأهم من ذلك، كان يميل النمط B إلى تفضيل أنواع موسيقية أوسع من نمطي التفكير الآخرين. يمكنك مشاهدة مقابلة حول دراستنا مع إليزابيث كوين من قناة الـ CNN من هذا الرابط: http://edition.cnn.com/2016/03/31/health/what-music-reveals-about-personality/index.html

بالرغم من أن نتائج دراستنا قد بينت وجود اختلاف في الخيارات الموسيقية عبر أنماط التفكير، إلى أننا لم نُجري مشاهدات عصبية بيولوجية (مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي) حول إمكانية تفسير الأذواق الموسيقية عبر الاختلافات في الدماغ. ولكن، هناك العديد من الاحتمالات المفترضة التي تزودنا ببعض الأدلة حول البعد البيولوجي الذي يقف وراء حبنا لهذا النوع من الموسيقى ولماذا توصلنا إلى هذا النوع من النتائج الذي عرضناها قبل قليل.

يمتلك ديفيد هورن، الأستاذ في جامعة ولاية أوهايو، فرضية حول الكيفية التي يستمتع بها بعض الناس بالموسيقى الحزينة ويجدونها أمرًا ممتعًا. حيث يشير أنه بالنسبة لبعض الناس، يتم إفراز هرمون البرولاكتين عند الاستماع للموسيقى الحزينة. يعد البرولاكتين هرمونًا بيبتايديًا يتم إفرازه تحديدًا من الغدة النخامية، ولكنه يتشكل أيضًا داخل النظام العصبي المركزي. يُنتج البرولاكتين شعورًا بالطمأنينة والهدوء والمواساة، حيث يُفرز في الدموع "النفسية" لكل من السعادة والحزن (ولكن ليس عند استنشاق البصل!)، وخلال الرعاية وبعد الممارسة الجنسية وعند الشعور بالتعاطف مع شخص حزين. يقول هرون أن الأصوات الصادرة عن الموسيقى الحزينة "تحاكي" ما يصدر عن أي خطاب حزين. "فمن خلال الاستجابة التعاطفية" تستطيع هذه الإشارات الموسيقية أن تثير شعور الحنين أو الحزن عندما ترسل إشارة إلى البرولاكتين ليتم إفرازه، ويصنع البرولاكتين تأثيرًا مواسيًا ومهدئًا. هذه إحدى الفرضيات التي تحاول تفسير لماذا يقول الأشخاص الذين يشعرون بدرجة عالية من التعاطف أنهم يشعرون بـ "الدفء" عند سماع الموسيقى التي تميل للنعومة والحزن. وبالنسبة للأشخاص الذين لا يشعرون بالمتعة عن الاستماع للموسيقى الحزينة، فقد يكون السبب هو قلة إفراز البرولاكتين عند الاستماع للموسيقى الحزينة. هذه مجرد فرضية، ونحن نحتاج للمزيد من الأبحاث لاختبار الدليل على فرضية هورن.

وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان البرولاكتين هو الهرمون المهم الوحيد أو ما إذا كان هناك هرمونات أخرى، مثل الأوكسيتوكين، تلعب دورًا في تفضيل الموسيقى الناعمة والحزينة. يعد الأوكسيتوكين بيتيد عصبي يُنتج في الغدة النخامية، وتبين أنه يُفرز خلال الولادة والجنس وينخرط في الروابط الاجتماعية. أظهرت دراسة ليلريكا نيلسون، أستاذة التمريض في جامعة أوريبرو، أن المرضى الذين يعالجون من جراحة القلب المفتوح تزداد عندهم إفرازات الأوكسيتوكين في حال استمعوا لموسيقى "مهدئة" التي توصف بأنها ناعمة وحالمة وذات إيقاع بطيء وصوت منخفض. وهناك فرضية أخرى تنبع من نتائج نيلسون وهي أن الاستماع للموسيقى الناعمة والمهدئة قد يزيد من هرمون الأوكسيتوكين أكثر من الاستماع للموسيقى الكثيفة. ومرة أخرى، لا يوجد دليل مباشر يظهر وجود روابط بين الخيارات الموسيقية والبرولاكتين أو الأوكسيتوكين، وهو موضوع نحتاج لاستكشافه في الأبحاث القادمة.

لماذا يكون النمط E (المتعاطفون) أكثر عرضة لإفراز البرولاكتين عند الاستماع للموسيقى الحزينة والناعمة؟ هناك دليل عصبي بيولوجي يشير إلى أن الذكور من النمط E يمتلكون منطقة تحت مهاد أوسع في الدماغ، وهذه هي المنطقة التي تنظم إفراز البرولاكتين من الغدة النخامية. لم يتم اختبار الدراسة بعد على الإناث، ولكن قد يفترض أحدهم أن الأفراد من النمط E (المتعاطفون) قد يفضلون الموسيقى الناعمة والحزينة بشكل أكبر لأنهم يمتلكون منطقة تحت مهاد أوسع في الدماغ.

لماذا يميل النمط S (المنظَّمون) لتفضيل الموسيقى النخبوية المعقدة مثل الموسيقى الكلاسيكية الطليعية؟ هناك دليل من بيولوجية عصبية يؤكد على أن حجم المادة الرمادية في المنطقة الحزامية والظهرية من وسط الفص الجبهي أكبر عند الذكور الأميل للنمط المنظم. تدخل هذه المساحات في العمليات المرتبطة بالتحكم بالإدراك والمتابعة ورصد الخطأ. افترض فريقنا أن المساحات الأكثر تحليلية من الدماغ مثل هذه المناطق قد تكون مرتبطة بتفضيل الموسيقى المعقدة. فقد تطرح الموسيقى الأكثر نخبوية تحديات فكرية وتحليلية للمنظمين. هذه مجرد فرضية مرة أخرى، وتحتاج لأن يتم اختبارها بصرامة في الأبحاث القادمة.

لا زالت الأبحاث في علاقة الخيارات الموسيقية بالدماغ في طور الولادة، ولكننا نأمل أن تقود هذه النتائج والافتراضات الأولية إلى نقاشات مستقبلية ودراسات بيولوجية عصبية حول الاختلافات في بنية ونشاط الدماغ التي تفسر الاختلافات في الخيارات الموسيقية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018