هل ثمة تحالف صيني روسي في طريقه للبروز؟

هل ثمة تحالف صيني روسي في طريقه للبروز؟
(أ ف ب)

(ترجمة: عرب 48)

أجرت الصين وروسيا تدريبات عسكرية مشتركة لمدة 6 أيام خلال الأسبوع الماضي. تضمنت هذه التدريبات صواريخ بالستية والكروز لكلتا البلدين. رفضت وزارة الدفاع الصينية تحديد الدولة التي مثلت دور العدو في التدريبات، ولكن لا يصعب استنتاج أنها كانت الولايات المتحدة.

بعد بضعة أيام من التدريب، نشرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الخاصة بها. تحتوي الوثيقة على 68 صفحة، ولكن تم اقتباس مقطع من أحد أسطر الصفحة الثانية عبر الوسائل الإعلامية: "الصين وروسيا تتحديان قوة وتأثير مصالح أمريكا". ترفع هذه التطورات السؤال نفسه: هل ثمة تحالف صيني روسي في طريقه للبروز؟

لقد تصاعد التعاون العسكري بين روسيا والصين خلال السنوات الأخيرة. كان الاتجاهان الأساسيان في هذا التعاون هما شراء الأسلحة والتدريبات العسكرية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الباردة، كانت الصين الزبون الأكبر والأكثر ثباتًا في قطاع تصنيع الأسلحة. فقد كانت آخر مكاسب الصين من روسيا هو نظام الدفاع الصاروخي أرض جو س-400، وستصل لكين في عام 2018، حيث يصل نظام الصواريخ الأرض جو الصيني الحالي لحوالي 185 ميل فقط (300 كم)، بينما تستطيع أنظمة س-400 الوصول لمدى 250 ميل. هذا سيضع كافة أرجاء تايوان ضمن مدى نظام الصواريخ الصينية الجديدة وستوسع مدى الصين نحو بحري الصين الجنوبي والشرقي.

كما رفعت الصين وروسيا من عدد وتعقيد التدريبات العسكرية المشتركة. كان أول تدريب مشترك في عام 2003، ومنذ ذلك الحين، عقدت كلتا البلدين حوالي 30 تدريبًا عسكريًا مشتركًا. كانت آخر هذه التدريبات، والتي اختبرت مدى القدرة على الهجوم من قوة جوية متقدمة، من أجل عرض وتوسيع الإمكانيات التقنية. يمكن قول الشيء نفسه عن التدريبات الروسية الصينية التي عقدت بحر اليابان في شهر أيلول/ سبتمبر. حيث أصرت الوكالة الإخبارية الرسمية الصينية إكسنو على أن التدريبات لم تكن مرتبطة بكوريا الشمالية، ولكن بحكم الوقت والمكان، يصبح هذا الادعاء موضع شك. كما يشير تزامن هذه التدريبات مع تدريبات أخرى أمريكية يابانية كورية جنوبية كدليل إضافي على الطبيعة السياسية لهذه الممارسات.

تحالفٌ سطحي

يرى العديد من المراقبين هذه التطورات كإشارات لتحالف روسي صيني ناشئ، وتريد كلًا من روسيا والصين أن يعتقد المراقبون بذلك. خذ تدريبات مقاومة الصواريخ الأخيرة على سبيل المثال، أشار السفير الروسي في الصين إلى نقطة للصحفيين الروس الأسبوع الماضي وهي أن التدريب كان مثالًا على "تعاون عسكري يتطور بنشاط". واختيرت المادة التي عرضت ملاحظات السفير، والتي أذيعت على الإعلام الروسي، ونُشِرَت بشكل حرفي على الموقع الإخباري العسكري الوحيد الذي يذاع بالإنجليزية لجيش التحرير الشعبي الصيني. ولكن وبصراحة، يصعب أخذ المادة بجدية. فبعد الاقتباسات المتصدرة، تضع القصة المساحات التي ازداد فيها التعاون الصيني الروسي وهي: "الطب العسكري، الموسيقي العسكرية، والأوركسترا العسكرية".

إن التعاون العسكري، حتى مع وجود أمور مؤثرة مثل ترتيبات الأوركسترا العسكرية، لا تضمن، أو حتى تتضمن على، تحالف بين دولتين. فالتحالف يعبر عن علاقة تجاذب حقيقي، فعندما تعقد دولتان تحالفًا فيما بينها، فإن هذا يعني وجود مصالح مشتركة. وبمعنى عملي، يعني هذا أنهم سيضعون جانبًا الأمور الصغيرة ونقاط الخلاف بسبب وجود مصالح مشتركة أوسع أكثر أهمية. رأس مال التحالف هو الثقة، وبضاعة التحالف هو الواجب والالتزام. لا ينشأ التحالف بطريقة بسيطة، ولا ينكسر بسهولة، فالتحالفات مبنية على مصالح مشتركة واضحة بين كلا الطرفين، مصالح مهمة بالشكل الكافي إلى درجة أنها تبرر تضحية شعب أحد الدولتين لشعب دولة أخرى عن وجود التهديد.

وهذه ليست الأساسات التي تقوم عليها العلاقات الروسية الصينية، ولا يمكن أن تكون أساسًا لتحالف روسي صيني. وهذا لا يعني أن روسيا والصين لا تمتلكان نوعًا من التعاون، فكلتا الدولتان تغتاظان من مدى وواقع قوة الولايات المتحدة، كما أنهما دولتان تقوم قوتهما على الأرض وحجم القارة التي يمكن أن يتقلص حضورها في الاقتصاد الدولي بفعل القوات البحرية الأمريكية عن نشوب الصراع. إن قوة الولايات المتحدة تلائم بشكل فريد في الحد من طموحات روسيا والصين. فعلى سبيل المثال، الأمر الأساسي الملح بالنسبة لروسيا هو توسيع تأثيرها لتصل لجبال الكاربات، ولكن الولايات المتحدة تقف أمام طموح روسيا في تحقيق ذلك. كما تسعى الصين لغزو تايوان لتحول بحر الصين الجنوبي إلى بحيرة صينية، ولكن الولايات المتحدة تقف في وجها. إن ما تشترك بها روسيا والصين هو العدو، وهذا يعني وجود مستوى معين مفيد من التنسيق.

أسطورة تعدد الأقطاب

عندما يجتمع زعماء روسيا والصين سويةً، فإن إحدى الكلمات الأساسية الرنانة التي يستعملونها لنقاش سياساتهم هي "تعدد الأقطاب" تعد فكرة تعدد الأقطاب تفكيرًا رغبويًا في جزءٍ منها واستراتيجيًا في جزءٍ آخر. منذ سقوط الاتحاد السيوفييتي، عاش العالم في قطب واحد، حيث هناك دولة واحدة تمتلك القدرة على استعراض القوة دوليًا، وهي الولايات المتحدة. وتريد روسيا والصين أن تغير من ذلك، ومن هنا تبدأ الرؤية الصينية الروسية المشتركة، وهو ذاتها النقطة التي تنتهي فيها. تتفق روسيا والصين بأنه لا ينبغي أن تمتلك الولايات المتحدة قوةً عظمى مهيمنة، ولكنهما تمتلكنا تصورات مختلفة جدًا حول ما ينبغي أن يكون عليه الواقع البديل. ترى روسيا البديل في عودة القوة الروسية بحسب نظام الاتحاد السوفيتي، بينما ترى الصين البديل في استعادة ولاية السماء، وهو المنصب الذي اغتصبته القوى الإمبريالية الغربي في القرن التاسع عشر في أقصى مراحل الضعف الصيني. إن قضيتهم لا تتعلق بعالم ذو قطب واحد، فقضيتهم تكمن في أنهم ليسوا المخولين بتحديد مصير الأشياء.

يستعمل كلا الجانبين كلمة تعدد الأقطاب لوصف هذا الاختلاف. ويفضل التركيز الآن على إضعاف الولايات المتحدة ولنفكر في اختلافاتنا في وقت لاحق. ولكن هناك الكثير من الأمور التي ينبغي الإشارة إليها، ففي النهاية، كانت روسيا، من منظور بكين، قوةً استعمارية غربية استغلت ضعف الصين. تعد فلاديفوستوك من أهم المدن في شرقي روسيا، وهي مقر الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، والصين ترى فلاديفوستوك وحوالي الـ 350000 ميل المحيطة بها بأنها أجبرت بالتنازل فيها لروسيا في القرون السابقة. بينما ترى روسيا آسيا الوسطى كجزء من مجال تأثيرها، في حين تعتبر الصين آسيا الوسطى كمساحة جوهرية لخططها في التطوير الداخلي وإيجاد مسارات بديلة لأوروبا حتى تتمكن أجهزتها العسكرية من تحدي الولايات المتحدة.

ومن منظور روسيا، فإن الصين قوة مواجهة لها على المحيط الهادي وتقبع مصالحها الرئيسية خارج مصالح روسيا. لطالما نظرت روسيا إلى الصين باعتبارها تفتقد للحس الاستراتيجي كما هو مفهوم عند الغرب، وتعتقد موسكو أن غياب الاستراتيجية هذا، بالتوازي مع التناقضات الداخلية في الصين، تحد من فعالية الصين خارج مراكزها الثرية على الساحل. ومن منظور الصين، تعتبر روسيا جزءًا من نظام عالمي ماضي تسعى لإعادة ترتيب الواقع لمصلحتها. وقد دام صبر الصين طويلًا، ولم تنسى الصين الإهانات المختلفة التي أجبرت على تحملها، سواءً من دعم الولايات المتحدة لشيانج كاي شيك في الحرب الأهلية الصينية أو لعب روسيا على كافة الأطراف خلال حرب الأفيون الثانية لترسخ مكانها في آسيا على حساب الصين.

لا تثق روسيا والصين ببعضهما البعض، كما أنهم لا يثقون ببعضهم لأنهم يمتلكون مصالح متنوعة. إنهم يعملون جاهدين لتنحية أزمة الثقة المشتركة عن الحضور الإعلامي، عبر التعاون العسكري والاستثمارات الاقتصادية، والعلاقات الودية بين فلاديمير بوتين وشي جنبينع، ووعود تنسيق خطط صينية ضخمة لتوحيد العالم عبر أحزمة وطرق، كل ذلك يظهر للعالم أن الطرفين في حالة ممتازة. ولكن هذه هي العلاقات السياسية على المستوى الظاهري. تتحدى روسيا والصين قوة وأمن ومصالح الولايات المتحدة، ولكنهم يقومون بذلك لمصالح مختلفة تمامًا في نهاية الأمر، وهذا سيؤدي للخراب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018