المشكّكون بالعلم: هل الأرض مسطّحة؟

المشكّكون بالعلم: هل الأرض مسطّحة؟
Nate Kitch/Observer

ترجمة خاصّة لـ"عرب 48"

ليس غريبًا أن ترى تجمّع بعض الأشخاص في قاعة مؤتمرات أحد فنادق وسط مدينة برمنغهام، لكنّ الغريب في هذا المؤتمر، كان النقاش المطروح. فمن بين ما شمله الحوار الذي دار بين المشاركين فيه، كان حقيقة هبوط الإنسان على سطح القمر.

وتساءلت إحدى المشاركات "إن كذبوا علينا في هذه، فبما كذبوا علينا أيضًا؟". طُرحت نقاشات كثيرة في هذه الجلسة التي كانت على شاكلة نقاش مفتوح. أعلنت امرأة في سنوت الـ40 من عمرها أنها "مؤمنة بسطحيّة الأرض"، وصاحَبَتها موجة من التأييد القاطع من المشاركين الذين ضربوا بكل ما تعلموه عن الفلك، سابقًا، عرض الحائط.

ورغم غرابة الموضوع، استطاع قليلون منهم، شرحَ أسباب تواجد مؤامرة "علميّة" لإقناع الناس بعلم الفلك، ولمَ قد يتكبد العلماء كل هذا العناء من أجل خلق دلائل مزيّفة.

دارت هذه النقاشات خلال مؤتمر يُعتبر الأول من نوعه في بريطانيا، وكان تحت عنوان "سطحية الأرض"، امتد على مدار أسبوع كامل وشمل محاضرات ومداخلات وورشات عمل مبنية لتمكين المؤمنين بالنظريات التي تستند إليها نظرية "سطحية الأرض"، ولمنحهم منصّة يستطيعون من خلالها التعبير عن وحدتهم كمجموعة، بالإضافة إلى فتح نقاش مفتوح حول أيمانهم بأن "الأرض ليست كروية، كما نعتقد جميعًا، بل هي عبارة عن جسم مسطح لديه أطراف".

في الصف السابع من مدرج المقاعد الذي تحتوي عليه القاعة، جلس شابان في سنوات العشرينيات من عمرهما، يقلّبان الصوّر التي "من المفترض" أنه تم التقاطها من الفضاء، وعندما تستوقفهما صورة معيّنة يبدآن بالنقاش حولها، وعندما سألهما رجل يجلس بمحاذتهما عمّا يفعلان، أجابا بكلّ وضوح "نبحث عن صور معدّلة في الفوتوشوب".

وأجمع المشاركون الذين تعدى عددهم الـ200 شخصٍ، على أن الإدارة الوطنية الأميركية للملاحة الجوية والفضاء "ناسا"، تحاول دائمًا أن تحافظ على صورتها الذهنية لدى الناس، بالإضافة إلى كونها مصدرًا غير أهل للثقة.

واعتبر المؤمنون بسطحية الأرض "القدماء"، أن غالبية المعلومات المطروحة خلال المؤتمر قديمة، وعمدوا على استخدام "ناسا" في مداخلاتهم، كأداة للسخرية، رافضين تمامًا، اكتشافاتها لكونها "خدعا نخبوية" تتناسب مع إخفاء حقائق عالميٍّ أوسع.

ولكن الأمر اختلف لدى الشبّان الجدد، إذ أنهم ما زالوا غير ملتزمين تمامًا بمعتقد "المجموعة"، وحافظوا على شكوكهم حول صحّة النظرية المطروحة في المؤتمر، وأعربوا عن جهوزيتهم للتخلّي عن أفكارهم السابقة في حال قام المتحدثون بتقديم أدلّة مضادة للعلم "التقليدي".

وعرض أحد الأعضاء "المخضرمين" في المجموعة، بعضًا مما وجده من ادّعاءات "كاذبة" تُطلقها ناسا. فقد وضع أمام الجمع، صورتين اتخذتهما الوكالة الأميركية لكوكب الأرض عبر أقمار صناعية (لا يعترف بوجودها)، وتظهر القارات (المفترضة) بالصورتين بنفس المكان، لكن في الصورة الثالثة تظهر القارات وكأنها "أُزيحت" من أماكنها، الأمر الذي رأى فيه تناقضًا جليًا.

وتتواجد غالبية أساسيات هذه النظرية على موقع الفيديوهات الشهير "يوتيوب"، على شاكلة محاضرات يقوم فيها المقدم بتكذيب العلوم "التقليدية"، ويقدم نظريات موازية لما يراه مؤامرة. وحضر كثيرون من "اليوتيوبيون" هؤلاء إلى المؤتمر.

واقتصرت النظرية عام 2013 على بعض المنظرين الذين تواجدوا في بلاد متعددة وتواصلوا بين بعضهم البعض عبر الإنترنت، لكنهم أصبحوا كثرًا اليوم، ويكاد ألا يمرّ أسبوع واحد دون أن يُطلق أحدهم تفسيرًا جديدًا للنظرية. ويخطط هؤلاء لرحلة بحرية تجمعهم في محاولة لإثبات النظرية في العام القادم.

ولكون نظرية "الأرض المسطحة" ظاهرة انتشرت عبر "يوتيوب"، ولا يتم تدريسها أو دراستها حاليًا في المؤسسات التعليمية الرسمية، يُمكن لنظريات مشابهة أن تظهر في أي وقت ومكان. فمثلًا، تقول إحدى النظريات الداعمة لهذه الفكرة، إن "الأرض مسطحة ومستديرة كعجينة البيتسا" ويُحيطها جدار ثلجي عصيّ على العبور، المتمثل بالقطب الجنوبي، تحميه قبّة ما. بالإضافة إلى أن الأرض كتلة ثابتة وغير قابلة للتحريك، أي أنها لا تسير في الفضاء بسرعات كبيرة، وهي مركز الكون.

ويؤمن هؤلاء بالنظرية رغم أنها تتناقض مع آلاف السنوات من الاستنتاجات العلمية، حتى أنّ أرسطو قد ادعى في عام 350 ق.م أن الأرض كروية، الأمر الذي أكد صحته أرخاميدس وفيتاغورس بعد 100 عام. ويؤمن غالبية البشر اليوم بكروية الأرض منذ الحملة البحرية الإسبانية التي قادها الرّحال ماجلان حول العالم.

ويرى غالبية المعتقدين بـ"سطحية الأرض"، أنهم قد مروا بعملية "صحوة" عبر بحثهم حول "الحقيقة"، ويؤمنون أنّ اكتشافهم لها (لحقيقة)، هو نوع من أنواع الاستبصار الذي لا ينجح بقيّة البشر في استيعابه.

واتفق المشاركون في المؤتمر على المقولة الموحدة، بأن طبيعة الحدث تسمح المجال بوجود أشخاص منفتحين يتقبلون الآراء المختلفة، إذ أنهم يقولون إن إيمانهم هذا يعرّضهم للكثير من الرفض والسخرية في مجتمعاتهم الصغيرة وعلاقتهم الشخصية وحتى عائلاتهم، الأمر الذي يُجبر معظمهم على إخفاء معتقداتهم، ومشاركتها فقط مع هذا "المجتمع" المصّغر.

في عصر يمتلئ بالمعلومات الخاطئة أو بسوء تفسيرها، تبدو رسالة المؤتمر صائبة بعض الشيء، فإنها تقول ببساطة إن "العلم ليس مثاليا". وقال بروفيسور في علم النفس في جامعة "غولدسميث" البريطانية، كريس فرينتش، إنه "من الضروري التشكيك في السلطة لتشكيل ديمقراطية صحية، لكن عليك التحلي بالقدر الكافي من مهارات التفكير النقدي الذي يُمكنك من تقديم الدلائل".

وأضاف فرينتش أنه من الطبيعي "أن بعض الأزمات النفسية يُمكنها أن تؤدي إلى أن يمر هؤلاء (المؤمنون بسطيحة الأرض) بعملية استبصار حادّة". يتوحّد المنظرون بالـ"مؤامرة" في رفضهم لوجهات النظر التقليدية، وفي بعض الأحيان، تنبع التحولات إلى الإيمان بالـ"مؤامرة"، من الحاجة إلى تجربة "اجتماعية" شخصية.

ويقول علماء النفس بشكل عام، إن المنظرين بالـ"مؤامرة"، يشعرون أنهم مميزون، حيث أنهم بإيمانهم هذا، يترفعون عن غالبية المجتمع المخدوع بالكلام المنمّق. وعندما يكوّنون مجتمعًا، يستطيعون من خلاله تدعيم أفكارهم ويُصبح العالم أوضح، بل وفي بعض الأحيان يُصبح مكانًا آمنا.

ويتمثل هذا النوع من الإيمان بإنكار آراء المختصين الذين عملوا لسنوات على إثبات نظرياتهم في الكثير من المجالات، وتتحول الكثير من الأمور بهذا المعنى إلى كذب، فعلى سبيل المثال، قد تتحول التطعيمات الطبية إلى مواد مضرّة، وتُصبح عمليّة التطور كلامًا فارغًا، وتصبح جميع الأخبار، أخبارًا كاذبة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018