هل ستستمر الرأسمالية دون دولة رفاه؟

هل ستستمر الرأسمالية دون دولة رفاه؟
مظاهرة في لندن ضد التقليصات المالية لدولة الرفاه (رويترز، ٢٠١٥)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48" بتصرّف عن موقع The Economist


تَعتبر أساطير اليمين واليسار دولةَ الرفاه تابعةً لمفاهيم الاشتراكية، إلا أن التنظير الفكري لها نتج غالبيته عن الليبرالية. لقد رفض مهندس الشكل البريطاني لهذه الدولة، وليام بيفيردج، استخدام قوّة النظام من أجل تحقيق ذلك، واكتفى بأن توفر المنظومة، بشكل ضمني، الأمان لسكانها حتى تسنح لهم فرصة ممارسة الحياة التي يرغبون بها.

وفيما يعتقد الإصلاحيون الليبراليون أنه عبر "حماية" الناس من مخاطر "التدمير الخلّاق"، فإن دولة الرفاه ستدفع باتجاه الحصول على دعم ديمقراطي لتعزيز الأسواق الحرّة.

وأسس بيفريدج، عام 1942، في تقريره حول التأمين الاجتماعي، الذي كُلف به حكوميا، فكرة دولة الرفاه بعدما تناولها من 5 محاور رئيسية: الصحة والبطالة والجهل والنقص (الاحتياج) والإهمال.

وكانت العقود التي مرّت منذ نشر بيفريدج تقريره الأساسي كفيلة بتغيير طابع دولته المقترحة، فقد انتشرت فكرة دولة الرفاه العصرية، وأصبحت تحتوي على تعقيدات أكبر، بل أنّها أصبحت، في بعض الأحيان، غير مطلوبة. ونتج هذا التحول عن أسباب كثيرة، لكن إحدى المسببات الرئيسية لذلك، كانت ابتعاد دول الرفاه عن المبادئ الليبرالية التي أسستها، والتي يجب التأكيد مجددًا على أهميّتها.

كلما ازدادت ثروة دولة ما، فإنه من المرجح أن ترفع حصة الأمن القومي التي تخصصها في الخدمات والمساعدات العامة. وفي الواقع، ارتفعت مصروفات الدول الغنية على برامج "الحماية الاجتماعية" كتمويل التقاعد وتأمينات البطالة والمساعدات الأخرى، إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت عند معدّل 5% فقط عام 1960. وتتضاعف هذه النسبة تقريبًا عند إضافة التعليم والصحة إليها.

يجب أن تسعى هذه الدول لإتاحة المجال أمام سكّانها، كأفراد، لاتخاذ قرارتهم الخاصة، سواء من خلال دعم الأهالي في الدول الإسكندنافية لمزاولة العمل والتربية، أو منح الحكومة البريطانية ميزانيات شخصية للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ليحددوا مصروفاتهم بأنفسهم، أو في النموذج السنغافوري لتوفير حسابات تعلّم (بنكية) بحيث يتمكن العاطلون عن العمل من اكتساب مهارات جديدة.

نحتاج جميعنا إلى كفاف يومنا

يصارع الكثيرون ممّن يخرجون من سوق العمل أو يعملون في الوظائف المؤقتة والتعاقد الحر والعمل بحسب القطعة، لمواصلة حياتهم بشكل طبيعي.

وفي غالب الأحيان، تأتي مساعدة الفقراء بطرق غير عادلة أو معقدة أو حتى قاسية. ويواجه الأفراد العاطلون عن العمل في بعض الدول الغنية، معدّلات ضريبة دخل قد تصل إلى 80%، عندما يبدؤون العمل في وظيفة ما، بسبب فقدان المساعدات.

ويتطلب إصلاح الرفاه إجراء عمليات تفاضلية، أي مقايضة فائدة ما بضرر "ثانوي"، بين تكلفة البرامج المخصصة للفقراء وبين تأثيراتها على "التحفيز" على العمل. ليس هناك خطّة عمل مثالية. لكن الأساس يكمن في الضريبة السلبية، التي تستطيع الجهات الحكومية من خلالها، تقديم الدعم المالي للأشخاص الذين لا يصل مدخولهم حدّ الربح، في حين تُفرض الضرائب على الذين يصل مدخولهم أعلى من هذا الحد.

ويمكن دمج الضريبة السلبية مع الحد الأدنى للأجور. وتُعتبُر، هذه، إحدى الطرق الناجعة لاستهداف معدلات الفقر مع الحفاظ على تحفيز الناس على العمل، بشرط ألّا تصل معدلات الضريبة إلى نسب خيالية.

مع ذلك، فإن الإصلاح يتطلب تخطي تحديين أساسيين لم يلتفت لهما بيفيردج كثيرًا. الأول هو التقدم في السن، فمن المتوقع أن ترتفع نسبة المتقاعدين التي كانت تبلغ الربع عام 2015 إلى النصف بحلول عام 2050. وكلّما شاخ سكّان الدولّة أكثر، سيتحول إنفاق الرفاه باتجاه منفعة الكبار في السن، أكثر. وتحتاج حكومات دول الرفاه، من أجل التخفيف من عدم المساواة بين الأجيال بحصتهم من الناتج المحلي الإجمالي، إلى خفض امتيازات كبار السن "الثانوية" ورفع سن التقاعد بشكل تدريجي مُبسط.

رفض البائسين

أما التحدّي الثاني الذي تواجهه دول الرفاه اليوم لإصلاح منظوماتها، فهو الهجرة واللجوء. إذ إن "شوفينية الرّفاه" بارتفاع مستمر على امتداد أوروبا، حيث أنها تدعم دولة الرفاه بتقديم إعانات سخية للفقراء الأصلانيينأو حملة جنسيتها، لكن دون دعم المهاجرين واللاجئين.

ويدعي الشعبويون الأوروبيون أن الهجرة "الحرة" من الدول الفقيرة إلى نظيرتها الغنية، سوف تؤدي إلى إفلاس دولة الرفاه. في حين يرى آخرون أن السياسات الليبرالية في استقبال المهاجرين واللاجئين تعتمد على تحديدهم دون منعهم أي بناء جدار عازل في باطن دولة الرفاه، دون الحاجة إلى بناء جدار إسمنتي من حولها.

وتُشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأوروبيين الأصلانيين لا يريدون منع اللاجئين من الدخول الفوري إلى بلادهم والاستفادة من برامج الرعاية الصحية والمدارس لمنفعة أطفالهم، إلّا أن هناك "ضرورة" لوضع قيودعلى المساعدات النقدية.

وكما استنتج بيفيريدج وليبراليون آخرون، فإن أفضل طريقة لتعزيز السوق الحرة، هي منح الناس حصّة منها. ويجب أن تقوم دولة الرفاه الاجتماعي على توفير خدمات أكبر من تقديم الخدمات الأساسية للفقراء والضمان الاجتماعي للكهلة. وتُعتبر هذه الطريقة في غاية الأهمية للمجتمعات الديمقراطية في سعيها للحفاظ على الرأسمالية.