حركتنا الدولية الجديدة ستكافح الفاشية والعولمة

حركتنا الدولية الجديدة ستكافح الفاشية والعولمة
صعود ترامب مثال على صعود الفاشية (نيويورك تايمز)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48":

سوف تتذكر الأجيال القادمة عصرنا، بمسيرة اليمين المتطرف العالمي، والقومية الدولية، التي انبثقت عن بالوعة الرأسمالية النقديّة. وسوف يعتمد تذكر هذا الزمن على التحدي الإنساني التقدمي الناجح لهذا التهديد، باستعداده لتشكيل منظمة تقدمية عالمية متماسكة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى كالهند والمكسيك وجنوب أفريقيا.

يانيس فاروفاكيس (أ ب)

إن مهمتنا ليست أمرا مبتكرا، فلم تصل الفاشية إلى السلطة في فترة ما بين الحربين العالميتين، عن طريق تقديمها وعودا بالعنف أو الحرب أو معكسرات الاحتجاز. بل وصلت إلى السلطة عن طريق مخاطبة الناس الطيبين/الأخيار الذين عوملوا لفترات طويلة كالمواشي التي فقدت قيمتها السوقية، في أعقاب أزمة اقتصادية حادة سببتها الرأسمالية.

وبدل من أن تعامل الفاشية الجماهير على أنهم "بؤساء"، نظرت إليهم في أعينهم ووعدتهم باستعادة كرامتهم، وعرضت عليهم الصداقة، مانحة إياهم الشعور بأنهم ينتمون إلى نموذج أعلى، ما مّكنهم من رؤية أنفسهم بصورة أبهى من كونهم مستهلكين محكومين فحسب.

وكانت جرعات التقدير الذاتي هذه، مصحوبة بتحذيرات حول وجود "غرباء" يتربصون لهم ويهددون أملهم المنُبعث من جديد. وسيطرت سياسة "إما نحن أو هم" على المشهد، بطريقة بيّضت تعريفات الطبقة الاجتماعية وعرّفت الناس من خلال الهويات فقط. وتحول الخوف من خسارة "المكانة" إلى استسهال انتهاك حقوق الإنسان "الغريب المتربص" أولا، ومن ثم حقوق جميع المعارضين. وبعد فترة وجيزة من ذلك، ومع تضاعف سيطرة المؤسسة (الإستبلشمنت) على السياسة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي سببتها الأنظمة ذاتها، انتهى الأمر بتهميش التقدميين، أو سجنهم. وهنا انتهى كل شيء.

أليست هذه الطريقة التي غزا بها دونالد ترامب البيت الأبيض؟ والتي تمثلت بفوزه بالحرب "الخطابية" ضد مؤسسة الحزب الديمقراطي الأميركي؟ ألا تُذكرنا هذه الطريقة بالتقدير المفاجئ الذي منحه المحافظون الذين ساهموا في "بريكسيت"، للخدمات الصحية التي حرموها من التمويل لعقود طويلة؟ أو تبنيهم الحماسي للديمقراطية التي وضعها التوجه "التاتشري" بالمرتبة الثانية بعد منطق القوّة السوقية؟

أليست هذه الأساليب التي اتبعتها حكومات اليمين المتطرف في النمسا وهنغاريا وبولندا، أو حزب "الفجر الذهبي" اليوناني النازي، والتي استخدمها بشكل خاص، ماتيو سالفيني، الرجل القوي الذي يُحرك دفّة الحكومة الإيطالية اليوم؟

في كل زاوية ننظر إليها اليوم، نرى تجليات استحداث الطموح القومي العالمي، الذي لم نشهد مثله منذ ثلاثينيات القرن الماضي. أما بالنسبة للمؤسسات، فهي تتصرف كما لو أنها تتوق إلى إعادة ارتكاب جميع أخطاء جمهورية فايمر ألمانيا.

مع ذلك، كفى تشخيصًا. إن السؤال المُلح في عصرنا الآن: ماذا يجب أن نفعل؟ فالتحالف التكتيكي مع المؤسسات العالمية أصبح أمرًا غير وارد. وفُضحت علاقات كل من توني بلير وهيلاري كلينتون ومؤسسة الديمقراطية في القارة الأوروبية، بالمادية مع الرأسمالية النقديّة سيئة السمعة والأيديولجيا التي تصحبها. وقد اعتمد هؤلاء لعقود طويلة، على شعبوية السوق، وهي الادعاء الكاذب بأن كل إنسان لديه القدرة على تحسين أوضاعه إذا ما خضع لمنظومة الاستغلال التجاري. وأرادونا دائما، أن نؤمن أننا على سلم متحرك لا نهائي، سيأخذنا إلى أقصى درجات الاكتفاء الاستهلاكي، لكن هذا الأمر غير حقيقي ببساطة.

وحطمت أزمة عام 1929 التي حصلت عام 2008 أيضا، هذا الوهم. مع ذلك، استمرت المنظومة (الرأسمالية)، اتباع الوهم بإمكانية إصلاح الأمور عن طريق الدمج ما بين تقشف الأغلبية، والعدالة الاجتماعية لقلة قليلة، واستبداد الجميع. وطوال هذه الفترة، انتقلت القومية العالمية من نصر إلى نصر آخر، مدعومة بغضب الناس المتصاعد.

ويحتاج التقدميون من أجل التصدي لهذه القوى إلى تحديد دقيق لمسببات وطبيعة استياء الناس وتعاستهم، وتسميتها: الحرب الطبقية القوية التي تقوم بها الطبقة السياسية الاقتصادية العالمية ضد ازدهار البيروقراطية، وضد ما تبقى من البروليتارية الغربية، وبشكل أعم، ضد المواطنين الضعفاء.

ومن ثم علينا إثبات أن الطريقة الوحيدة لإعادة سيطرة الأغلبية على حياتنا ومجتمعاتنا ومدننا ودولنا، تكمن بالتنسيق بين نضالاتنا على طول محور جديد لاتفاق بين المؤمنين بالدولية. وفيما لا يُمكننا أن نسمح لرأس المال المالي المُعولم بأن يستمر في تمزيق مجتمعاتنا لأشلاء صغيرة، علينا أن نشرح للناس أن الدول ليست جُزر منفصلة عن بعضها.

وكما يتطلب النضال من أجل تغيير المناخ أفعالا محلية وعالمية، يتطلب الكفاح ضد الفقر والدَين الخاص والمصرفيين الغشاشين، مجهودا مماثل. ومن أجل توضيح أن الرسوم الجمركية ليست أفضل الطرق لحماية عمالنا، انطلاقا من أن جل ما تفعله هو إغناء الأثرياء المحليين المرتبطين بالسياسة، علينا أن نشن حملات للدفع نحو صفقات تجارية تُلزم حكومات الدول الفقيرة على تشريع قوانين لمنح عمالها حد أدنى من الأجور التي تُمكّن العيش الكريم، وضمان التوظيف محليا. وبهذه الطريقة، تنتعش مجتمعات الدول الغنية والفقيرة في آن واحد.

بل يُمكن أن نطمح لأكثر من ذلك، يجب على التقدميين حول العالم، اقتراح اتحاد دولي للمقاصة النقدية كالذي اقترحه جون ماينارد كينيس، في مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944، والذي شمل قوانين ممتازة، لتقييد حركة رأس المال. وعبر إعادة توازن الأجور والتجارة والموارد المالية على نطاق عالمي، ستنحسر الهجرة والبطالة غير الطوعيتين، ما سُينهي الذعر الأخلاقي نحو حريّة الإنسان بالتنقل بحرية حول العالم.

ومن الذي سيعمل على تجميع هذه "التقدمية الأممية" التي نحتاجها بشدة؟ لحسن الحظ، ليس هناك نقص في المبادرين المحتملين: "الثورة السياسية" التي يقوم بها بيرني ساندرز، في الولايات المتحدة، وحزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن، والحركة الديمقراطية في أوروبا " DiEM25"، ورئيس المكسيك المنتخب، والعناصر التقدمية في المؤتمر الوطني الأفريقي، ومختلف الحركات الماكفحة للتصعب والفقر في الهند.

لنبدأ بهذه الحركة اليوم، وسوف يتبعنا المزيد من الناس في اللحظة التي تنتقل الكراهية والغضب إلى الأمل العقلاني.

* يانيس فاروفاكيس هو أكاديمي وبروفيسور يوناني- أسترالي مختص بالاقتصاد، شغل منصب وزير مالية اليونان في العام 2015 عن حزب "ائتلاف اليسار الراديكالي"، وانتخب كعضو في البرلمان اليوناني عام 2015.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018