ماذا الذي تفعله عندما يعتذر لك مُستعمرك؟

ماذا الذي تفعله عندما يعتذر لك مُستعمرك؟
ماكرون اعتذر عن إعدام أودين (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ بِتصرُّف، خاصة بـ"عرب 48":


وُلدت في العام 1970، أي بعد مضي ثماني سنوات على إعلان استقلال الجزائر في 1962، لم أحظَ بتجربة الحرب، لكنّها كانت حيّة في مخيلتي عبر نقاشات أهلي مع أصدقائهم وما رووه لي، ومن خلال المنشآت الرسمية، أيضا، المدرسة والتلفزيون، وفي الأعياد الوطنيّة وخطابات المسؤولين. وكما يشعر كثيرون في عمري، كل ما سمعته أوصلني إلى حد الإشباع ومن ثم الرفض.

عندما كنت طفلا، كانت إحدى الطُرق التي نضحك بها، هي السخرية من ميل المحاربين القدامى إلى التهويل أو اختراع مواقف شجاعة يُفترض أنهم فعلوها في الماضي (الحرب)، من أجل الحصول على امتيازات في الحاضر. وحتى عندما كنا أطفالا في المدرسة، استطعنا تمييز الكذب.

وأكد لنا ذوونا هذا الشعور، فقد أخبرونا عن المقاومين المزيفين، الذين طالبوا بامتيازات تسببت بمظالم كثيرة لبقية الناس، كمنحهم امتياز الإسكان (المجاني)، والتوظيف، والإعفاءات الضريبية، وبرامج ضمان اجتماعي خاصة، وأشياء أخرى.

تسلل إليّ الشعور بالذنب لأنني لم أولد في وقت آخر يسمح لي المشاركة في الحرب. وأُمرت بتبجيل الكبار في السن انطلاقا من فضلهم علينا لمحاربتهم فرنسا. لذا، أتيت من الجيل الذي كانت ذكرى الحرب بالنسبة له مُغلّفة بشكوك كثيرة. كبرنا ونحن على قناعة بأن قصة الحرب لم تعد ملحمة بطولية، بل غدت طريقًا للانتفاع.

واليوم، قرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يُشاركني في عدم معايشتنا الحرب، أن يعترف بحدث مهم، وهو تعذيب وقتل الجيش الفرنسي لموريس أودين، الذي كان شابا فرنسيا شيوعيا، خلال حرب الاستقلال في الجزائر عام 1957.

وكان ماكرون، قبل أن يعترف بذلك، زار الجزائر خلال حملته الانتخابيّة العام الماضي، ووصف الاستعمار الفرنسي بأنه "جريمة ضد الإنسانية". وكان إعلانه هذا دراماتيكيا وغير متوقعٍ، كنت في فرنسا في ذلك الوقت، وسُئلت مرارا وتكرارا عن تصريحه هذا، والذي كان يُعتقد بأنه سوف يُثبط من قوة الـ"مُعجزة" السياسية لماكرون، كرجل عصامي، على الأقل بين الناخبين الذين ينتمون للتيار المحافظ في فرنسا.

لقد صارعت من أجل العثور على شيء صادق لأقوله. أردت أن أحيي الشجاعة في تصريح ماكرون، لكنني لم أكن أريد أن أحاصر نفسي عن طريق لعب دور الشخص الذي تتلخص علاقته بالاستعمار المنتهي، بإعادة تنظيم ذاكرته كمُستَعمَر والندب من أجل الحصول على اعتذار. أردت أن أقدم احترامي للماضي وأن أؤكد على تحرري منه في آن واحد.

والآن، ها أنا أُعُلق على بيان صدر حديثا من الرئيس الفرنسي يعترف من خلاله "باسم الجمهورية الفرنسية، بأن موريس أودين تعرض للتعذيب ثم أعدم أو عذب حتى الموت من قبل الجنود الذين اعتقلوه في منزله". كان أودين مُتخصصا بالرياضيات، قُتل بسبب دعمه لاستقلال الجزائر، وطُمست ذكراه طيلة عقود على الرغم من ضغوط عائلته والمؤرخين.

إن هذا الاعتراف الرسمي، دراماتيكي وشجاع، أيضًا، وربما يُمهّد الطريق أمام إعادة تشخيص فترة تاريخية أنكرتها الجهات الرسمية لعقود طويلة أو نُمّق الحديث عنها. لكن لا يسعني إلا أن أتساءل عما يفديني الاعتراف كجزائري وُلد بعد الحرب؟

إن ما يُهمني وما يشغلني في واقع الجزائر اليوم، هو الحرية الفردية والنظام غير القادر على التغير وارتفاع الإسلامويّة، فإعدام أودين يعود إلى ما قبل الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، والتي كانت لديها حصّتها من استخدام التعذيب والإخفاء القسري والمجازر التي أودت بحياة 150 ألف إنسان.

إضافة إلى أن اعتراف ماكرون هذا، قد يُقوض نضالي من خلال تعزيز التفسير الذي يُناسب فشلنا المتكرر، فبدل أن يُستخدم لإثارة نقاش حول الذاكرة الجزائرية، سوف تتكئ الحكومة مُجددا على هذا الاعتراف، لتُبرر شرعيتها عن طريق توجيه اللوم للاستعمار فحسب.

وفي الواقع، كان رد الفعل هنا فاترًا، فبالنسبة لوزير شؤون المحاربين القدامى، "اعتراف فرنسا بقتل موريس أودين هو خطوة إلى الأمام"، وبعد وقت قصير من تصريحه هذا، أعلن الوزير أنه سيتم إجراء إحصاء لجرد جميع الجرائم التي ارتكبت خلال الاستعمار، بين الأعوام 1830 و1962. نعم، كانت هناك صدمة، لكن الضحية تواصل ترسيخها.

ويسعى ماكرون لتحمّل المسؤولية عن الماضي، فيما تُريد الحكومة الجزائرية الاستمرار في العيش من خلاله.

إذًا، هل هذا يعني أن الاعتراف بالماضي الاستعماري، وتحمّل المسؤولية تجاهه، له نتائج عكسية؟ أتردد في أخذ الموضوع إلى هذا الحد.

تبدو هذه الخطوة ضرورية، خصوصًا في فرنسا، فالحرب هي بمثابة عذر متواصل لبعض أفراد المجتمع الفرنسي الذين تعود أًصولهم أو أتوا من المستعمرات الفرنسية السابقة، لكي ينغلقوا على أنفسهم. ويستخلص الراديكاليون توجههم الانعزالي من الحرب، أيضًا، ليبرّروا رفضهم الاندماج في المجتمع الفرنسي. ويُمكن اعتبار ضائقة ضواحي المدينة (وهي أحياء فقر)، ضائقة الذاكرة الجماعية، أيضًا.

ولذلك، قد يكون الاعتراف بجريمة الاستعمار، طريقة تستخدمها الحكومة الفرنسية من أجل كبح هؤلاء الذين يُريدون التخلص من الماضي عبر إلقاء الزجاجات الحارقة في الحاضر.

لكن ماذا عني أو عنا؟ ماذا يجب أن نفعل نحن الناجون من الاستعمار بعد أن يعتذر لنا المُستعمر السابق؟

بالنسبة لشرائح من الشعب الجزائري، فإن لفتة ماكرون هي محض خدعة، فهو زعيم فرنسي، يُقر بتعذيب وقتل مواطن فرنسي على يد جنود فرنسيين. ويقول البعض إن في هذه القضية كلها، ليس هناك جزائريّون. حتى أن أكبر حزب إسلامي هنا خلص إلى أن تصريح ماكرون كان "تحقيرا للجزائريين".

لكن هذا النقد يُبسط فهم التاريخ بطريقة تُزعجني بشكل خاص، لأنها تضع القومية والدين في مرتبة أعلى من القيم العليا. بالنسبة لي، ماريسون أودين، كان بطلا بسبب تضحيته، بغض النظر عن كونه فرنسيا. إن إعادة رؤية التاريخ الجزائري عبر الاعتماد على الأعراق، يُمكنها أن تؤسس لشكل آخر من أشكال الظلم.

وكرّم الحزب الإسلامي الرئيسي في الجزائر أودين باعتباره بطلًا، "حتى لو كان اسمه موريس"، كما قال زعيمه. لكنّ السلفيين والإسلاميين الذين ليس لديهم تمثيل سياسي مباشر أصروا بدلاً من ذلك على حقيقة أن أودين كان شيوعيا وملحدا. وبالنسبة لهم، كانت حرب التحرير قبل كل شيء حربًا دينية، حيث كان المسلمون في جانب واحد والمستعمرون المسيحيون أو غير المؤمنين في الجهة الأخرى.

وفيما يرى البعض أن لفتة ماكرون ليست كافية، ويجب أن تكون مجرد بداية، أعتقدُ أنها تمثل أكثر من ذلك، فماكرون رئيس فرنسا، وليس رئيسا للجزائر، وإذا كان يأمل في تسوية الخلافات حول هذه الفترة، فمن المنطقي بالنسبة له أن يبدأ بشخص يحظى بإجماع بما في ذلك في الجزائر (باستثناء الراديكاليين). ومع ذلك، قد يستخدم البعض حدود اعترافه للترويج لنسخة دينية وقائمة على الهوية من التاريخ الجزائري.

وأخيرا، تم الاعتراف بأودين كضحية للتعذيب وأن موته كان جريمة. هذا شيء جيد للغاية، لكن إذا كان المُستَعمِرون بحاجة إلى الخروج من الماضي الاستعماري بشرف، فإن المُستَعمَرين السابقين يجب أن يتخطوا الماضي، وأن يتحملوا المسؤولية عن حاضرهم.