قد يتشابه الإرهاب الأبيض بإرهاب "داعش"... لكن الأسباب مختلفة

قد يتشابه الإرهاب الأبيض بإرهاب "داعش"... لكن الأسباب مختلفة
(أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


في 15 آذار/ مارس الجاري، قتل إرهابي يميني أبيض، 50 مسلما في مسجدين في مدينة كرايستشرش في نيوزيلاندا، وقال معظم المعلقين إن هذا الهجوم يتشابه مع العنف الذي ترتكبه تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، والذي انتشر على مدار عقود بشكل مذهل ومتفرق حول العالم.

وبينما يتوق المؤمنون بالفوقية العرقية البيضاء، إلى الموت من أجل قوميتهم، كما يفعل "الجهاديون" من أجل عقيدتهم، فإن المجموعتين توصفا اليوم، بأنهما محض انعكاس لبعضهما البعض من حيث الوحشية والهمجية.

وربما نشهد اليوم ظاهرة أطلق عليها الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرارد، وصف "العنف المُقلد المعدي"، والتي تُستوحى فيها جميع رغباتنا وتصرفاتنا، وخصوصا العنيفة منها، من الآخرين. ويصبح القتل إستراتيجية لإعادة إرساء السلام وتأسيس نظام متخيل تشعر فيه مجموعة القاتل بالانتصار الساحق.

الإرهاب القديم والجديد

مع ذلك، يجب أن نتوخى الحذر حين ننظر إلى التشابهات الأساسية بين أشكال الإرهاب القديم والجديد، في سبيل إرضاء مسعانا إلى تفسير الهجمات التي تبدو متشابهة، لأنها تنبع من مسببات تكاد أن تكون مختلفة تماما.

ويكمن التشابه على نحو أكثر وضوحًا بين الإرهاب القديم والجديد، بالقتل العشوائي الذي تنتهجه جهات غير حكومية تعتمد على الإنترنت لنشر رسائل مؤامراتية تحث على الكراهية والعنف ضد الآخر "المُحتقر". وفي كلا الحالتين، هناك صراع أبدي بين مجموعتي الـ"نحن" والـ"هم"، يستحيل حله إلا بقتل أو تشويه الآخر بغض النظر عن مكان تواجده.

من هجمات الإرهابية على باريس عام 2015 (أرشيفية - رويترز)

وفي هذه الحالة قد تشكل دور العبادة والمدارس ومراكز التسوق ومباني الشركات والكثير غيرها، أهدافًا لأشكال الإرهاب المؤسس على الكراهية على اختلاف تواجهاتها، ويؤمن نوعا الإرهاب برواية تاريخية بسيطة يلعب فيها إيذاء الآخرين دورا أساسيا. حيث يُنظر إلى المسعى للقضاء على الآخر عبر العنف، على أنه خلاص للعقيدة أو العرق أو الدولة.

وتستخدم المجموعتان تقنيات تواصل حديثة كالإنترنت للتجنيد ونشر أيديولوجيتيهما. بل وتوثقان عنفهما الوحشي ضد الأبرياء من أجل إطلاع العالم على طريقة القتل التي تتبعانها والأسباب من ورائها.

لكن المقارنة يجب أن تتوقف عند هذا الحد، وعلينا أن نقاوم رؤية ما حدث في نيوزيلندا كنسخة مطابقة لعنف "القاعدة" أو "داعش"، رغم أن فكرة الإدانة المُبسطة للإرهاب بجميع أشكاله، والعثور على أساسيات مشتركة لهذه الهجمات، قد تكون مغرية.

العودة إلى اللاهوتية

لقد تفشى عنف "القاعدة" أو "داعش"، بعد أن تم استخدام مقاتلين مستقلين لتحقيق أهداف جيوسياسية قصيرة المدى، وعندما انتهى الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، لم تكن هناك إستراتيجية خروج أو برنامج لإعادة تأهيل المقاتلين الذي حاربوا على الأرض، أو سياسة محددة لاحتوائهم.

وتوزع الجهاديون في أنحاء العالم مع عودة الكثير منهم إلى بلدانهم الأصلية متعرضين للنبذ والإقصاء، بعد أن استُخدموا لهدف معيّن ومن ثم زجوا في السجون. لذا، قاموا بالعودة إلى كتبهم اللاهوتية باحثين عن مبررات لجولة جديدة من الإرهاب ضد أولئك الذين خانوهم.

مسجد في كرايستشرش النيوزلندية تعرض لهجوم إرهابي (أ ب)

واستغلوا الظلم الذي شعر به الكثيرون نتيجة قرون من انعدام توازن القوة بين المسلمين والغرب. ووجدوا أرضية خصبة لزراعة بذور الكراهية ضد المعتدي الغربي الذي لم يدخر أي فرصة لمواصلة نهجه التاريخي الطويل بالإذلال والاحتلال والتدمير.

لقد جندوا جهاديين جدد عبر التعهد بإعادة إحياء المجد وبناء الحضارة من جديد. وعمل خطابهم على تقوية الآخرين الذين يشعرون بالذل ذاته. لكن على أرض الواقع، تسبب إرهابهم بأعمال عنف أخرى ضد مجتمعاتهم في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، والأقليات المسلمة في الغرب. لقد هللوا لقتل الكفار، لكن إخوانهم المسلمين دفعوا ثمنا باهظا لأعمال هذه الأقلية العنيفة.

دور الغرب

إذا كانت "القاعدة" هي نتاج ما يُسمى عالميا بـ"المشروع الجهادي" الذي انحرف عن مسلكه بعد أفغانستان، فإنه لا يُمكن فهم عنف "داعش" في سورية والعراق إلا في سياق احتلال العراق عام 2003 والثورة السورية عام 2011.

وحظيت وحشية "داعش" بالمكون الطائفي الإضافي، نتيجة التوترات العرقية والطائفية في كلا البلدين (سورية والعراق) وتدخلات القوى الغربية والعربية بهدف إعادة تشكيل هذه التوترات. واستطاعت "داعش" حشد أقلية، من خلال رفع علم "الخلافة" كرمز للتجنيد يعد باستعادة مجد حقبة ماضية. وأصبح القتل إستراتيجية تضحية بهدف إعادة ابتكار الماضي، بكل عظمته الحضارية وقوته والاحترام الذي فرضه.

ويسعى المؤمنون بفوقية العرق الأبيض إلى المجد ذاته، لكن في سياق خطاب عززه الغرب بنفسه في السنوات الأخيرة. وأصبح الإرهابيون النموذجيون هم الرجال البيض الذين أُحبطت فرص عملهم وطموحاتهم المستقبلية بسبب فقدان السيطرة (في أنظمتهم)، غير أن المسلمين الذين استقروا بينهم لم يكونوا السبب في فقدانهم لهذه الأمور، بل لأن الشركات المحلية خرجت إلى العالم للبحث عن أيدي عاملة رخيصة وإنتاج غير مكلف في الخارج.

ولم يفقدوا ما يسمى بـ"قيم الأسرة المسيحية" أو يستسلموا لضغوطات قبول الإجهاض والتغيرات الاجتماعية الأخرى، بسبب تأييد المسلمين لهذه المبادرات، بل لأن أبناء شعوبهم قاموا بحملات من أجل وضع تعريفات جديدة للذات وللآخرين.

وفي حين أنهم يعتقدون أن نهاية العالم باتت وشيكة، وهي مدفوعة من قبل المسلمين والمهاجرين "الغزاة"، فإن الحقيقة هي أن التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية في الغرب هي ظاهرة منفصلة (عن المسلمين).

تبرير التطهير العرقي

بحسب رواية الإرهابيين المؤمنين بالفوقية العرقية البيضاء، فإن استعادة الأمة البيضاء "النقية"، تحتاج إلى القضاء على جميع المسلمين، إما بشكل حرفي، أو عبر منعهم من بناء منازلهم في الغرب. وهذا بالضبط ما فعله النازيون عندما دفعهم تدهور ثرواتهم إلى قتل ملايين اليهود والمثليين والغجر وآخرين وُصموا بأنهم غير ملائمين للأمة البيضاء.

ولحسن الحظ، فإن المسلمين لم يتقنوا أبدا "فن" معسكرات الإبادة، ولم يمارسوا المحو الكامل لمجموعات دينية (على الرغم من أن "داعش" حاولت باسم نسخة مشوهة ومتطرفة من الإسلام، ارتكاب إبادة جماعية ضد الآيزيديين)، فإن ذلك ابتكار خاص بالغرب، وهو نتاج مباشر للتبريرات العلمية الزائفة التي صنفت الأعراق ووضعتها على مقياس تطوري من "الوحشية" إلى التحضر.

وأدت أبشع تجليات هذه التصنيفات، إلى انقراض سكان أصلانيين في جميع أنحاء العالم، عندما تحولت البعثات "الخيرية"، إلى مهمة "حضارية" تبرر الإمبريالية والاستعمار، واحتُلت أراضي شاسعة تنتمي إلى الآخرين "الهمجيين"، على أمل القضاء على تمايزهم وتحويلهم إلى "أشخاص مثلنا (الغرب)"، وإن كانوا في مكانة منخفضة.

وعلى الرغم من أوجه الشبه الظاهرة بين "القاعدة" و"داعش"، وعنف الفوقية العرقية البيضاء، إلا أن أسبابها وسياقات نشوئها مختلفة تماما. فتحتاج الحكومات الغربية في سبيل معالجة الحالة الأولى، إلى إعادة النظر في سياساتها الخارجية في العالم الإسلامي، واحترام سيادة المناطق غير الغربية.

ولا يندرج الاعتراف بالاحتلال كأمر واقع، مثل تصريح دونالد ترامب الأخير بشأن الجولان (السوري المحتل) الذي ضمته إسرائيل، ضمن هذا المسعى.

أما من أجل معالجة التهديد الثاني، فيجب على الحكومات أن تتعامل مع أزماتها الخاصة دون إلقاء اللوم على غزو إسلامي متخيل.

ومن أجل إحداث تغييرات مماثلة، يترتب على صناع السياسيات خوض تحديات جدية، ومع ذلك، ففي حين أن إستراتيجيات الأمن والمراقبة قد تكون متماثلة في الحالتين، فإن التعامل مع جذور كل مشكلة يتطلب فهما عميقا لأسبابها، مع التمسك بهدف إنقاذ الجميع من خطر قد لا يزول قريبا.

 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019