الاستعمار الداخلي في الولايات المتحدة: نظرية سياسية عرقية وطبقية

الاستعمار الداخلي في الولايات المتحدة: نظرية سياسية عرقية وطبقية
تظاهرة للسود في الولايات المتحدة (أ ب)

لا تتمركز نظرية الاستعمار الجديد الداخلي حول العرق، بل حول معاداة الاستعمار وشرح سلوك النخبة السوداء في الولايات المتحدة.

في ستينيات القرن الماضي، تبنى جميع قادة حركات الحقوق المدنية السوداء، تقريبًا، الرأي القائل إنّ الظروف القمعية التي واجهوها كانت تعبيرات عن منطق إمبريالي عالمي، وإنّ المُعضلة الأساسية التي واجهت جميع النظريات السياسية الراديكالية السوداء، كانت مسألة الإمبراطورية. وتبنى الناشطون السود والمفكرون من مختلف الأيديولوجيات، ما يُعرف بنظرية الاستعمار الداخلي، أي الفكرة بأن ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة يشكلون مستعمرة داخلية داخل حدود الدولة الاستعمارية الأم. وهي فكرة مستوحاة من التنظير حول مناهضة الاستعمار والذي قاده في تلك الفترة كل من إيمي سيزار، فرانز فانون، وكوامي نكروما.

وظهرت أطروحة الاستعمار الداخلي في خطابات مالكوم إكس، وفي كتابات ستوكلي كارمايكل، وفي مقالات هارولد كروز، وفي وبرنامج "النقاط العشر" الذي أطلقته حركة "الفهود السود" الثورية. ولخص المسؤول الإعلامي في الحركة، إلدريدج كليفر، الفكرة على النحو التالي: "نبدأ بالتعريف الأساسي: إن السود في أميركا هم شعب مستعمر بكل معنى الكلمة وإنّ أميركا البيضاء هي قوة إمبريالية منظمة تحتجز السود في عبودية استعمارية".

وبعد مرور 50 عاما على ذلك، لم تعد نظرية الاستعمار الداخلي رائجة كما كانت، ويصر نقادها على أنه من الأفضل أن تبقى كذلك. وقد تولى البروفيسور المشارك في الدراسات الأميركية الأفريقية والعلوم السياسية بجامعة إلينوي، سيدريك جونسون، قيادة هذا النقد. ويحذر جونسون في مقالات كتبها لموقعي "كاتاليست" و"جيكوبين" الإلكترونيين، القراء من أن نظرية الاستعمار الداخلي هي مجرد مقارنة عديمة الفائدة، لشرح حقائق الحياة السياسية السوداء المعاصرة. ومن وجهة نظره، فإن أخطر عيوب أطروحة الاستعمار الداخلي هي أنها فشلت في التطرق للانقسامات الطبقية داخل مجتمع السود في الولايات المتحدة.

وبعكس ادّعاء جونسون، فإن نظرية الاستعمار الداخلي لا تفسّر الفروق الطبقية بين الأميركيين السود فحسب، بل توفر، أيضًا، إجابة تاريخية عن أسباب العدائية الطبقية في المجتمع الأسود. وهي تسلط الضوء على تباين عملية الفصل العنصري تحت نظام استعماري جديد قائم على دمج الطبقة الوسطى بالتزامن مع قمع الطبقة العاملة.

ويصر جونسون على أن الطبقة يجب أن تكون الفئة الأساسية التي ينطلق منها التحليل والعمل السياسي، لكن توجهه هذا، يشوش المنطق الاستعماري الذي يقود التعبيرات عن القمع العرقي والطبقي في الولايات المتحدة.

ويعود جونسون بأطروحة الاستعمار الداخلي إلى أصلها النابع بحسب ما يرى، من الهوية السياسة الناشئة للحركة القومية الثقافية السوداء في أواخر الستينيات. ويدعي أن سياسات الهوية تساوي الهوية العرقية بالقطاعات السياسية، على أساس فرضية خاطئة مفادها أن جميع المنتمين لمجموعة عرقية معينة، لديهم نفس الاحتياجات السياسية والمصالح الاقتصادية والتطلعات الاجتماعية. وبالنتيجة، يخلص جونسون، إلى وصفها بأنها شكل من أشكال "الاستثنائية السوداء"، وهي الفكرة القائلة إن "هناك شيئا فريدا وغير قابل للقياس بشأن تجارب السود، يحظر أي نقاش موضوعي حول الوضعية (المكانة) الطبقية ومصالحها، كلما كان الحديث عن السكان السود".

ويشدّد جونسون على أنه مهما كانت البصيرة السياسية التي قدمتها نظرية الاستعمار الداخلي في الستينيات، فإن الهياكل الطبقية المعقدة للمجتمع الأفريقي في الولايات المتحدة، في القرن الواحد والعشرين، جعلتها بالية. وكتب أن "الحياة السياسية السوداء أًصبحت أكثر تعقيدا على مدار النصف قرن الماضي، بسبب الاندماج الواسع للسود في المجتمع الاستهلاكي، وتوسع الطبقة الوسطى السوداء، وعملية الاندماج السياسي الأسود، وتفاقم سوء ظروف الفئات الأكثر تهميشا في الطبقة العاملة السوداء". ولذا، نظرًا لأن أطروحة الاستعمار الداخلي تبدو وكأنها تتبنى سياسات الهوية وتتجاهل الفروق أو النزاعات الطبقية بين السود، فيجب على اليسار التخلي عنها.

ولم يكن جونسون أول ناقد يزعم أن أطروحة الاستعمار الداخلي تتغاضى عن المفهوم الطبقي. فقد جادل عالم الاجتماع، مايكل بوراوي، في مقالة كتبها عام 1974 تحت عنوان "العرق والطبقة والاستعمار"، بأن "مفاهيم الاستعمار الداخلي منقوصة بشكل جدي"، ولا سيما "تجاهلها للعوامل الاقتصادية". وأضاف بورواوي، أن تطبيق مفهوم الاستعمار الداخلي على الولايات المتحدة، "يتجاهل فعليا الانقسامات داخل المجتمع الأسود"، وخاصة الانقسامات الطبقية.

لكن الادعاء بأن أطروحة الاستعمار الداخلي لا يمكن أن تأخذ في عين الاعتبار الانقسامات الطبقية داخل مجتمع السود لم تكن صحيحة عندما قدمها بورواوي عام 1974، ولا تزال غير صحيحة عندما يكررها جونسون اليوم.

الاستعمار الداخلي كأداة للقضاء على الحس الثوري

يقول عالم الاجتماع، روبرت ألين، في كتابه "الصحوة السوداء في أميركا الرأسمالية"، الذي صدر عام 1969، إن "هناك برنامجًا استعماريًا داخليًا يتقدّم بسرعة. وصُمم بغاية مناهضة نهضةٍ ثورية محتملة للتمرد الأسود الأخير (حركات الحقوق المدنية) في المدن الكبرى في جميع أنحاء الدولة. لقد صيغ البرنامج على يد النخبة الشركاتية الأميركية، أي كبار مالكي ومديري الشركات العملاقة والبنوك والمؤسسات التي تهيمن بشكل متزايد على الاقتصاد والمجتمع ككل".

وبنى ألين أطروحته حول الاستعمار الجديد الداخلي، على نظرية الاستعمار الجديد لكوامي نكروما، والتي عبر عنها بكتاب "المرحلة الأخيرة من الإمبريالية" (1965). وكما يكتب نكروما فإن "حكام الدول الاستعمارية الجديدة يستمدّون سلطتهم في الحكم، من الدعم الذي يحصلون عليه من أسيادهم المستعمرين الجدد، وليس من إرادة الشعب".  وبحسب هذا السياق المعادي للديمقراطية بشكل أساسي، يتكون النظام السياسي الاستعماري الجديد من دُمى غربية، وعادة ما يتمثل هؤلاء بالحزب الحاكم أو الديكتاتور الذي يحكم المُستعمرة الجديدة نيابة عن المصالح الإمبريالية، لكن بشكل غير مباشر. وإذا ما ثارت الجماهير المستعمرة ضد الحكومة الاستعمارية الجديدة، الدُمية، فإن القوة الإمبريالية ستغمر المستعمرة "بالمساعدة العسكرية".

سدّت في وجه السود المسارح والكنائس والمسابح (أ ب)
سدّت في وجه السود المسارح والكنائس والمسابح (أ ب)

ويدعي نكروما أنه "ما أن يتم إدخال منطقة استعمارية جديدة إلى مثل هذه الحالة من الفوضى والبؤس الاقتصادي، فتنفجر فيها الثورة فعليًا، ثم، وعندها فقط، لن يتواجد حد لسخاء السيد الأعلى للاستعمار الجديد، وذلك مشروط بالطبع، بأن الأموال المُقدمة يتم استخدامها حصريًا لأغراض عسكرية".

وعبر تطبيق نظريات نكروما على المستوى المحلي في الولايات المتحدة، يدعي ألين أن نخبة الشركات سعت إلى إزالة الراديكالية عن السياسة السوداء من خلال هذه الإستراتيجيّة الجديدة ذات الشقين.

أولًا، تدخلت النخب الاقتصادية في الحركات السياسية السوداء لاستملاك البرجوازية السوداء. ومن خلال تعريف القوة السوداء على أنها رأسمالية سوداء، كان يمكن لنخبة الشركات البيضاء أن تمتص طاقات الطبقة الوُسطى من السود، وأن تقسم مستعمرة السود المحلية على طول الخطوط الطبقية، وأن تدعم علاقة النظام الاستعماري والرأسمالي مع أفراد وعائلات سوداء برجوازية. وبالمقابل، تتخذ الطبقة الوسطى السوداء مكان النخب البيضاء، وتلعب دور الحكام الاستعماريين السياسيين والاقتصاديين بالوكالة. ويكتب ألين: "في الواقع، هذه النخبة الجديدة (السوداء) أخبرت هيكل السلطة: 'أعطونا حصتنا (من السوق) وسندير المجتمعات السوداء ونبقي أفرادها هادئين من أجلكم'".

ثانيًا، عملت النخب الاقتصادية مع النخب السياسية لإنشاء نظام قمعي شرطوي عسكري، داخل مستعمرة السود الداخلية. ويلاحظ ألين أنه في أوقات الاضطرابات السياسية "تفكر عقلية الشرطة بأنماط الدولة البوليسية مثل إرسال أعداد كبيرة من الجواسيس ووكلاء الشرطة والمخبرين إلى الأحياء الفقيرة". وبينما أكد الباحث في البداية على أن نشر قوات الحرس الوطني جاء لقمع التمرد في المناطق الحضرية، وأن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وُظف لتحطيم الحركات السياسية المعادية للاستعمار، وسّع ألين لاحقًا تحليله ليشمل الممارسات الخفية أو الناشئة حديثًا في تكتيكات الدولة البوليسية، مثل الملاحقات السياسية التي انتهجها مكتب التحقيقات الفيدرالي بين عاميّ 1956 و1971، والتي شملت ممارسات غير قانونية أيضا، ومثل ظاهرة السجن الجماعي في الثمانينيات.

إن تقييم ألين للاستعمار المحلي ليس مخصصا للفكرة لأنه يعكس التاريخ الأوسع والأعمق للسياسة الداخلية للإمبراطورية الأميركية.

التجزئة الاستعمارية الداخلية

وتعود أصول إستراتيجيّة تجزئة المستعمرة الداخلية السوداء للنقاش (الأبيض) في القرن التاسع عشر حول قوانين الفصل العنصري "جيم كرو" في الجنوب.

في كتاب " الهمجي الأبيض: الأوهام العنصرية في ما بعد العصر الجنوبي"، يوثق المؤرخ لورنس جي. فريدمان، الجدل الذي نشأ بين البيض الجنوبيين حول ما يسمى "مشكلة الزنوج". وكان الداعمون للفصل العنصري يشجعون سياسة الإقصاء التي سيتم فيها فصل السود عن البيض بصرامة في ما بعد. فيما أصر دعاة العبودية الجديدة على أن السود يجب أن يظلوا على اتصال وثيق مع البيض على أن يكونوا خاضعين لهم، أيضًا، لأن مثل هذا الاتصال له تأثير حضاري على العرق "الأقل شأنا".

لكن حاكم ولاية تينيسي الأسبق، ويليام جاناواي براونلي، طور سياسة عرقية ثالثة في الجنوب توسطت بين الأيديولوجيتين المهيمنتين المتمثلتين في الفصل العنصري أو العبودية الجديدة. وطور براونلو سياسة يسميها فريدمان "الفصل التفاضلي"، والتي تتطلب من البيض تمييز "الزنوج الطيبين" عن "الزنوج السيئين"، واستيعاب المجموعة الأولى وإقصاء الثانية.

ويصفها فريدمان بأن "الزنوج الذين عرفوا مكانتهم (المتدنية) يمكن أن يعيشوا في المجتمع الأبيض ولكن أولئك الذين عادوا إلى غرائزهم الأساسية وأصبحوا حازمين يجب إزالتهم". وبدلًا من التخلي عن دفع الزنوج بالكامل إلى التحضر، فإن إستراتيجية براونلو للتفرقة التفاضلية تُتيح للبيض رفع مكانة السود الذين كانوا قادرين على الخلاص (الاندماج في الإمبراطورية) بينما يحافظون على حماية أنفسهم من أولئك الذين وُصموا بالهمجية (السود المتمردون).

مارتين لوثر كينغ ونيكسون (أ ب)
مارتين لوثر كينغ ونيكسون (أ ب)

وعلى الرغم من أن البيض الداعين إلى الفصل العنصري فازوا في النقاش الأولي، الذي تمثل لاحقا في قرار للمحكمة العليا عام 1896. إلا أن فكرة تجزئة المجتمع الأسود ظهرت مجددا كإستراتيجية استعمارية جديدة للحكم بعد انهيار نظام "جيم كرو". ففي الخمسينيات من القرن الماضي، خضعت المحكمة العليا لضغوط الحرب الباردة وأصدرت قرار "براون ضد مجلس التعليم"، الذي حظر التمييز العنصري. ومع هزيمة شاملة لسياسة الفصل العنصري، انتقلت النخبة إلى تبني نموذج براونلو للتمييز التفاضلي كبديل للأول.

ووصلت مكيدتا الفصل العنصري التفاضلي إلى ذروتهما في عهد الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، حيث أن الأولى تمثلت في دمج نخبة المستعمَرين (السود) في المجتمع السائد، فيما تلخصت الثانية ببناء دولة بوليسية لممارسة السيطرة القمعية على جموع المُستعمَرين.

واستبدلت إدارة نيكسون النقاش العرقي في الولايات المتحدة، محولة تركيزها بعيدًا عن المدينة الداخلية السوداء (محور تركيز إدارة سالفه جونسون) ونحو الطبقة الوسطى السوداء. وفي كتاب "ريتشارد نيكسون وصعود العمل الإيجابي"، يوثق الباحث في الدراسات الأميركية كيفين ل. يويل، كيف اتجه نيكسون تدريجيا نحو الطبقات الوسطى السوداء. ففي شباط/ فبراير 1970، مثلا، التقى نيكسون بمجموعة غير رسمية من السود لمناقشة سياسات إدارته تجاه الأعراق المختلفة. وكتب أحد مساعدي نيكسون في إحدى ملاحظاته حول نقاط الاجتماع: "الإدراك أنه ما من مجتمع أسود... كيفية إعطاء شرعية ثقافية للطبقة الوسطى السوداء... عدم استهداف المراهقين السود العاطلين عن العمل في برامج القوى العاملة". وتشير هذه المذكرة إلى أن إدارة نيكسون كانت تتجه نحو سياسة الفصل العنصري التفاضلي.

هذا الإهمال للسود الفقراء من الطبقة العاملة والتوجه نحو الطبقة الوسطى السوداء "القابلة للحياة الاقتصادية" اكتمل بعد بضعة أيام بمذكرة مستشار نيكسون، دانيال باتريك موينيهان، الشهيرة، "الإهمال الحميد". في هذه المذكرة، جادل موينيهان أن المسألة العرقية حظيت باهتمام كبير خلال الستينيات، وأنه يجب تجنب الخوض في القضية العرقية لبعض الوقت. كما رأى أن على نيكسون التحبب لـ"الأقلية الصامتة" من الطبقة العاملة السوداء.

في ملاحظته، أوضح نيكسون عدم موافقته على إستراتيجية موينيهان بأنه يريد "رجال أعمال زنوج" مؤكدا أن التوجه إلى الطبقة العاملة السوداء خاطئ. وكما يلخص يويل هذه الأحداث، فإنه "عبر تقسيم الأميركيين السود والتركيز على السود من الطبقة الوسطى ('الاعتراف بعدم وجود مجتمع أسود')، (نيكسون) يمكن أن يحقق (هدفه) من خلال تحقيق بعض التقدم على الأقل لبعض الأميركيين السود".

وفي الوقت ذاته، استحدثت إدارة نيكسون الحرب على المخدرات، لإحباط العملية السياسية السوداء واليسار المناهض للحرب. وفي عام 1994، أوضح مستشار الشؤون الداخلية السابق في إدارة نيكسون، جون إيرليكمان، الدوافع السياسية وراء الحرب على المخدرات على النحو التالي: "كان لحملة نيكسون عام 1968، ولإدارته بعد ذلك، عدوّان أساسيّان: اليسار المناهض للحرب والسود... كنا نعلم أننا لن نستطيع إخراج السود والمعادين للحرب عن القانون، لكن عن طريق دفع الجمهور إلى الربط بين الهيبيين والماريحوانا، والسود مع الهيروين، ومن ثم تجريم الاثنين بشدة، تمكنا من تعطيل هذه المجتمعات. واستطعنا اعتقال قادتهم، ومداهمة منازلهم، وتفريق اجتماعاتهم، وتشويه سمعتهم ليلة بعد ليلة في الأخبار المسائية. هل تعلم أننا كنا نكذب بشأن المخدرات؟ بالطبع فعلنا ذلك". إن الحرب على المخدرات والتي كانت عمليا "حربا على السود"، تسببت في دمار الأحياء السوداء الفقيرة والعُمالية منذ ذلك الحين.

وخلال النصف الأخير من القرن الماضي، ازداد خضوع مستعمرة السود لسياسات نيكسون، وانقسمت إلى طبقة النخبة السوداء الاندماجية (والتي يشار إليها أحيانًا باسم الطبقة السوداء المضللة) وللفئات الفقيرة من السكان السود الفقراء أو العمال، المحرومين اقتصاديًا والمحرومين سياسيا والخاضعين عسكريا. وبينما يتمتع فنانون مثل بيونسي، وجاي زي، وأوبرا وينفري، وزمرة السود في الكونغرس، بالشهرة والسلطة والثروة، تجري عملية ترويع للمواطنين السود العاديين من قبل قوات الشرطة المُعسكرة في البلاد وسجنهم بأعداد هائلة.

رغم أنّه أول رئيس أسود، إلا أنه زاد من عسكرة جهاز الشرطة (أ ب)
رغم أنّه أول رئيس أسود، إلا أنه زاد من عسكرة جهاز الشرطة (أ ب)

ومثلت سياسيات الرئيس الأسود الأول، باراك أوباما، هذه العملية بشكل نموذجي. فبعد أن صعد أوباما إلى عرش الإمبراطورية الأميركية، أدار الجهاز الاستعماري ضد ذوي البشرة السوداء والبنية، في الداخل والخارج. وزاد أوباما من حدة عسكرة الشرطة وبنى شبكة عالمية من قواعد الطائرات بدون طيار المعروفة في بعض الدوائر باسم مجموعة الاغتيالات. وبفضل مجهود أوباما الجزئي، عادت العبودية إلى ليبيا.

إذا، بعكس مزاعم ناقدي نظرية الاستعمار الداخلي، فإنها لا تأخذ بعين الحسبان الانقسامات الطبقية داخل المجتمع الأسود فحسب، بل تُقدم نموذجا نظريا لفهم الاختلاف التاريخي بالمصالح الطبقية والالتزامات الأيديولوجية، بين النخبة السوداء والطبقة العاملة. وترفض أطروحة الاستعمار الجديد الداخلي التي طرحها ألين، مفهوم "الاستثنائية السوداء" قطعيا، عن طريق إدخال التحليل الطبقي الذي يصر عليه جونسون وآخرون في النمط الداخلي للمستعمرة الداخلية.

ويعرض جونسون كتاب جيمس فورمان جونيور، "حبس أنفسنا: الجريمة والعقاب في الأسود الأميريكاتو" كمثال لدحض أطروحة الاستعمار الداخل، لكن نظرية ألين لا تفسر النتائج التي توصل إليها فورمان فحسب، بل توضح كيف ولماذا توصل لهذه النتائج.

وكما أوضح فورمان في دراسة الحالة التي أجراها على وجهات نظر السود الطبقية التراصفية بما يتعلق في الشرطة، كانت الطبقة الوسطى السوداء في واشنطن العاصمة من بين أقوى المؤيدين لزيادة إجراءات الشرطة وتشديد العقوبات. وبالفعل، كما يلاحظ جونسون، فإنه في "الحقيقة، السيطرة السياسية السوداء لم تحمي سكان المناطق السوداء من المشاكل المتصاعدة للجريمة والشرطة. وبدلاً من ذلك، ضمن السياق الأسود للمنطقة، تم دمج مختلف الدوائر الانتخابية لإنتاج تدابير، مثل قوانين الحد الأدنى الإلزامي للعقوبة، التي كانت لها عواقب غير مقصودة، ما أسهم في مشكلة السجن الجماعي".

ودراسة الحالة التي قام بها فورمان لواشنطن العاصمة هي مجرد حلقة واحدة من العملية التاريخية الأوسع للفصل العنصري التفاضلي في ظل نظام استعماري جديد لدمج الطبقة الوسطى بالتزامن مع قمع الطبقة العاملة.

علاوة على ذلك، ففي حين أن تحليل جونسون للمشكلة يقر بالانقسامات الطبقية داخل مجتمع السود فقط، دون تقديم أي تفسير تاريخي (بخلاف تلك الطبقات الموجودة في ظل الرأسمالية)، تقدم أطروحة روبرت ألين حول الاستعمار الجديد الداخلي، وجهة نظر تاريخية وشرحًا نظريًا عن السبب وراء ذلك وكيف نشأ العداء الطبقي الأسود في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.

وربما يكون جونسون محقًا عندما يقول إن "التحليلات التي تتجاهل العلاقات والمصالح الطبقية الموجودة فعليًا والتي تشكل الحبس (الجماعي) والساحة السياسية لن تفعل الكثير من أجل دفع نوع الإصلاحات الجوهرية التي تروج لها العناصر الأكثر تقدمًا في الاحتجاجات المناهضة للشرطة". لكن أطروحة ألين، تُظهر الخطأ الفادح الذي يرتكبه جونسون عندما يدعي أن أطروحة الاستعمار الداخلي هي مجرد مقاربة "مرتكزة إلى العرق". إن أطروحة الاستعمار الداخلي الجديدة ليست "مرتكزة إلى العرق" ولكنها معادية للاستعمار، وعبر فهم المنطق الاستعماري الأساسي في قلب العلاقات العرقية والطبقية في أميركا، فهي توفر اقتصادًا سياسيًا أكثر دقة ووضوحًا للاضطهاد العرقي والطبقي.

ووصف نكروما الولايات المتحدة بأنها "قلعة الاستعمار الجديد" ولم يخطئ بذلك، فمنذ الخمسينيات، قادت الولايات المتحدة الانتقال العالمي من الإمبريالية الاستعمارية إلى الإمبريالية الاستعمارية الجديدة في الخارج، وكما رأينا، في الداخل أيضا. ومن خلال تبني أطروحة الاستعمار الداخلي الجديدة، يمكن لليسار أن يتخطى محاربة الكراهية العرقية فقط (كما يفعل الليبراليون الجدد) أو الحديث عن استغلال الطبقة العاملة (كما يفعل الماركسيون الفيكتوريون)، وأن يفهموا بدلًا من ذلك كيف يدفع المنطق الاستعماري تعبيرات العرق والاضطهاد الطبقي في الولايات المتحدة ومحاربتها سواء من حيث المبدأ والضرورة.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية