أيّهما يقود الآخر: بوتين أم استخباراته؟

أيّهما يقود الآخر: بوتين أم استخباراته؟
بوتين خلال أحد مؤتمراته الصحافيّة من غرفة المراسلين (أ ب)

يأمل فلاديمير بوتين في أن يبدو "قيصرا جيدا" راغبًا وقادِرًا على حماية رعاياه من تجاوزات أجهزة الأمن والشرطة الروسية بعد الإفراج عن الصحافي الاستقصائي الروسي، إيفان غولونوف، الذي أشعل اعتقاله حملة احتجاجية لم يسبق لها مثيل. وكان غولونوف قد اعتُقل في أعقاب تلفيق تهمة خرقاء له، بسبب كشفه المتكرر لفساد النخبة السياسية والاقتصادية في موسكو، الذي جعل له أعداء كثر.

لكن معظم الروس يدركون جيدًا أن مثل هذه القضايا تؤشر إلى درجة سماح بوتين لأجهزة المخابرات بابتزاز واضطهاد المعارضين بحسب رغبتها. فبعد أن كان يُنظر إلى "السيلوفيكي" الغامضين، وهو تعبير روسي لوصف "رجال السلطة" القادمين من الأجهزة العسكرية والاستخبارية والأمنية، على أنهم أشد حلفائه، أصبحوا يشكلون اليوم العائق الأكبر أمام بوتين.

وكان منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، الذي عقد في وقت سابق من الشهر الجاري بهدف عرض الفرص الاستثمارية في روسيا، مسكونا بشبح رجل الأعمال الأميركي، مايكل كالفي، الذي تسبب اعتقاله في وقت سابق من هذا العام بصدمة في مجتمع الاستثمار الدولي. ونفى كالفي، وهو أحد الأجانب القلائل الذين لا يزالوا ملتزمين ومعنيين بالسوق الروسية، ارتكاب أي مخالفات، ليتم إطلاق سراحه بعد ذلك، لكن المشكلة تكمن في أن هناك اعتقادًا كبيرًا، بأن التهم التي وُجهت إليه، نجمت عن شكوى قدمها أحد رجال الأعمال المنافسين له، لجهاز الأمن الفيدرالي (FSB) الذي خلف جهاز المخابرات السوفييتي، الـ"كي جي بي".

وذلك يأتي في ظل سلسلة من المغامرات الاستخباراتية الروسية غير المدروسة بمعظمها، بدءًا من التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا عام 2014، وصولا إلى التدخل في انتخابات الولايات المتحدة عام 2016، وحتى محاولة الاغتيال الفاشلة للمسؤول العسكري الروسي السابق والمنشق، سيرجي سكريبال، في بريطانيا عام 2018، التي أدت إلى إخضاع روسيا لعقوبات، وتقوية حلف الناتو المناوئ لها، وزيادة التسلح الأوروبي الغربي، وتشديد السياسات الأميركية تجاه روسيا بدرجة غير مسبوقة من الصرامة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

ولم تُحك معظم هذه التطورات، المُعبر عنها بزيادة الاضطهاد أو بالمغامرات آنفة الذكر، على يد بوتين، بل صاغها أفراد مجتمع الأمن والمخابرات، وأصدقائهم وعملائهم وشركائهم في الأعمال والسياسة. ورغم أن الرئيس قد يوافق على مناوراتهم الدولية تحديدا، لكن الأمر يستحق التساؤل إلى أي مدى يسمح لنفسه بأن تقوده هذه الأجهزة.

بوتين في شبابه
بوتين في شبابه

إن أكثر الخرافات ضررًا وانتشارًا، التي يعتقد الناس في الغرب أنها تميز بوتين، هي الاعتقاد السائد بأنّ شخصيته تمتاز بالتفوق الاستخباراتي، والحنكة الجاسوسية. ولكن ذلك يُعد عدم فهمٍ للعلاقة التي تجمع بوتين بأجهزته الاستخباراتية. فهو ليس جاسوسا خارقا، بل "مبهرا بالجاسوسية"، يسهل خداعه وإرباكه من قادة مخابراته.

ويمكن القول إنّ بوتين كان كذلك دائمًا، فبينما كان لا يزال طالبا في المدرسة، ذهب إلى المقر الإقليمي للـ"كي جي بي" السوفييتية في لينينغراد، بحثا عن الانضمام إلى ضباطه. وكان المبنى ذو الجدران الجانبية، المعروف باسم "بولشوي دوم"، أي "البيت الكبير"، يتمتع بسمعة سيئة بعدما كان في السابق مقرا لشرطة ستالين السرية، حيث تمت فيه عمليات إعدام أعداء الدولة المزعومين في غرف الطابق السفلي الدموي من المبنى.

لكن بوتين المراهق خرج من المبنى بعد إعطائه نصيحة مهنية، فقد أخبره أحد ضباط الـ"كي جي بي" أن يذهب ويؤدي خدمته العسكرية أو أن يتخرج من الجامعة أولا، أي قبل التفكير بالخدمة في الجهاز. وذلك ما فعله بالفعل، فقد ذهب بوتين إلى جامعة ولاية لينينغراد، وتخرج وانضم إلى الـ"كي جي بي". وقضى في الخدمة 17 عامًا، وهي فترة يشعر الكثيرون بأنها شكلت شخصيته اليوم. وقال السناتور الأميركي جون ماكين ذات مرة بعد لقائه بالرئيس الروسي: "نظرت إلى عيني بوتين، ورأيت ثلاثة أشياء، كي وجي وبي".

وتُشير جميع الشهادات حول عمل بوتين في الـ"كي جي بي"، إلى أنه كان ضابطا عاديا. وعلى الرغم من كل الأساطير مدروسة الصنع، التي بنيت حوله، لم يكن بوتين أبدًا جيمس بوند السوفييتي. وفي عام 1985، وكنتيجة جزئية لقيادته الجيدة في ألمانيا، تم تعيينه في مدينة درسدن في ألمانيا الشرقية الشيوعية. وكان آنذاك ضمن طاقم المديرية الأولى للـ "كي جي بي"، القسم المعني بالتجسس الأجنبي، لكنه لم يغادر الجمهورية الديمقراطية الألمانية، ويبدو أن وظيفته تلخصت، إلى حد كبير، في جمع السجلات واستجواب المواطنين السوفييت والألمان الشرقيين الذين أرادوا السفر إلى خارج الاتحاد. وكان يقوم بكتابة تقارير ليقرأها آخرون، وزاد وزنه جرّاء شربه البيرة الألمانية، وعاش حياة مريحة بشكل عام.

وغادر عمله مع الـ"كي جي بي" قبل حلّ الجهاز رسميا، لكنه لا يزال يشعر بعاطفة جياشة تجاه ما أُطلق عليهم وصف "التشيكايين"، الذين حصلوا على هذه التسمية تيمنا بجهاز الشرطة السياسية الأول للبلاشفة، "تشيكا"، معتمدا عليهم في الحصول على الدعم، ومنحهم في المقابل حرية كبيرة للتجسس والاختلاس والقمع دون عقاب. والعديد من أقرب حلفائه هم من قدامى الضباط في المخابرات السوفييتية والوكالات التي خلفتها، وعلى الرغم من أنه لم يستخدم الجملة المبتذلة بأنه "لا يوجد شيء اسمه ضابط سابق في المخابرات السوفييتية"، إلا أنه يعيش حالتها بالتأكيد.

ومع ذلك، فإنه من الواضح أنه معجب بحلم أشباح التجسس بدلًا من الواقع. وفي اعتراف واضح له، انضم بوتين إلى الـ"كي جي بي" بسبب الترويج السوفييتي للتجسس عبر القصص والأفلام والبرامج التلفزيونية. وعلى الرغم من ترأسه جهاز الأمن الفيدرالي لفترة وجيزة بين العامين 1998 و1999، إلا أنه لا يبدو أنه طور فهما عميقا لكيفية عمل الأجهزة الاستخباراتية، وكيف تتم عملية نقل المعلومات الاستخباراتية بشكل مختصر إلى القيادة، والأهم من ذلك، كيف يمكن استخدام هذه الأجهزة لتشكيل نظرة صناع القرار إلى العالم.

ومن المعروف أن بوتين يبدأ عمله عادة، في الساعات الأولى من بعد الظهر (يتأخّر في الخلود إلى النوم، ويتأخرّ في الاستيقاظ منه) بالاطّلاع على ثلاثة ملفات موجزة، تقرير من الـ"إف سي بي" عن الشؤون الداخلية؛ وآخر من جهاز الاستخبارات الخارجية "إس في آر" حول التطورات في جميع أنحاء العالم؛ أما الثالث، فيأتيه من دائرة الحماية الفيدرالية "إف إس أو" (حرسه الإمبراطوري) حول ما يجري داخل النخبة الروسية. وبهذا المعنى، فإن أول أنباء يستلمها بوتين، تأتيه من أجهزة استخباراتية.

الشخص الحامل الكاميرا يعتقد أنه بوتين أثناء عمله وكيلا في المخابرات مع الرئيس الأميركي
الشخص الحامل الكاميرا يعتقد أنه بوتين أثناء عمله وكيلا في المخابرات مع الرئيس الأميركي، رونالد ريغان

وكالعديد من الزعماء الاستبداديين، فقد ضيّق بوتين، مع مرور الوقت، دائرته من المستشارين والمقربين إلى أشخاص يشاركونه انحيازاته ولا يقدمون على أي خطوة تشكك في افتراضاته. ومثلما أخبرني جاسوس روسي سابق، فإن أجهزة الاستخبارات تعلمت "ألا تجلب أخبارًا سيئة إلى طاولة القيصر".

لذا، فإن جميع هذه الأجهزة تتنافس في ما بينها على إخبار بوتين، ليس بما يحتاج أن يعلمه، بل بما تعتقد أنه راغب بسماعه، بهدف طمأنته بأن كل شيء يسير على ما يرام. بل أكثر من ذلك، تتنافس، أيضًا، على لفت انتباهه وكسب رضاه، عبر إبلاغه بحلقة مفرغة من المزاعم المتزايدة والنظريات المؤامراتية. وعندما يزعم الكرملين أن الغرب يحاول إضعاف بوتين، أو أن كندا يديرها نازيون جدد أوكرانيين، أو أن مؤامرة أميركية عميقة في الدولة تهيمن على واشنطن، هل يمكن اعتبارها مجرد مواقف؟ أم أنها في الحقيقة تكرار هراء مثير، كُتب في التقارير الاستخباراتية المختصرة المُقدمة إلى بوتين بهدف إثارته بدلا من تثقيفه؟

لم يكن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية الخطوة السياسية الوحيدة التي قام بها الكرملين (أو يتم عقابه عليها على الأقل) وتبدو غير عقلانية. فالتدخل في جنوب شرقي أوكرانيا، على سبيل المثال، لم يفشل فقط في هدفه لإجبار كييف على قبول هيمنة موسكو، بل حفز الوعي الوطني الأوكراني.

وبدلًا من رؤية هذين الحدثين على أنهما نزوتان لحاكم استبدادي متقلب ومُترَفْ، فإنه من المرجح أن تثبت النماذج المماثلة، قدرة المعلومات المضللة التي يحصل عليها قائد عاقل (حتى لو لم تكن في قلبه رحمة)، على دفعه للقيام بخطوات سياسة خطرة وحمقاء. تقف من ورائها في أحيان كثيرة، مصالح شخصية ضيقة، أو صراع بيروقراطي تتنافس فيه الوكالات الاستخباراتية المختلفة على الفوز برضى الرئيس، في أحيان أخرى.

أيًا كان الدفاع، فإن بوتين، الذي يتردد في المخاطرة بعكس التصوير النمطي له بأنه رجل سياسي في غاية القوة، يبدو أنه يخضع لمخاطر إضافية ويمنح الأجهزة الاستخباراتية والمرتبطين بها، مساحة متزايدة، فلا يُمكن لهؤلاء السيطرة على الكرملين بأي حال من الأحوال، لكن إذا ما تمكنوا من تحديد نظرة الرئيس للعالم وطريقة استيعابه له، فإنهم لن يحتاجوا إلى ذلك أصلا.

أما بالنسبة للعالم خارج روسيا، فإن هذا هو الخطر الحقيقي، وليس المخاوف الموهومة بأن بوتين يرغب في إعادة تشكيل الاتحاد السوفييتي أو غزو أوروبا. وكما اعترف لي دبلوماسي روسي سابق بخيبة أمل كبيرة، فإن "الشيء الأكثر رعبا في بلدنا اليوم هو كيف يمكن لأشخاص أذكياء أن يقوموا بأشياء غبية إذا لم يدركوا أن لديهم خيارًا" آخر.

ويبقى السؤال حول الممارسات الروسية مثل تدمير المناخ الاستثماري، أو شن الحروب غير المُعلنة في الخارج، وغيرها، هل تمنع أجهزة الاستخبارات بوتين من إدراك أن لديه خيارات أخرى؟


الكاتب مؤلف كتاب "نحتاج للحديث عن بوتين"، وهو أستاذ فخري في كلية الدراسات السلافية وأوروبا الشرقية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، وباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية