هل يحق لأي أحد امتلاك مليار دولار؟

هل يحق لأي أحد امتلاك مليار دولار؟
المياردير بيزوس (ذا ويك)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرُّف:


"هل يحق لأي أحد امتلاك مليار دولار؟"، كان هذا السؤال الذي طرحته صحيفة "نيويورك تايمز" مرشّحي الحزب الديمقراطي في السباق الرئاسي الأميركي لعام 2020.

وقدم بعضهم تفسيرا فلسفيا لطيفا، لمَ لا يحق لأحد أن يكون مليارديرا، ولم يقتصر هذا الجواب على الموجودين في أقصى اليسار (نسبة للحزب الديمقراطي الأميركي) فقط. كما أوضح عمدة ساوث بيند، بين بوتيجج، بقوله: "لست متأكدًا من أنه يحق لشخص الحصول على مليار دولار من الناحية الكمية أو الأخلاقية"، فيما كان البعض الآخر أكثر إيجابية تجاه السؤال، فمثلا، يعتقد الحاكم السابق لولاية كولورادو، جون هيكنلوبر، أن الطموح لجني مليار دولار "يدفع جزءًا كبيرًا من اقتصادنا". لكن الأمر الوحيد الذي اتفق عليه الجميع تقريبا، هو أن وجود المليارديرات يُعتبر أمرا كريها، في سياق مجتمع يعاني من انعدام المساواة والفقر والحرمان من الفرص، كذلك. وعلى حدّ تعبير السناتور إليزابيث وارين (ديمقراطية)، فإنه "ما من معنى لهذا السؤال خارج بيئته (مجتمع الأثرياء)".

قد تكون الوسيلة لتخطي ضبابية هذه السؤال في إعادة صياغته على النحو التالي: "هل سيتسمر وجود أصحاب المليارات في حال أجرينا التغييرات اللازمة لإنشاء مجتمع عادل؟ وهل سيترك توزيع الموارد والأموال مجالا لوجودهم أصلا في عالم وافر بالفرص، ويقسم الرخاء على أفراده بشكل متكافئ؟

أظن أنه من المنطقي أن نجيب بـ"لا".

من مناظرة الحزب الديمقراطي (أ ب)
من مناظرة الحزب الديمقراطي (أ ب)

لكن لنخوض في مسألة "الاستحقاق" بشكل مختصر أولا. يجني الرؤساء التنفيذيون لأكبر الشركات الأميركية نحو 300 ضعف من الأموال التي يجنيها العامل العادي، فهل من شخص مستعد للدفاع عن أن هناك أفرادا يفيدون المجتمع بـ300 ضعف ما يفعله أي عامل آخر؟ لنأخذ في عين الاعتبار عند التطرق لهذه المسألة أن العمال الحاصلين على أدنى الأجور في الولايات المتحدة، يعملون في وظائف مثل الزارعة ومساعدات الرعاية الصحية المنزلية الشخصية. هؤلاء هم الأشخاص الذين يعرقون ويكدحون ليصنعوا طعامنا؛ والأشخاص الذين يهتمّون بأفراد عائلتنا أو بنا عندما يتعذّر علينا المشي أو ممارسة الرياضة أو الاستحمام أو تناول الدواء أو استخدام الحمام بمفردنا.

عن من يستطيع المجتمع الأميركي التخلي أكثر؟ لنفترض أن جميع العاملين في مجال المساعدات الصحية المنزلية، وجميع المديرين التنفيذيين للشركات المختلفة مثل إيلون ماسك من "تسلا"، وتيم كوك من "آبل"، وغيرهما، اختفوا جمعيهم من الوجود في الغد، من هي الفئة التي سيفتقدها المجتمع الأميركي أكثر؟ ومن الذي سيؤدي غيابه إلى اضطراب أكبر في تفاعلاتنا الاقتصادية اليومية والنسيج الاجتماعي لحياتنا؟

سوف يدعي المدافعون عن النظام الرأسمالي أنه يُمكن لأي شخص أن يعمل في الزراعة أو غسل الأطباق، فهذا النوع من الوظائف قابل للاستبدال العمالي بسهولة، وهذا هو سبب حصولهم على رواتب منخفضة. لكن لا يمكن لأي شخص أن يصبح الرئيس التنفيذي لشركة "آبل"، وبالتالي فإن مكانته تتطلب حصوله على أجر أعلى، وذلك نتيجة محضة لنظرية العرض والطلب في الاقتصاد. لكن السؤال لا يُطرح بهذه الطريقة، فمن الأفضل أن نسأل أنفسنا: "هل يحتاج أي شخص أن يصبح رئيسا تنفيذيا لـ"آبل"؟، وهي شركة تضم آلاف العمال ومهندسي البرمجيات وأكثر من ذلك، وجميعهم أناس أذكياء. فلو وضعنا ترتيب أدوار مختلفًا، تُشكل فيه لجان منتخبة من العمال لإدارة الشركة، فإن ذلك سيكون في غاية النجاعة (يتبنى عدد قليل من الشركات هذا النموذج). وهل هناك من يظن حقا أن "آبل" لن تعمل إلا بوجود تيم كوك، أو أي شخص آخر من خلفية أوليغاركية على رأسها؟

لا يتقاضى مديرو الشركات هذه المبالغ الضخمة من الأموال بسبب وجود آليات سوقية مهيمنة تعمل على تحديد أجورهم، بل يحصلون على هذه المبالغ المالية لأن كل شركة هي بمثابة مجتمع مصغّر، وصُمّمت حوكمة الشركات على نحو يمنح الرؤساء التنفيذيين سلطة واسعة وغير متناسبة مع الأفراد المتمنين لتلك المجتمعات المصغرة. فلا يحصلون على أموالهم نتيجة مسؤوليتهم الفردية في صناعة الثروة، بل من امتيازهم في إعطاء الأوامر لكيفية توزيع الثروة التي تنتجها الشركة بواسطة جميع عمالها الآخرين. وينطبق الأمر ذاته على فئة المساهمين (أصحاب الأسهم)، الذين يعتبر ملعبهم، وول ستريت، اليوم، المكان الأول لاستخراج الثروة في جميع مجالات الاقتصاد.

أثرى أثرياء العالم
أثرى أثرياء العالم

تشكل هذه الأسئلة حول قانون السوق وتصميمه، جوانب تدفقات الأموال والحاصلين عليها. فتشمل عمليات الاندماج، والاستثمار في الدول النّامية، والاحتكارات، والممارسات غير التنافسية؛ وهناك أيضا الاعتماد على المقاولين الخارجيين وشروط التحكيم القسري والاتفاقيات غير التنافسية؛ كانت هناك نقابات ومن ثم قمنا (الأميركيون) بتغيير قوانيننا وممارساتنا الاجتماعية وحطمنا جميعها.

وكنا نتبع في الماضي سياسات تعطي الأولوية للعمالة الكاملة، وفرض نقص العمالة بشكل دائم على الدولة، وإجبار أرباب العمل على التنافس فعليًا على مصلحة العمال (إن كان لك أن تتخيل ذلك). أما الآن فلدينا بطالة مزمنة، وكونغرس (سلطة تشريعية) تحصر سياساته المالية الاقتصاد في حالة من عدم تحفيز دائم، وصانعو سياسات مهووسون بمنع تضخم غير موجود. وأدت جميع هذه التغييرات إلى تقليص قوة العمال والناس العاديين، ما قلّل من قدرتهم على المطالبة بأموال أكثر، ودفع المزيد من المتبقي من الأموال إلى أيادي الموجودين في القمة.

لكن المشكلة الأساسية التي تدفع كل المشاكل الأخرى، هي أن المال، أو الثروة تحديدا، هو القوة. فيملك الملياردير رؤوس أموال ضخمة للاستثمار في مشاريع جديدة، ممليا علينا (الأميركيون العاديّون) نوعية الوظائف التي سيتم توفيرها، ولمن، وماهيتها، والأجور المدفوعة لقاءَها. بل أكثر من ذلك، فإن المليارديرات هم الذين، بحكم القوة التي تجعلهم أصحاب المليارات، يسيطرون على النظام المالي وحوكمة الشركات التي تشكل كل النشاط الاقتصادي في البلاد. فشكل الوظائف التي نعمل بها وما الذي يمكن أو لا يمكن أن نعمل به، وما الذي نجنيه تحت ظروف عمل معينة، تُعتبر جميعها جوانب بالغة الأهمية من الحياة اليومية للأميركيين، ويديرها أصحاب المليارات على نمط الأمراء الإقطاعيين.

وبالطبع، يتبرع بعض أصحاب المليارات بمبالغ هائلة للجمعيات الخيرية. ولكن ذلك مجرد تلخيص للمشكلة، فمجتمع أصحاب المليارات الصغير، لديه السيطرة على اختيار الأهداف والأولويات والقيم التنظيمية لكثير من الأعمال الخيرية في الولايات المتحدة والعالم، أيضًا.

وأخيرًا، فإن أصحاب المليارات يصوغون سياساتنا. وهذه المسألة ليست متعلقة بالتبرعات فقط، رغم أن ذلك يلعب بالتأكيد دورًا. بل إنها، كمسألة جاذبية اجتماعية محضة، يستحوذ أصحاب المليارات على أوقات السياسيين وتركيزهم ودوائرهم الاجتماعية. وبشكل حتمي، تتشكل رؤية السياسيين للعالم تباعا لرؤية أصحاب المليارات له، ما يعني أنه عندما يتحول الشخص إلى ملياردير فيُصبح لديه تأثير هائل لإقناع شركائه في المواطنة (المواطنين العاديين) أن وجود أصحاب المليارات ضروري. وهذا لا يتطلب من أي شخص أن يكون شريرًا عبقريا أو خسيسا. بل يحتاج فقط لأن يكون أصحاب المليارات خطّائين، وأنانيين، مثل أي إنسان آخر، لكنهم مشبعون فقط بقوة غير متناسبة في المجتمع.

المشكلة في أبسط صورها، هي أن الديمقراطية الحقيقية غير ممكنة فعليا، في مجتمع يحتوي على أصحاب المليارات.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية