تعزيز الاتصالات وسياحة الأغنياء... مستقبل الفضاء القريب

تعزيز الاتصالات وسياحة الأغنياء... مستقبل الفضاء القريب
توضيحية (pixabay)

حفّزت اللحظة التي وطأت فيها قدم نيل أرمسترونغ على سطح القمر قبل 50 عامًا، الرهبة والكبرياء والتعجب في جميع أنحاء العالم، وجادلت "ذي أكونومسيت" في حينها، بأن "الإنسان، من هذا اليوم فصاعدًا، يمكنه أن يذهب إلى أي مكان في الكون يشاء عقله (الذهاب إليه) وتدبره براعته... وعاجلا وليس آجلا، من المؤكد أن الإنسان سيزور كواكبا" أخرى. كل ذلك كان خاطئا، فقد كان الهبوط على سطح القمر شذوذا، وهو هدف لم يتحقق كغاية في حد ذاته وإنما كوسيلة للإشارة إلى قدرات الولايات المتحدة الاستثنائية، وبعد توضيح قدراتها، لم تعد بحاجة إلى إعادة التأكيد عليها مرّة أخرى، ولم يُسافر إلى المدار الأرضي، سوى 571 شخصًا في تاريخ البشرية؛ ومنذ عام 1972، لم يغامر أحد في الفضاء أكثر من قاعدة دي موين الفضائية في شيكاغو.

لكن العقود الخمسة المقبلة ستبدو مختلفة تماما، فتكاليف هذا القطاع في انخفاض مستمر، والتقنيات الجديدة في حالة تطور دائم، كما تتصاعد الطموحات الصينية والهندية، ويُولد جيل جديد من رواد الأعمال الذين يتعهدون بعصر جريء من تطوير قطاع استكشاف الفضاء، ومن المؤكد تقريبا، أن العقود المقبلة ستشهد سياحة أغنياء في الفضاء، وتحسن الاتصالات للجميع؛ وعلى المدى الطويل قد تشمل أيضا، استغلال المعادن (في الكواكب المختلفة) وحتى التنقل الجماعي، وسوف يصبح الفضاء أشبه بامتداد للأرض، ولن ينحصر على الحكومات فحسب، بل سيصبح ساحة للشركات والأفراد أيضا، لكن لكي تتحقق هذه الغاية، يحتاج العالم إلى إنشاء نظام قوانين يحكم السماوات، في زمن السلم، وفي حالة الحرب إن آلت الأمور إلى ذلك.

لقد ركز تطوير مجال استكشاف الفضاء حتى الآن على تسهيل النشاط على سطح الأرض، وتحديدا اتصالات الأقمار الصناعية للبث والملاحة، لكن اليوم، هناك متغيران جديدان في هذه المعادلة؛ يتجسد الأول في الأوضاع الجيوسياسية في أنحاء العالم، التي باتت تحفز إرسال دفعة جديدة من البشر إلى ما وراء المدار الأرضي، فمثلا، تخطط الصين لإرسال بشر إلى القمر بحلول عام 2035، وتريد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن يعود الأميركيون إلى هناك بحلول عام 2024، وأصبح يُمكن تغطية هذه المنافسة في التباهي بالإنجازات، بسبب انخفاض تكاليف القطاع، فبينما بلغت تكلفة مشروع "أبولو" في نهايات ستينيات القرن الماضي، مئات المليارات من الدولارات (بمعايير اليوم)، فقد أصبحت الآن تتطلب عشرات المليارات فقط.

وأما المتغير الثاني، فهو نمو القطاع الفضائي الخاص بشكل كبير على مدار الأعوام الخيرة، فبين عامي 1958 و2009، كان معظم الإنفاق على الفضاء يتم عن طريق وكالات حكومية، وخصوصا ناسا والبنتاغون في الولايات المتحدة، لكن في العقد الماضي، ارتفع الاستثمار الخاص في المشاريع الفضائية، إلى متوسط سنوي قدره 2 مليار دولار في السنة، وهو ما يعادل 15 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام (في الولايات المتحدة) على هذه المشاريع، ومن المقرر أن يزداد، ونجحت شركة الملياردير إيلون ماسك، "سبيس إكس"، بإطلاق 21 صاروخا مخصصا للأقمار الصناعية في العام الماضي وتبلغ قيمتها 33 مليار دولار، كما يبيع الملياردير جيف بيزوس، مؤسس شركة "أمازون"، ما قيمته مليار دولار من أسهمه في الشركة، سنويا، لدفع ثمن مشروع "بلو أوريجن" المتخصص بالفضاء. وتخطط شركة "فيرجن غالاتيك" المعنية بالرحلات التجارية الفضائية، للاكتتاب العام هذا العام بقيمة 1.5 مليار دولار. وبالإضافة إلى رأس المال والأفكار التي يوفرها القطاع الخاص، فإن كفاءته أكبر بكثير من القطاع الحكومي. ووفقًا لوكالة ناسا، فإن تطوير صواريخ "فالكون" التي عملت عليها "سبيس إكس"، كان سيكلف الوكالة أربعة مليارات دولار، في حين أنها تُكلّف الشركة عُشر هذا المبلغ.

ويتوجه العاملون في القطاع إلى تبني نموذجين تجاريين جديدين يميّزان القطاع الفضائي، وهما، تجارة إطلاق وصيانة أسراب الأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات، في مدارات منخفضة، وبناء البنى التحتية الملائمة لسياحة الأثرياء في المستقبل القريب، وبات من شبه المؤكد أن شركتي "فيرجين" "وبلو أوريجن" ستطلقان العام المقبل، مراكب إلى الفضاء تقل على متنها، مسافرين في رحلات قصيرة دون مدارية توفر التشويق من انعدام الوزن بسبب الجاذبية، ومنظرًا للحافة المنحنية للأرض مقابل الفضاء حالك السواد. وتدعي "فيرجن" أنها قد تقل نحو ألف مغامر ثري سنويًا في رحلات مشابهة بحلول عام 2022.

وتعمل "سبيس إكس" على تطوير مركبة فضائية ذات قابلية أكبر لإعادة الاستخدام وأكثر قدرة من صواريخ "فالكون" الخاصة بها. ودفع عملاق صناعة الأزياء الياباني، يوساكو ميزاوا، دفعة مقدمة لرحلة مركبة فضائية حول القمر، ينوي الذهاب إليها برفقة طاقم من الفنانين في وقت مبكر من عام 2023.

وقد تؤدي هذه الإمكانيات، إلى تضاعف الإيرادات السنوية لصناعة الفضاء لتبلغ ما لا يقل عن 800 مليار دولار بحلول عام 2030، وفقا لبنك "يو بي إس"، بل هناك ما هو أبعد من ذلك في المستقبل، إذ يمكن أن يفضي تطور قطاع استكشاف الفضاء إلى إعادة تشكيل الحياة البشرية، فماسك، يأمل إرسال مستوطنين إلى المريخ، فيما يريد بيزوس، أغنى رجل في العالم، أن يرى الملايين من الناس يعملون في المحطات الفضائية، ربما قبل أن تحيي بصمة أرمسترونغ على القمر، ذكراها المئوية.

وفي الوقت الذي تواجه فيه الأرض أخبارًا قاتمة حول التغير المناخي، وعن النمو الاقتصادي البطيء، في ظل واقع سياسي مشحون، قد يبدو أن الفضاء يوفر سببًا مدهشًا للتفاؤل، لكنه ليس دواء سحريا ولا ملاذا، ولتحقيق الآمال المتوخاة منه، يجب حل مشكلة كبرى وتجنب خطر كبير، يكمن في تطوير منظومة قانونية تنظم "استكشافه"، فمعاهدة الفضاء الخارجي المبرمة عام 1967، تنص على أن الفضاء هو "مقاطعة للبشرية بأكملها" وتمنع المطالبة بالسيادة على أجزاء منه. وذلك يترك مساحة كبيرة للتأويل، فمثلا، تقول الولايات المتحدة، إن للشركات الخاصة الحق في تطوير الموارد الفضائية؛ والقانون الدولي غامض في هذا الشأن.

من سيمتلك أفضل أحقية لاستخدام الجليد في أقطاب القمر لدعم الحياة؟ هل ينبغي السماح لمستوطني المريخ بعمل ما يحلو لهم في البيئة؟ من المسؤول عن تصادم الأقمار الصناعية؟ فالفضاء (القريب من مدار الأرض) أصبح مزدحما بالفعل، فهناك أكثر من ألفي قمر صناعي في المدار وتتتبع ناسا أكثر من نصف مليون قطعة فردية من الحطام التي تحوم في الفضاء بسرعات تزيد عن 27 ألف كم في الساعة.

وتزيد هذه المسائل غير المحسومة من الخطر الأعظم، وهو استخدام القوة في الفضاء. فتعتمد قدرة الولايات المتحدة، منقطعة النظير، على فرض القوة على الأرض، على مجموعة واسعة من الأقمار الصناعية، أما الدول الأخرى، التي تدرك هذه النقطة، صنعت أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، كما فعلت الولايات المتحدة بنفسها، وليس للنشاط العسكري في الفضاء بروتوكولات أو قواعد اشتباك مختبرة على أتم وجه.

وتطور الولايات المتحدة والصين والهند قدراتها التدميرية بتسارع فائق، وذلك يشمل التشويش على الأقمار الصناعية العسكرية باستخدام أشعة الليزر، وتعطيل إشاراتها المُرسلة إلى الأرض، أو حتى تفجيرها، ما سيتسبب في تناثر الحطام في أماكن شتى في أنحاء الكون، كما أنها تحول قواتها المسلحة إلى الفضاء، ويخطط ترامب لإنشاء فرع "القوة فضائية"، وهو أول فرع جديد للجيش الأميركي منذ إنشاء القوات الجوية عام 1947، كما أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عشية العرض العسكري ليوم الباستيل السنوي في 14 تموز/ يوليو، عن تشكيل قيادة جديدة للفضاء.

ما يسري على الأرض يسري على السماء أيضا

من الخطأ الترويج للفضاء باعتبارات رومانسية تشبه وصف "الغرب المتوحش" في الولايات المتحدة، أي تصويره على أنه عبارة عن حدود فوضوية حيث يمكن للبشرية أن تتخلص من أزمتها وتعيد اكتشاف مصيرها. فالحَوْكمة أمر ضروري لكي يحقق الفضاء آمال البشرية، وفي وقت لا يستطيع فيه العالم الاتفاق على قواعد التجارة الأرضية لقضبان الصلب، وفول الصويا، يبدو ذلك مطلبا كبيرا، ولكن من دونها، فإن الإمكانيات الهائلة لكل ما وراء الأرض ستنتظر في أفضل الأحوال 50 عامًا أخرى حتى تُحقق، وفي أسوأ الأحوال، يمكن أن يضيف الفضاء إلى مشاكل الأرض.