"المختلّون نفسيًا" بين العلم والوهم

"المختلّون نفسيًا" بين العلم والوهم
السفاح الأميركي تيد باندي أشهر المختلّين عقليا (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


يستحضر مصطلح المُعتل نفسيا، أو كلمة "السيكوباتي"، في أذهاننا، صورة قاتل عديم الرحمة، أو شرير بالغ الذكاء ومغرور متحجر القلب. وهناك أمثلة كثيرة عن هذا النوع من البشر، كالسفاح الأميركي تيد باندي، الذي اعتاد على خطف النساء وقتلهن ومن ثم ممارسة الجنس مع جثثهن في سبعينيات القرن الماضي. أو كشخصية هانيبال لكتر، في الفيلم الأميركي الشهير "صمت الحملان"، الذي نجح مرارًا، وبمهارة، من الهروب من سجونه المختلفة، لينتهي به الأمر آكلا للحوم الناس الذين يحتقرهم.

وفي مخيّلة الناس السائدة عن "السيكوباتيين"، فإن هذا النوع من الأشخاص يجسّد الشر المطلق. ومع ذلك، فإن أبحاثا كثيرة، تُشير إلى أن هؤلاء مرضى، وليسوا أشرارا، أي أنهم ضحايا عقولهم المختلة. إذن، من هم هؤلاء المعتلّون نفسيا، وما الذي يعانون منه بالضبط؟

وفقا لـ"قائمة تدقيق هير للاعتلال النفسي" التي ابتكرها العالِم النفسي الاجتماعي الكندي، روبرت هير، في سبعينيّات القرن الماضي، وتستخدم منذ ذلك الحين بعد تنقيحها لتشخيص هذا النوع من الاضطراب العقلي، فإن السيكوباتيين هم أشخاص أنانيون، وفصيحو اللسان، وغير مسؤولين، كما أنهم يعانون من ضعف السيطرة على دوافعهم (غرائزهم)، ومن الانكفاء الاجتماعي منذ الصغر، ويفتقرون إلى القدرة على الشعور بالتعاطف والذنب والندم. وهم بحسب هذه القائمة، يسرقون ويكذبون ويغشّون، ولا يحترمون العادات الاجتماعية الخاصة بالآخرين، ولا القانون.

وفي بعض الأحيان، يقومون بتعذيب حيوانات لا حول لها ولا قوة، أو بالاعتداء على أطفال آخرين، أو محاولة قتل أحد أشقائهم أو ذويهم. وإذا ما قُبض عليهم، فهم يميلون إلى التنصل من مسؤولية أفعالهم وبإلقائها على الآخرين، سواءً كان الآخرون ذويهم أم "المنظومة". وبحسب استطلاع أُجري مؤخرا في الولايات المتحدة، فإن 90 بالمئة من السيكوباتيين الأميركيين الذكور، يجلسون خلف القضبان، أو يخضعون لشروط تقييد تحركاتهم، أو متورطون بطريقة أو بأخرى مع النظام القضائي. ونظرا إلى الاعتقاد السائد بأن المرضى النفسيين هؤلاء، لا يشكلون سوى حوالي 1 بالمئة من عامة السكان، فإن نسبتهم في الجريمة مُرعبة. وبسبب هذا الارتباط الوثيق بالإجرام، أُطلق على السيكوباتية في الماضي، تعبير "الجنون الأخلاقي".

وسيطرت هذه الصورة التنميطية للسيكوباتية، على تفكير العامة والباحثين على حد سواء، فهي صورة مثيرة للإعجاب ومُطمئنة في الوقت ذاته. فالسيكوباتي هو شخص مريض، ومختل، ويفتقر إلى الضمير الأخلاقي، أي أنه بمعنى آخر، ليس مثلنا، نحن "الأصحاء"، لكن هذا غير صحيح.

السيكوباتي ليس مصدر الشرور في العالم

لا يعاني السيكوباتيون بشكل عام، من فقدان كلي لقدرة ما، يميّزهم عن باقي البشر، وغالبا ما تكون عيوبهم صغيرة ومحدودة. ومن المؤكد أنهم لا يفتقروا للقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ أو اتخاذ قرارات حسنة النية أو الشعور بالتعاطف مع الآخرين. لكنهم يعانون من مجموعة من المشاكل الدنيوية، مثل الإفراط في تحديدهم للأهداف وانعدام الخوف والأنانية. بل أكثر من ذلك، ربما تكون ردود أفعالنا أقرب إلى "ردود فعلهم" مما ندرك، على فرض أنهم مجموعة مختلفة عنا. فنحن، تماما كالسايكوباتيين، بوسعنا زيادة شعورنا بالتعاطف أو تقليله طوال الوقت. وبرغم الثناء الذي نسبغهُ على التعاطف، فإنه بعد إلقاء نظرة فاحصة على هذا الشعور تحديدا، نجد أن معناه يرتبط بشكل أكبر بنوع من أنواع غريزة الحفاظ على الذات، من أي شعور "دافئ أو حميم".

الصورة التنميطية عن المختلّ نفسيا: قاتل بدم بارد (بيكسابي)
الصورة التنميطية عن المختلّ نفسيا: قاتل بدم بارد (بيكسابي)

بدلاً من القيم المتطرفة الغريبة، فإن السيكوباتيين يكشفون حقائق مهمة حول الأخلاق الإنسانية. ولكن هل نحن على استعداد لقبول ما قد يعلمنا ذلك؟

عند النقاش حول ما الذي يعاني منه السيكوباتييون، يطرح الباحثون إجمالا، نظريتين أخلاقيتين متنافستين، ويضعونهما في مواجهة بعضهما البعض.

يَعتبر التوجه الأول، المعروف باسم العقلانية، التمييزَ بين الصواب والخطأ، مسألةً منطقيةً لا شعورية. ويدّعي بعض الفلاسفة، أن السيكوباتيين يُظهرون أن العقلانية هي أمر خاطئ كليا، وبالنظر إلى أنهم منطقيون تماما كبقية الناس، بل إنهم، في الواقع، يفوقوننا ذكاءً طوال الوقت، ومن هنا يتم تصويرهم على أنهم مخادعون بارعون، إذن، فالحقيقة أنهم عقلانيون، لكنهم قادرون على ارتكاب أعمال غير إنسانية، أيضًا، تدلّ على أن الحساسية الأخلاقية لا يمكن أن تستند إلى المنطق وحده.

لكن هناك أمر غير منطقي هنا، فإن كان للسيكوباتيين ذكاء خارق، فلماذا يتورطون باستمرار مع الأجهزة التنفيذية والقضائية في الدولة؟

في تصويره الرسمي للسيكوباتية، يصف هير في كتاب "بدون ضمير" (1993)، رجلًا كان في طريقه إلى حفلة، وقرر الذهاب للحصول على بضعة زجاجات من البيرة، وعنما أدرك أنه نسي محفظته في المنزل، قام الرجل، الذي سجل أعلى درجات قائمة هير للاعتلال النفسي، بسرقة أقرب محطة وقود، ما أدى إلى إصابة موظف المبيعات بجروح خطيرة، بعدما ضربه بقطعة خشب ثقيلة.

وبحسب هذا المثال، فالسيكوباتيون ليسوا غير عقلانيين بمعنى أنهم غير قادرين على التفكير بوضوح، لكنهم يتصرفون بطريقة غير عقلانية. فهم يتصارعون مع ما يُطلق عليه الفلاسفة "أسباب التصرفات"، أي الاعتبارات التي تدفعنا لاتخاذ قرار بتصرف ما، كالأخذ بعين الاعتبار، احتمالية تحقيق الأمر الذي سنفعله، لأهدافنا، دون أن يتعارض ذلك مع مشاريع أو غايات أخرى. فمثلا، رغم أن ضرب عامل المتجر بهراوة، يخدم هدف الشخص المذكور أعلاه بالحصول على زجاجات من البيرة للحفلة التي ذهب إليها، إلا أن هذا التصرف يُحبط رغبة أكثر إلحاحا، وهي البقاء خارج السجن. ويبدو أن السيكوباتيين يفتقرون إلى القدرة على دمج جميع العوامل المختلفة التي تدخل في عملية اتخاذ خيارات جيدة، وغالبًا ما يكون لديهم مبررات ضعيفة لأفعالهم.

وتؤكد الأدلة النفسية، أن السيكوباتيين يعانون من عجز في المنطق يُؤثر على طريقتهم في اتخاذ القرارات. ويميلون عادة إلى تكريس أنفسهم للمهمة الملقاة أمامهم (أي كانت هذه المهمة)، متجاهلين المعلومات المتصلة بها من حيث السياق؛ وعندما لا يكون للسياق دور هام في هذه المهمة، فإنهم ينجزونها على أفضل وجه.

ووجدت دراسات أخرى، أن السيكوباتيين يُعانون من مشاكل في عكس ردود أفعالهم؛ فهم لا يستطيعون التأقلم بشكل جيّد مع فكرة أن بعض أفعالهم السابقة التي كوفئوا عليها، أصبحت مصدرا للعقاب، والعكس صحيح. وعلى نحو مشابه، وجد هير ومعاونه جيفري جوتاي، أنه إذا ما طُلب من السيكوباتي أن يعبر متاهة ما، فإنه يصر على متابعة تكتيكه الأول، بمثابرة بالغة، حتى لو تسبب ذلك بتلقيه صدمات كهربائية مؤلمة. وبخلاف معظم الناس الذين يتوقفون ويبحثون عن طرق مختلفة للخروج من المتاهة، فإن المعتلين نفسيا، لا يفعلون ذلك. ويمتد انعدام الحساسية هذا إلى التهديدات الاجتماعية.

وتدعم هذه الاكتشافات فكرة العقلانية، القائلة إن لا أخلاقية السيكوباتيين تأتي من انعدام قدرتهم على التفكير جيدا. لكن يُمكن للقارئ أن يُلاحظ أن السيكوباتيين لا يشعرون بالخوف في مواقف كثيرة من شأنها أن تُشعر مُعظم الناس "العاديين" بالخوف. وعلميًا، فإن الخوف هو شعور. هذا يعيدنا إلى معسكر الأشخاص الذين يعتقدون أن العاطفة، وليس العقل، هي عنصر الأخلاق الأساسي، ولذا، فهم عادة ما يركزون على التعاطف.

العاطفية كمصدر للأخلاق

بصرف النظر عن بعض منتقدي نظرية التعاطف، مثل عالم النفس بول بلوم من جامعة ييل والفيلسوف جيسي برينز، من جامعة سيتي في نيويورك، فإن المنظرين والباحثين، عادة ما يولون التعاطف أهمية بالغة. ويعود ذلك جزئيا إلى مدى اتساق فكرة التعاطف مع النظرية الأخلاقية الرئيسية الثانية المعروفة باسم العاطفية.

رأى فيلسوفا القرن الثامن عشر ديفيد هيوم وآدم سميث، أن العاطفيين يعتقدون أن القدرة على تمييز الصواب عن الخطأ تستند إلى الميل بالشعور بما يشعره الآخرون. ولأننا نعاني مع الآخرين، فإننا نرى أن معاناتهم سيئة أو خاطئة. وبفضل هذه المشاعر المتعاطفة، نحن نهتم بما يحدث للآخرين حتى لو لم يؤثر مصابهم علينا بشكل مباشر.

ويُعتبر البحث النفسي الاجتماعي حول الاهتمام بالتعاطف، أحد أفضل المصادر التجريبية لهذه الادعاءات، فيؤكد علماء النفس العاملون في مجال التنمية، مثل مارتن هوفمان من جامعة نيويورك ونانسي إيزنبرغ من جامعة ولاية أريزونا، أن العاطفية تلعب دورًا رئيسيًا في الكفاءة الاجتماعية والتفاهم الأخلاقي. ويدعي دان باتسون، أن الاهتمام بالتعاطف هى عبارة عن شعور دافئ، طيب القلب، وعاطفي تجاه شخص محتاج، الأمر الذي يؤدي إلى سلوك محب لغير الصادق. ويحفزنا التعاطف على التعامل مع الآخرين بشكل جيد، وهو في أساس الاحترام الأخلاقي للآخرين. ويبدو أن السيكوباتيين يثبتون صحّة هذه الأفكار، ويفتقرون على ما يبدو إلى المعنى الأخلاقي والتعاطف.

مع ذلك، فإن السيكوباتيين، يبلون بلاءً حسنا ومفاجئا، في التجارب العلمية حول التعاطف، لكن بالنظر إلى أن هذه الاختبارات تعتمد عادة على التقارير الذاتية، وأن هذا النوع من الأشخاص عادة ما يميلون إلى الكذب، فليست هذه النتيجة مفاجئة بالضرورة.

لكن السيكوباتيّن يسجلون نتائج مثيرة جدا في الاختبارات التي تفحص الاستجابات الفسيولوجية والدماغية. وعلى سيبل المثال، فعند إجراء فحص "الاستجابة الجلدية الجلفانية"، والذي يقيس مدى جودة إيصال جلد الإنسان للكهرباء؛ وهو مؤشر جيّد لقياس حالة الإنسان العاطفية، حيث أنه عندما يعرق الشخص أثناء الاستجابة لوضعيات كالضغط أو الخوف أو الغضب، فإن جلده يُصبح أكثر إيصالا للتيار الكهربائي، بشكل لحظي. وكما هو متوقع، عند إجراء هذا الفحص على السيكوباتيين، وعرض صورٍ لأشخاص يعانون من ضائقة ما أمامهم، فإن مؤشر الاستجابة الجلدية، يُظهر حركة أقل للتيار الكهربائي في الجلد، بعكس الأشخاص غير السيكوباتيين.

فيما تقيس تجارب أخرى، استجابات الأشخاص للصدمة؛ أي أنه عندما يعرض الباحثون صورًا يعتبرها الشخص الخاضع للاختبار، بمثابة تهديد له، فإنهم يفزعون بسهولة أكبر استجابة للأصوات العالية. ويستجيب السيكوباتيون في هذا النوع من الاختبارات بشكل طبيعي للتهديدات المباشرة، أي أن صورة لفك قرش خطير أو ثعبانٍ في غاية الخطورة تُفزعهم، لكن ذلك لا يحصل مع التهديدات الاجتماعية، أي عند عرض صور لأشخاص يعانون من الألم أو الضيق. بينما يستجيب الأشخاص العاديون، بالفزع ذاته لكلا الخطرين.

ما الذي من الممكن أن أفعله للحرب في سورية؟ (أ ب)
ما الذي من الممكن أن أفعله للحرب في سورية؟ (أ ب)

ودرس علماء الأعصاب، أيضًا، تجاوب السيكوباتيين التعاطفي. وأظهرت الدراسات التقليدية التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف لا تنشط لدى السيكوباتيين كما تفعل عند الأشخاص العاديين. لكن عندما قامت عالمة الأعصاب البيولوجية، هارما ميفرت، وزملاؤها من جامعة غرونغين في هولندا، بأمر الأشخاص السيكوباتيين الذين كانوا يجرون عليهم تجربتهم، بشكل مباشر، أن "يشعروا" بيدٍ تمّت ملاطفتها أو دفعها بعنف، اكتشف الباحثون أن المرضى النفسيين كانوا قادرين على الاستجابة بطريقة طبيعية. وبمعنى آخر، عندما يتم إخبار السيكوباتيين، بالتعاطف مع شخص آخر، بشكل صريح، فيمكنهم القيام بذلك.

لقد اكتشف عالِم الأعصاب جان ديسي، وزملاؤه من جامعة شيكاغو، شيئًا مماثلًا. فقد وضع أمام السيكوباتيين الذين أجرى عليهم تجربته، صورًا لأطراف أشخاص في وضعيات مؤلمة، مثل يد عالقة في باب سيارة، وطلب منهم أن يفكروا بأمرين، الأول أن يتخيلوا نفسهم في موقع الشخص، أو أن يتخيلوا أن شخصا آخرَ يعاني من هذا الألم. وعندما تخيلوا أنهم في موقف مؤلم، أظهروا شيئًا قريبًا جدًا من استجابة دماغ التعاطف النموذجية، ولكنهم عندما تخيلوا أن شخصًا آخر كان في نفس الموقف، لم تنشط مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف كثيرًا.

إذا كان السيكوباتيون يعانون من عطبٍ في التعاطف، فإن تحديده ليس في غاية السهولة كما نظن، فعند قياس أنشطة الدماغ بطريقة مختلفة عما سبق، فإن مشكلة انعدام التعاطف تُصبح أكثر تعقيدًا. يفحص "تخطيط أمواج الدماغ" النشاط الكهربائي للدماغ على مدار وقت معين، بعكس التصوير بالرنين المغناطيسي، الذي يفحص هذا النشاط بشكل لحظي.

وتكشف دراسات تخطيط أمواج الدماغ التي أُجريت على السيكوباتيين، معلوماتٍ كثيرةً عنهم، وتُشير هذه الدراسات، كما يبدو، إلى أن استجابة أدمغتهم، الأولية، عند رؤية أشخاص يعانون من أمر ما، سليمة إلى حد كبير.

ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة "الاستجابة التوجيهية"، أي تحويل الاهتمام إلى محفز، وفي هذه الحالة، فإن شخصا آخرَ يُعاني من مشكلة ما.

وترتبط هذه الاستجابة التوجيهية مع الجهاز العصبي الودي، الذي يحرك استجابة دفاعية. ويبدو أن رد الفعل الأول هذا لا إراديًا لدى السيكوباتيين والأشخاص العاديين على حد سواء. لكن ما يحدث في المراحل اللاحقة مختلف، فبدلًا من أن تستمر استجابة السيكوباتيين الدفاعية، بالتعاظم، وأن يصبح اهتمامهم منصبًّا أكثر على الشخص الذي يعاني من ضائقة ما، فهي تضعف وتبدأ بالاختفاء. لماذا؟

تُقدم الأبحاث حول التعاطف، تلميحات حول ذلك، حيث يبدو أن الأطباء يُظهرون تصرفات مشابهة لتلك التي يبديها السيكوباتيون عندما ينظرون إلى أشخاص يُحقنون بالإبر. ونظرا إلى أنّ الأطباء لديهم القدرة الكاملة على التعاطف مع الآخرين عندما يحتاجون إلى ذلك، فإن الفكرة في انخفاض تعاطفهم المذكور أعلاه، تنبع بالضرورة من أنهم قادرون على تطبيق استجاباتهم الإدراكية بناء على سيطرتهم على عواطفهم. ولأنهم مضطرون إلى فعل أمور غير سارة بالنسبة لمرضاهم، أو مؤلمة، فإنهم يتعودون على كبت استجاباتهم العاطفية الطبيعية.

ويتلاءم هذا التفسير مع ما نعرفه عن العلاقة بين التعاطف والمكافأة؛ فقد وجدت الدراسات أن الرجال يحسّنون فهمهم لما يفكر فيه الآخرون ويشعرون به فقط عندما يُدفع لهم (مكافآت) لكي يشعروا بذلك على أحسن وجه، في حين أن النساء يعتبرن أن فهم الآخرين هو مكافأة بحدّ ذاته.

ودون الدخول في هذا النوع من القضايا الجنسانية الشائكة، يمكّننا أن نستنتج أن الناس، بشكل عام، قادرون على تعديل تعاطفهم وفقًا للعقاب أو التعود أو المكافأة. لذلك ربما ينبغي لنا أن نفكّر بالطريقة ذاتها عند التعامل مع السيكوباتيين؛ أي أنهم يفتقرون للاستجابات المتعاطفة مع الآخرين الذين يعانون من ألم ما، لكنهم ليسوا غير حساسين تجاههم، في طبيعتهم.

ولا يكتفي هذا الدليل بدفعنا إلى إعادة التفكير بالسيكوباتية بحد ذاتها، بل يُجبرنا على إعادة النظر في التعاطف ودوره في أهليّة الأخلاق. بادئ ذي بدء، من الخطأ التفكير بما يعاني منه السيكوباتيون، من حيث الافتقار إلى القدرات. فهم ليسوا عاجزين على فهم معنى أن يكون لدى الإنسان هدف ما أو غاية، ولا هم عاجزون على الشعور بالتعاطف مع الآخرين. قد تكون لديهم قدرات ناقصة، كما قد نقول، لكن هذا النقص عادة ما يكون صغير ويعتمد على السياق.

وبشكل مشابه، فإن السيكوباتيين ليسوا شاذّين بشكل كامل بحسب معايير التعاطف، وفي الواقع، يصفهم أناس كثر بأنهم جذابون وفاتنون للغاية. ويُعد هير (الباحث) من أعظم المختصين في السيكوباتية، ويصف في كتابه "بدون ضمير"، كيف تعرض للخداع من قبل أحد السيكوباتيين الذي دعاه إلى عرض بحث في مؤتمر ما. وكان من المفترض بحسب الدعوة، أن يتلقى تكريما وأن يحصل على أموال تغطي رحلته، لكنه لم يحصل على دولار واحد. ورغم أنه أمضى وقتا ممتعا مع الرجل (السيكوباتي)، في المؤتمر، فلم يشكك بنواياه البتة.

وتكمن الفكرة بأنه لكي يستطيع السيكوباتي أن يخدع مختصا كهذا، أو أن يُقنع الناس بأن يفعلوا أمورا ما كانوا سيفعلونها لولاه، فليس بوسعه أن يكون رجلًا آليا خاليا من المشاعر. وتقول القصة المعتادة إن هذا النوع من الأشخاص قادر على تزوير مشاعره. ولكن التفسير الآخر الأكثر قبولا هو أن التعاطف لا يمكن أن يكون مزيفًا بالفعل، وأن السيكوباتيين هم ببساطة أكثر قدرة على التحكم بتعاطفهم، أي بتفعيله أو بإيقافه.

وما يجعل الطريقة هذه في رؤية السيكوباتيين، مثيرة للاهتمام بشكل خاص، وهدّامة، أيضًا، هو أنها تجعلهم يبدون أكثر تشابها مع الأشخاص العاديين. ولنأخذ التعاطف مع الآخرين الذين يعانون من محنة ما، مثالا على ذلك؛ يبذل الشخص العادي عادة، أقصى جهد لتجنب الشعور بالتعاطف، عبر إزاحة نظره عن المتشرّدين في الشارع، أو تقليب قنوات التلفاز لئلّا يُشاهد المشاهد المأساوية أو المدمرة. وفي بعض الأحيان، فإنه من المنطقي أن يحمي الشخص ذاته من التعرض للألم بسبب آلام الآخرين، فلا يُمكننا تغيير مصير كل من يعاني في العالم، مهما حاولنا ذلك.

مع ذلك، قد يكون معظمنا ذا فعالية كبيرة لتغيير معاناة الأشخاص، إذا ما حاولنا بالفعل. فإذا ما سألت نفسي ما الذي يمكنني فعله شخصيًا بشأن الأزمة في سورية؟ فإن الإجابة ستكون على الأرجح، أكثر مما أفعله في الوقت الحالي.

لا يخجل معظمنا من عدم مساعدة الآخرين لأننا لا نستطيع ذلك، ولكن ذلك ينبع من عدم رغبتنا في إنفاق الوقت والموارد المطلوبة لمساعدتهم. لذلك قد لا يكون السيكوباتيون شاذين في رفضهم الشعور بهؤلاء الذين يعانون. وربما يكونون ببساطة في أقصى طرف من الطيف الذي يمثلنا جميعا بالنسبة للتعاطف.

وتكمن السقطات الكبيرة الأخرى للبحث عن التعاطف في السيكوباتيين، في إعادة التفكير العميق في التعاطف نفسه. فلا يبدو الاهتمام التعاطفي الذي يتحدث عنه معظم علماء النفس، بتاتا، مثل الاستجابة التجنبية للآخرين المحتاجين والتي يبدو أن السايكوباتيين يفتقرون إليها. ومن الأفضل التفكير في هذا النفور على أنه "ضائقة شخصية"، أي تجربة غير سارة يمكن وصفها بكلمات مثل "الحزن"، أو "الانزعاج"، أو "الاضطراب"، أو "الغضب". وتنبع هذه الضائقة كاستجابة دفاعية لخوف الآخرين أو ألمهم، وهو شيء نشعر به لأنفسنا مثلما يشعر به الآخرون، ونحاول تجنبه كلما استطعنا.

ويعتقد معظم علماء النفس أن الضائقة الشخصية، تتعارض مع الأخلاق. لماذا؟

لأنها تقودنا إلى تجنب الشخص المحتاج. وعند قلب هذه المسألة رأسًا على عقب، تشير السيكوباتية إلى أن جزءًا مهمًا من الأخلاق يكمن في ميلنا إلى الإحباط الشخصي. نحن متحمسون لعدم إلحاق الأذى بالآخرين لأن رؤية الألم والشدة أمر مؤلم، بالنسبة لنا.

وتشير استجابة السيكوباتي للأشخاص الذين يعانون، إلى أن ما نعرفه على أنه أخلاقي، قد لا يستند إلى مشاعر إيجابية، أو اجتماعية، ولكن، أيضًا، إلى المشاعر السلبية والمجهدة والموجهة نحو الذات. وهذه ليست نسخة التعاطف التي نحب، ولكنها رد فعل بدائي لا يبدو أن له علاقة بالاهتمام الكبير لإنسانية الآخرين.

لكن ما الذي يكشف إنسانيتنا المشتركة، هو أكثر من حقيقة أنني أشعر بالأسى الشخصي لما يحدث لك. فما الذي يمكن أن يجعلني أكثرا إدراكا لأهمية معاناتك؟ قد يكون الجزء الشخصي من الضائقة العاطفية محوريًا في إدراكي لما هو سيّئ جدًا بشأن إيذائك. فالتفكير في القيام بذلك يملأني بالجزع. ويمكن القول إن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة، يكمن في كبح رغبتي في إلحاق الأذى بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية، وليس في قدرتي على مساعدة شخص محتاج. ولقد ركزت أبحاث علم النفس الاجتماعي على كيفية تحركنا لمساعدة الآخرين، لكن هذا دفعنا إلى تجاهل جوانب مهمة من الأخلاقيات. وتعيد السيكوباتية، الضائقة الشخصية، إلى أساس فهمنا للأسس الأخلاق النفسية.

وآخر ما يُمكننا تعلمه من هذا التحليل، هو ما إذا كان العاطفيون أو العقلانيون على صواب عندما يتعلق الأمر بتفسيراتهم للعجز الأخلاقي الموجود لدى السيكوباتيين، فالأدلة تدعم كلا الموقفين. وليس علينا أن نختار بينهما، وفي الواقع، سيكون من السخف أن نفعل ذلك. فقد ركز المفكرون العقلانيون الذين يعتقدون أن السيكوباتيين يعانون من نقص في المنطق، على كيفية عدم خوف هؤلاء من العقاب، كما يفعل بقية البشر. وهذا يعود بعواقب في منطق صنع القرار الموجود لديهم، لأنه دون خوف نسبي، لا يمكن للمرء أن يتعلم التصرف بشكل مناسب. ولكن على جانب العاطفيين، المؤمنين بالتوجه العاطفي، فإن الخوف والقلق هما ردّتا فعل عاطفيّتان. وغيابهما يضعف قدرتنا على اتخاذ قرارات جيدة، ويسهل العنف النفسي.

فالخوف إذن، يعظم الفجوة بين العاطفة والمنطق. فهو يلعب دور المزدوج المتمثل في تقييد قراراتنا من خلال فهمنا لأهمية معاناة للآخرين، ومن خلال تحفيزنا لتجنب بعض الأفعال والمواقف.

ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت أهمية الخوف ستكون مستساغة للفلاسفة الأخلاقيين. فاستجابة الحزن والقلق في مواجهة آلام الآخرين تكون عادة حادة، وغير سارة، وشخصية. وهي تتناقض تناقضا تاما مع الفهم المشترك للهم الأخلاقي باعتباره دافئًا وواسع النطاق وأنه موجه بشكل أساسي، للآخر.

وأخيرًا، يجبرنا السيكوباتيون عل مواجهة مفارقة في جوهر الأخلاق: وهي أن حقيقة اهتمامي بما يحدث لك تستند إلى حقيقة ما يهمني عما يحدث لي.


الكاتبة أستاذة الفلسفة في جامعة سينسيناتي. وهي محرّرة "كتاب روتليدج لفلسفة التعاطف" (2017).