أكاذيبُ الإعلام حول الأزمة التجاريّة الأميركيّة

أكاذيبُ الإعلام حول الأزمة التجاريّة الأميركيّة
الصورة في مصنع في دايتون بأميركا استُخدمت بفلم وثائقي في "نتفليكس" (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة وبتصرّف لـ"عرب 48" لمقالٍ للمدير المشارك بمركز الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة، دين بيكر 


نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في الأسبوع الماضي، مقالا، تحت عنوان يقول إن المرشحين الديمقراطيين المتنافسين على رئاسة البلاد في عام 2020، يواجهون مشكلة كبيرة وهي "كيف السبيل لاتباع سياسة أكثر صرامة تجاه التجارة مِن التي انتهجها ترامب؟"، وقد يكون ذلك قد تسبب بتساؤلات جدية للقراء حول معنى "الصرامة التجارية"، ففي نهاية المطاف، التجارة هي محض أداة اقتصادية تماما كما أن المجرفة هي أداة للحفر، وكيف يُمكننا أن نكون أكثر صرامة تجاه المجرفة مثلا؟

وعلى الرغم من أن هذا العنوان قد يكون فظيعًا بشكل خاص، إلا أنه يميز التغطية الإعلامية الأميركية للشؤون التجارية، والتي تتبنى وجهة النظر الترامبية (تيمنا باسم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب) بالكامل تقريبا، تجاه الموضوع، فيصور الإعلام القضية على أن هناك دولة ما، وتحديدا الصين، تستفيد على حساب الولايات المتحدة. وبينما تتخذ وسائل الإعلام مقاربات مختلفة بعض الشيء عن نهج الدولة في مواجهة دولة أجنبية، والذي يتبعه ترامب، لكنها مع ذلك تتبنى المنطق الترامبي الغبي ذاته.
وبحسب منطق ترامب، الذي يظهر على الأقل في تصريحاته حول الموضوع، فإن العجز التجاري هو المقياس المركزي للرابحين مقابل الخاسرين، وفي حالة المواجهة مع الصين، فإن فائضها التجاري الضخم مع الولايات المتحدة (420 مليار دولار عام 2018) يجعلها العدوة الأولى لترامب، وهذا لا يعني أن العجز التجاري الأميركي لا يؤثر سلبا على حياة العمال، بل إنه كذلك بالتأكيد، لكن ذلك لا يعني أن الصين تفوز على حساب الولايات المتحدة بسبب "غباء" المفاوضين التجاريين الأميركيين، كما يفترض ترامب.

(أ ب)

لم يكن العجز التجاري الأميركي مقابل الصين، محض صدفة، فقد وقّعت الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، على اتفاقيات تجارية سهلت تصنيع السلع في الصين وغيرها من الدول، ومن ثم تصديرها مرة أخرى إلى الولايات المتحدة.
وفي حالات كثيرة، تُرجم هذا الواقع بعزوف شركات أميركية مثل "جينيرال إلكتريك" و"بوينغ" عن السوق المحلية، وتصدير بعض أعمالها إلى الصين للاستفادة من العمالة الرخيصة فيها، فيما قام تجار التجزئة مثل "وولمارت"، في حالات أخرى، بإنشاء سلاسل توريد زهيدة التكلفة، حتى يتمكنوا من ضرب منافسيهم في السوق الأميركية.

ولم تخسر هذه الشركات وغيرها، أرباحا بسبب العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين، بل نجم العجز أصلا عن جهودها الدؤوبة لمضاعفة أرباحها، وليس لدى المسؤولين عنها أسباب جدية ليشعروا بالاستياء من الصفقات التجارية التي وُقعت على مدار العقود الثلاثة الماضية مع الصين، لكن الأمر مختلف تماما بالنسبة للعمال الأميركيين، فلقد خسروا نتيجة تضخم العجز التجاري، أكثر من 3.4 مليون من وظائف التصنيع بين العامين 2000 و2007، أي ما يُعادل 20 بالمئة من الوظائف في القطاع.  وهذا كان قبل انهيار فقاعة الإسكان التي أدت إلى ركود ضخم، فقدنا على إثره 40 بالمئة من جميع الوظائف النقابية في قطاع التصنيع الأميركي.

وتجدر الإشارة أيضا، بعكس ما تُشير وسائل الإعلام بشكل عام، إلى أن فقدان وظائف التصنيع في المدة الزمنية التي امتدت سبعة أعوام، لم يكن جزءا من انحدار اقتصادي ممتد منذ حُقب خلت، فلم تشهد العقود الثلاثة التي سبقت هذه الفترة، هبوطا حادا في وظائف هذا القطاع، كالذي حدث منذ مطلع الألفية.

والادعاء القائل إن سبب الفقدان الهائل للوظائف الذي شهدته هذه الأعوام، هو التحول إلى الآلة، الذي تزامن "صدفة" مع تضخم العجز التجاري، هو ما يصفه الاقتصاديون بأنه محض "هراء".

ولم تقلل خسارة الوظائف الفادحة هذه، من رواتب عمال التصنيع فحسب، فمع تدفق هؤلاء العمال النازحين إلى القطاعات الأخرى، فقد فرض ذلك ضغوطًا إضافية على أجور العمال الأقل تعليما بشكل عام، وهذه قصة مريعة للغاية، لكنها ليست ناجمة عن خداع الصين للمفاوضين الأميركيين "الأغبياء"، بل هي قصة مفاوضين أذكياء خدموا الجهات التي عملوا لصالحها على أتم وجه.

(أ ب)

ولسبب ما، تقبل وسائل الإعلام (التقليدية أو الشركاتية) دائمًا، السردية الترامبية التي تفترض أن العجز التجاري الكبير الذي بين الولايات المتحدة والصين ومعظم دول العالم الأخرى، كان نتيجة لتغلب الدول الأخرى على المفاوضين الأميركيين، أو على الأقل نتيجة عرضية لصفقات تجارية سابقة، لكنها لا تُشير أبدا إلى أن العجز التجاري الكبير كان نتيجة قابلة للتنبؤ المسبق، لسياسة تجارية مصممة لخدمة الأثرياء.

وتشوب الأسطورة القائلة إن العمال العاديين تضرروا كمجرد نتيجة عرضية للعولمة، أخطاء كثيرة، فهذه السردية التقليدية تدعي أن تدفق مئات ملايين العمال من دول العالم النامي الذين يبدون استعدادا للقيام بنفس العمل الذي يقوم به عمال التصنيع في الولايات المتحدة مقابل أموال أقل بكثير، هو محض صدفة تزامنت مع هذه العولمة.

وبالطبع هذا أمر محزن، ولكن هناك أيضًا ملايين الأشخاص الطموحين الأذكياء الذين يرغبون في القيام بنفس العمل الذي يقوم به الأطباء والمحامين وغيرهم من أصحاب المهن الاحترافية غير الصناعية الأخرى من الأميركيين، مقابل أموال أقل بكثير مما يجنيه المهنيون في الولايات المتحدة، لكن المهنيين لدينا، الذين يُعتبرون الفائزين في الاقتصاد العالمي، جنبا إلى جنب مع الشركات الكبرى، حصلوا على حسن الحظ هذا، لأنهم قاموا بتزوير العملية، وليس بسبب أي أمر متأصل في طبيعة العولمة. (نعم، هذه نقطة رئيسية في كتابي "زُور: كيف تم تصميم قواعد العولمة والاقتصاد الحديث لجعل الثري أكثر ثراء").

ومن المهم التشديد على حقيقة أن التجارة تتمحور حول الرابحين والخاسرين داخل الدول، أكثر من كونها منافسة بين الدول المختلفة، خصوصا بعدما دخلت صراعاتنا التجارية مرحلة جديدة، خاصة مع الصين. في حين لا يؤيد معظم الناس تكتيكات ترامب الصبيانية، إلا أن معظم التقارير الصحافية اتخذت موقفًا مفاده أن "لدينا" أسباب حقيقية للشكوى من الصين.

ولا يتركز نقد الصين حول تقليلها من قيمة العملة الصينية، التي تُعد مشكلة لعمال التصنيع. بل أصبحت القضية التي تحتل مركز الصدارة، في الإعلام، هي سرقة الصين المزعومة للملكية الفكرية الأميركية.

وعلى الرغم من محاولة تأكيد على هذا النوع من المزاعم بشكل روتيني، إلا أن الغالبية العظمى من المواطنين الأميركيين لم يسبق لملكيتهم الفكرية أن سُرقت من قبل الصين. وفي الواقع، تنبع معظم المآخذ على الصين من شركات مثل "بوينغ" و"جنرال إلكتريك" و"فايزر" و"ميرك"، وغيرها، والتي يجمعها الغضب من عدم احترام الصين لبراءات اختراعها وحقوق النشر الخاصة بها، ولذلك، تريدنا هذه الشركات أن نخوض حربًا تجارية للدفاع عنها.

وبينما يُمكن التفوق على هذه الشركات بسهولة إذا ما مُنح المواطنون حق التصويت على السياسات التجارية للدولة، فإن هذه الشركات تعتمد بشكل كبير على الدعم الإعلامي من صفحات الرأي، وصحف الأخبار بشكل خاص. وأُطرت القضية بالكامل لخدمة مصالحها، وتماما كما لا تحظى المعارضة بفرصة لتحدي السلطات في الصين الشعبية، فإن المعارضين الأميركيين لمصالح الشركات لا يحظون أيضا بفرصة حقيقية للاعتراض على هذه السياسيات مثل نظرائهم الصينيين.

(أ ب)

ولن يقوم المراسلون التجاريون حتى بتطبيق نفس المنطق على السرقة المزعومة للملكية الفكرية التي يعزونها دائمًا للولايات المتحدة التي تحصل على واردات منخفضة التكلفة من الصين، ففي الحالة الأخيرة، يقدم لنا الصحافيون والاقتصاديون بشكل روتيني، أخبارا سارة مفادها أن الواردات الرخيصة تزيد من القوة الشرائية للأميركيين. وأنه من المفترض أن يكون هذا جيدًا بشكل خاص لأولئك الذين في قاع الاقتصاد، الذين أصبحوا قادرين الآن على شراء ملابس منخفضة التكلفة وأحذية وأشياء أخرى في "وول مارت".

تخيلوا لو أن لدينا بعض المراسلين والخبراء الاقتصاديين، الذين يقدّرون الاستقامة. ستصبح "سرقة" الصين للملكية الفكرية الخاصة بالشركات الأميركية، عندها، مصدرا لإغناء السوق بمنتجات جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الحديثة المتاحة لنا بأسعار أقل تكلفة، وسينطبق الأمر ذاته على الأدوية والوصفات الطبية وغيرها من القطاعات التي يزعم "المحاربون" التجاريون الأميركيون أن الصين لا تنصف شركاتنا بتعويضات ملائمة.

هذا من شأنه أن يضر بالشركات الأميركية التي تزعم أن هناك من سرق ملكياتها الفكرية، كما قد يعني على الأرجح، أقل وظائف وأجور أدنى للموظفين الحاصلين على تعليم عالٍ، الذين يعلمون في هذه الشركات لابتكار الملكية الفكرية، لكن كما كان "طُلب" من عمال تقديم تضحيات من أجل الصالح العام في العقد الماضي، فلا يوجد سبب لعدم مطالبتنا هذه المجموعة الأكثر تمتعا بالامتيازات من العمال بتقديم تضحيات بدورها في العقد القادم.

وبشكل لا يصدق، فإن المنطق البسيط لقصة الأرباح من التجارة غائب تمامًا عن التقارير الإخبارية ومقالات الرأي المتعلقة بالموضوع. بدلا من ذلك، نحصل على نوع من النقاش المتقن حول المواضيع التي تمنح ترامب تأييدا واسعا قصير الأمد في هذه الأزمة التجارية، والذي من شأنه في النهاية أن يعزز السردية الترامبية.

سيكون أمرا رائعا أن يتخذ المراسلون التجاريون نهجا أكثر جدية قليلا، ليبدأوا بالتفكير بالرابحين والخاسرين من السياسة التجارية وليس التظاهر بأن جميع الناس في الولايات المتحدة يركبون القارب ذاته، لكنني قد أكون أبالغ في مطالبي من وسائل الإعلام، ففي نهاية المطاف، سنجد على الأرجح المزيد من المقالات والأخبار التي تدعم الديمقراطيين بنهج أكثر صرامة مع المجرفة (التجارة).