موغابي: الثوري اليساري الذي تحول لدكتاتور وحشي

موغابي: الثوري اليساري الذي تحول لدكتاتور وحشي
موغابي في أبهته العسكرية (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف


"لن نتركب الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها بقية أفريقيا السوداء، بل سنتعلم من أخطائهم"، هذا ما قاله لي الزعيم الزيمبابوري، روبرت موغابي، في مقابلة أجريتها معه في نهايات سبعينيات القرن الماضي، لمجلة "نيوزويك" الأميركية.

التقيته في موزمبيق، حيث كان يقع مقر جيش حرب العصابات الخاص به، والذي كان في ذلك الوقت يخوض حربًا، لم يكن باديًا أن لها نهاية، ضد نظام الأقلية البيضاء في روديسا. وقد أودى الصراع بحياة ما يقدر بنحو 20 ألف شخص، معظمهم من المقاتلين القوميين السود والمدنيين الأفارقة، في حرب ارتُكبت فيها فظائع لا توصف، من قبل الجانبين.

ظلّ اسمه قرين اسم زيمبابوي لعقود (أ ب)
ظلّ اسمه قرين اسم زيمبابوي لعقود (أ ب)

لكن الأمر المأساوي هو أن موغابي، الذي توفي يوم الخميس الماضي، عن عمر يناهز الـ95 عاما، سيفي بوعده بالتعلم من أخطاء الزعماء الأفريقيين، في مراحل لاحقة، ليتحول حكمه لخليط من شتى أنواع الفساد والوحشية التي ابتليت بها الشعوب الأفريقيّة منذ أن نالت أولى دول جنوب الصحراء الكبرى، استقلالها عام 1957 (غانا).

ويمكن تلخيص ما فعله روبرت موغابي من أجل شعبه باستخدام الإحصائية الآتية: عند الاستقلال عام 1980، كان متوسط العمر المتوقع للزيمبابوي حوالي 60 عامًا؛ لكن بحلول العام 2006، انخفض هذا العدد إلى 37 عاما للرجال و34 عاما للنساء، وهو أقصر معدل أعمار في العالم.

إليكم ما تحتاجون إلى معرفته حول روبرت موغابي والإرث المعقد الذي يتركه وراءه:

"انتخبوا الديك"

 منذ أن وصل البريطانيون إلى زيمبابوي في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وحتى تحول المستعمرة البريطانية المتمردة، روديسا، إلى حكم الأغلبية، لتنتخب موغابي في 1980، كانت البلاد محكومة من قبل البيض، ومن أجل البيض فقط، بينما لم تمثل الغالبية العظمى من السكان الأفريقيين السود، بالنسبة لهم، سوى قوّة يمكن تسخيرها للعمل.

وموغابي المدرس السابق الذي يتسم بحديثه اللطيف والذي تحول لاحقا إلى ثوري ماركسي لينيني على طرازه الخاص، مستشهدا بكلمات ماو تسي تونغ؛ قاد أحد الجيشين الفدائيين، اللذين كانا يحاربان نظام الأقلية البيضاء التي يحكمها إيان سميث، والحكومة الأفريقية السوداء التي لم تعمّر كثيرا، ولم تفز باعتراف دولي قط، بقيادة الأسقف أبيل موزوريوا.

وبدأ موغابي نضاله ضد الحكومة الاستعمارية البيضاء في روديسا، في نهايات الخمسينيات من القرن الماضي، ليؤسس بعدها حزبا معارضا جمع قيادات سوداء أخرى في 1960. وسُجن مع العديد من رفاقه بعد مرور عدّة سنوات على ذلك، عندما بدأ مسلحون دُربوا صينيا، وموالون لهم بشن هجمات ضد القوات الحكومية.

موغابي وكلينتون في البيت الأبيض (أ ب)
موغابي وكلينتون في البيت الأبيض (أ ب)

ونُفي موغابي في النهاية إلى موزمبيق المجاورة، حيث شن فصيله المسلح "الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي" (زانو)، حربا شاملة ضد النظام الأبيض، فيما قام فصيل آخر متحالف معه، بقيادة جوشوا نكومو، بشن هجمات من مقرهم في زامبيا، على الحدود الغربية لرودسيا.

وأجبرت الحرب الحكومة البيضاء على الانخراط في تسوية تفاوضية بريطانية، وتحقيق الاستقلال في نيسان/ أبريل 1980. ورشح موغابي ومنافسه، جوشوا ناكومو، نفسيهما للرئاسة، ليشكلا في النهاية حكومة ائتلافية.

وكان شعار حزب موغابي في الانتخابات التي مكنته من السلطة: "صوتوا للديك"، في إشارة إلى رمز قوة الجماهير الأفريقية غير المتعلمة، والذي تبناه الحزب.

لكن موغابي لم يصعد إلى السلطة بسبب الحيل الذكية التي اتبعها في حملته الانتخابية، بل يعود الفضل في ذلك للقبائلية، التي فاز وحكم من خلالها أيضا.

وخلال عامين من وصول موغابي للسلطة، منحدرًا من أكبر قبيلة في البلاد، شونا، انقلب الزعيم على حليفه خلال الحرب، نكومو، الذي كان جيشه مؤلفا بغالبيته من أبناء قبيلة نديبيلي. وطُرد نكومو من المجلس الوزاري، ليقوم موغابي بعد ذلك بإطلاق قواته في حملة قضت على رفاق نكومو المسلحين، بالكامل، مخلفة وراءها 20 ألف ضحية من قبيلة نكومو، ولتمكّن موغابي من إحكام سيطرته الحديدية على السلطة.

أما بالنسبة للزمبابويين الذين لم يكونوا جزءا من النخبة الحاكمة، فإن الكابوس الطويل كان في بدايته فقط، فبعدما طُرد المزارعون البيض من أراضيهم، سُجن المعارضون السياسيون أو قُتلوا ورُوضت وسائل الإعلام.

وأشرف موغابي على الانهيار الكامل والشامل لوطنه. فكان إرث حكم الرجل الواحد الذي اتبعه، يتمثل في المجاعات والأوبئة والوحشية، فيما انهارت العملة وتم التخلي عنها، ونفاد الدواء من المستشفيات.

وانتشرت أمراض كالسل، وفيروس نقص المناعة البشرية (إيدز)، والملاريا وغيرها كالنار في الهشيم. وبلغت معدلات الوفيات الناجمة عن الكوليرا 10 أضعاف المعيار العالمي، وعزف المانحون الدوليون عن زيمبابوي، بسبب الفساد المتفشي وعدم الكفاءة، فيما هرب ربع سكان البلاد.

وعلى الرغم من كل ذلك، كان موغابي يحظى بموقع مرموق في أروقة السلطة في أفريقيا. وانتُخب رئيسا لمجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية ورئيسا للاتحاد الأفريقي، وفي أفظع الخطوات نفاقا، عُيّن موغابي، أيضًا، "سفيرا للنوايا الحسنة" لمنظمة الصحة العالمية.

وبالنسبة لمعظم رؤساء الدول الأفريقية، كان موغابي ثوريا أخرج آخر آثار الاستعمار من القارة. ولم يهتموا لأي شيء آخر على ما يبدو.

مات موغابي، لكن معاناة الزيمبابويين لا تزال مستمرة

في نهاية حكم الرجل الذي قال مرة إن "الله وحده، الذي وضعني في مكاني، هو من سيزيلني منه"، أُطيح بموغابي في انقلاب عسكري نُفذ عام 2017، ليس لأنه كان ديكتاتورا شريرا، ولكن لأن مقرّبين منه كانوا ينفرون من زوجته الشابة الطموحة، التي تخلى الزعيم المريض والعاجز عن أجزاءً من السلطة يوميا لها.

وكما قال أحد الجنرالات الذين قاتلوا تحت إمرته في حرب التحرير: "عندما أصبح عجوزا، سلّم حكمه لعصابة من اللصوص حول زوجته".

لكن، وبخلاف معظم الدكتاتوريين المخلوعين، الذين عادة ما يكملون حياتهم في المنفى، إذا كانوا محظوظين بما يكفي للنجاة من عملية الإطاحة، فقد عاش موغابي ما تبقى له من سنوات في ترف مذهل في قصره في عاصمة زيمبابوي، هراري.

زوجته الشابة والطموحة أثار حنق الجيش (أ ب)
زوجته الشابة والطموحة أثارت حنق الجيش (أ ب)

لكن بالنسبة للزيمبابويين العاديين، لم يتغير شيء يذكر. فقد استُبدل موغابي بإيمرسون منانغاغوا، وهو رفيق ثوري مزوّر على صورة موغابي.

واليوم، الملايين أصبحوا في خطر مجاعة وشيكة، مرّة أخرى. وبدأ الاقتصاد في الانهيار مرة أخرى، فالتضخم يبلغ 175 في المئة؛ وارتفعت أسعار الوقود حوالي 500 في المئة منذ بداية العام؛ وهناك نقص واسع في الكهرباء والماء؛ والشركة الوطنية للاتصالات على وشك الانهيار. وأُرسل الجيش للتعامل مع كل من يتظاهر، مخلفا وراءه عشرات القتلى.

وكما ذكرت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية مؤخرًا، فإن "العاصفة الاقتصادية المثالية للتضخم ونقص الغذاء وانقطاع المياه والطاقة قد تركت البلاد على شفا كارثة مماثلة لألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، أو روسيا ما بعد الانهيار السوفيتي".

وأخبرني موغابي في المقابلة التي أجريتها مع عام 1978، بأن لن "يرتكب الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها بقية أفريقيا السوداء"، وظننت في ذلك الوقت، أنه يعتزم إتمام الأفضل من أجل شعبه، لكنني كنت صغيرا جدا وقتها، أو ربما كنت ساذجا فقط.


الكاتب أستاذ الصحافة في جامعة ولاية واشنطن.