في مكسيك العصابات... قاتل يروي قصته

في مكسيك العصابات... قاتل يروي قصته
من عصابات المكسيك (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


يقع المنزل الآمن على ناصية طريق جانبي في حي يطل على وسط عاصمة ولاية غيريرو المكسيكية، المُضاء جيدا، وفي الخلفية تلال صغيرة. أُوقفت شاحنة صغيرة قديمة الطراز، في شارع تمتلئ جدران الأزقة المحيطة فيه بالجداريات. لم يمض على الغروب سوى دقائق معدودة من هذا المساء الصيفي، وفوق التل المحاذي للمنزل، تتجول امرأة بسلة من الخبز، تنادي على المارة لشراء ما أنتجته يداها. وسوى ذلك، فإن الصمت كان سيّد الموقع، إلى أن انطلق القاتل المأجور من الظل خلف الشاحنة المتوقفة ولوح لي مشيرا إلى اتجاه المنزل الآمن.

جلسنا حول طاولة خالية في المطبخ الموجود في الطابق الثاني، حيث تظهر على سطح الطاولة الملطخة بالزيت خدوش، كما لو أنها مكان توزيع الرشاشات الآلية والأسلحة الثقيلة. وجلس في إحدى زوايا الغرفة ضريح مع تماثيل صغيرة للقديسين، بينهم يهوذا المقدس. وعلى الجدار، عُلّق قناع نمر محفور باليد. لقد لاحظت أن القاتل المأجور قد جلس على الطاولة بطريقة تمكنه من رؤية جميع نوافذ الغرفة في آن واحد. الستائر مفتوحة ويطل المنظر على الشارع أسفل المنزل الآمن، ما يعني أن أي سيارة ستقترب من أي الاتجاهين في الشارع، ستكون مرئية بوضوح.

أخبرني القاتل المأجور باللغة الإسبانية، أن أُطلق عليه اسم "كاباتشي".

سألته: "أهذا اسمك الحقيقي؟"

"هذا الاسم الذي ستناديني به" قال لي.

ويُمكن ترجمة الكلمة الإسبانية إلى "الفخ" أو "الصياد".

لقد عمل "كاباتشي"، في السابق، قاتلا محترفا في صفوف عصابة "الجيل الجديد في خاليسكو"، والتي دمرت، مؤخرا، عصابة "سينالوا" التي كان يقوضها رجل العصابات الهشير، تشابو غوزمان، لتصبح بذلك أضخم عصابة في المكسيك.

ومن ثم، وقبل عامين تحديدا، انتقل "كاباتشي" إلى جانب المعارضة للعصابة وحلفائها. وينشط حاليا في صفوف قوة "حماية ذاتية" اتخذت على عاتقها تطبيق القانون باسم مكافحة الفساد السياسي والجريمة المنظمة.

أفراد العصابة (ذا يلي بيست)
أفراد العصابة (ذا يلي بيست)

لقد أصبحت حركات "الحماية الذاتية" أو "الدفاع عن النفس"، على مدار الأعوام القليلة الماضية التي شهدت ارتفاع معدلات العنف والجريمة في المكسيك بشكل غير مسبوق، شائعة بشكل متزايد في أنحاء البلاد. ويصور الفيلم الوثائقي الذي رُشح لجائرة الأوسكار، "كارتل لاند"، صعود وسقوط إحدى هذه المجموعات. وأصبح الأكاديميون مهتمين بشكل متزايد بهذه الظاهرة.

وبحسب ما قاله الأستاذ في معهد الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية الحرب العسكرية الأميركية، روبرت بونكر، في رسالة أرسلها إلى موقع "ديلي بيست": "عندما تتوقف الدولة ذات السيادة عن حماية المجتمع، فإن العقد المبرم بين الحكومة ورعاياها قد انتهى فعليًا. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، يُصبح لدى المواطنين المحليين الذين يتعرضون للسرقة والاغتصاب والذين يعيشون في ظل خوف دائم من تعرض لإصابات جسدية أو الموت، خيار الفرار أو الانضمام إلى مجموعات الجريمة المحلية التي تضطهدهم، أو مواجهتها واتخاذ زمام الأمور بأيديهم، كحراس".

وبات "كاباتشي" الآن، كشخص خضع لنظام تدريب صارم ودموي أُثناء نشاطه في عصابة "الجيل الجديد في خاليسكو"، يستخدم خلفيته شبه العسكرية، ومعرفته بفنون الاغتيالات الشريرة، لضرب عصابات المخدرات. وهو يعمل "مُنظّفًا" في مدينة تشيلبانسينغو، حيث يلاحق ويقتل أفراد العصابات الذين يصفهم بأنهم "يفترسون المجتمع مثل مصاصي الدماء".

لقد ساعدني قائد مجموعة "حماية ذاتية"، كنت قد قابلته في السابق، في عقد ذلك اللقاء مع "كاباتشي"، الذي تعهد بمشاركة رؤى فريدة حول الإستراتيجيات التشغيلية التي يستخدمها طرفان متعارضان في حروب المخدرات المتفاقمة في المكسيك.

وقال "كاباتشي"، دون أن يزحزح عيناه عن النوافذ المطلة للخارج: "ينتابني شعور جيد تجاه العمل الذي أقوم به، إنه ليس بالأمر السهل، وعليّ أن أحمي نفسي طوال الوقت، لكنني فخور بذلك. إنني أدافع عن أشخاص لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. أنني أحارب، فالشرطة لا تفعل أي شيء ضد العصابات المنظمة. من الذي يقوم بهذا العمل إن لم نقم به؟".

تنظيم إجرامي متفوق

بدا لي أن "كاباتشي" لا يزال في أوائل العشرينيات من عمره، وكان يلبس سروال جينز وحذائين صحراويين قتاليين، إضافة إلى قميص طويل الكمين، ضيق، مصبوغ بألوان للتمويه، كالتي يرتديها الجنود. كما تُشير ضخامته إلى أنه رافع أثقال، ولديه وشم على شكل جمجمة على ظهر يده اليمنى، وفي إصبعه، خاتم يحمل رأس ذئب يزأر.

يتميز بعض القتلة المحترفين الذين قابلتهم في الماضي، بالعجرفة والتكبر والتحمس للتباهي بمآثرهم. وهم يمجدون حبهم للعنف كغاية في حد ذاتها. بينما هناك آخرون يرثون آثامهم الماضية. لكن "كاباتشي" يختلف عن التصنيفين، فالرجل المهذب والرسمي، تحدث عن ماضيه دون فخر ولا ندم، بل باستعراض للحقيقة والواقع، كما لو أن روح الشباب قد أحرقت بسبب كل ما شاهده خلال حياته، وتحولت إلى روح عجوز قبل وقتها.

وقال "كاباتشي": "كنت أبلغ من العمر 14 عاما فقط عندما انضممت للعصابة". فقد تسرب المراهق، وهو ابن لأم تعيش وحيدة وأنجبت عشرة أطفال غيره، من المدرسة قبل عام من انضمامه للعصابة، لأن أسرته عجزت عن تسديد فواتير تعليمه. وكان يعمل في مطعم في قرية أوكتيتو، قبل أن يدرجه صديق طفولته، في البرنامج التدريبي التابع للتنظيم الإجرامي الواسع، "الجيل الجديد في خاليسكو".

لا تنجح السلطات دوما في الحدّ من دور العصابات (أ ب)
لا تنجح السلطات دوما في الحدّ من دور العصابات (أ ب)

وعن تلك الفترة قال "كاباتشي": "لم نملك شيئا، ولم يكن لدينا المال الكافي لشراء الطعام. وضقت ذرعا برؤية جوع أمي. وعلمت أنه بوسعي جنيَ عشرة أضعاف ما أجنيه (في المطعم) في حال عملت معهم (العصابة). كما وعلمت أن هذا ما يتحتم عليّ فعله سرعان ما سمعت العرض (للانضمام). وبعد بضعة أيام، ركبت الحافلة المتجهة لخاليسكو".

لطالما سعى زعيم "الجيل الجديد في خاليسكو"، نيميسيو أوسيغيرا، المعروف باسم "إل مينتشو"، إلى السيطرة على مناطق إنتاج المخدرات في ولاية غيريرو، والتي تُعد مصدر ما يقارب 50 بالمئة من مخدر الهروين الذي يدخل إلى الولايات المتحدة. وقد أصبحت المنطقة، مؤخرًا، مصدر إنتاج المخدرات الكيميائية الاصطناعية، مثل مخدر الفنتانيل، الذي يتم مزجه بالهيروين في مختبرات المعالجة الموجودة في الجبال النائية والخارجة عن القانون في الولاية. وتُعد الجهود المكثفة للتجنيد التي تستهدف جماهير الشباب الفقير، الذي ليس لديه سوى مستقبل قاتم، من جميع أنحاء المكسيك، أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت التنظيم الإجرامي قوة عاتية بسرعة فائقة.

فقبل أن تتم العصابة العقدَ على إنشائها، أثبتت أنها عنيفة جدا، ومتوحشة، وأنها بمثابة تنظيم إجرامي متفوق، مدعوم بقوات متزايدة من الفصائل شبه العسكرية، بحسب تحليل بونكر، الذي قال، أيضًا، إنه "عندما تضغط الدولة المكسيكية على العصابة، فإنها لا تخشى توجيه ضربات مباشرة أو نصب كمائن للقوات الفيدرالية".

وتنتشر العصابة التي يترأسها "إل منتشو" اليوم، في أكثر من 20 ولاية مكسيكية، وفي الولايات المتحدة، وأميركا الجنوبية، وأوروبا، وآسيا، وأستراليا، بحسب بونكر. وفي حين أن العديد من الجماعات الإجرامية في المكسيك يتصرّف على شكل تحالفات فضفاضة، تفتقر إلى التخطيط أو التنظيم من الأعلى إلى الأسفل، فإن "الجيل الجديد في خاليسكو" اتخذت مسارا مختلفا.

ويفسر بونكر أن أحد أسرار نجاح العصابة هو مركزية القيادة في ظل زعيم واحد و"بعض كبار الضباط ذوي الكفاءة"، ما يمنحهم القدرة على التخطيط والتنسيق عن كثب، اللازمين "لنقل وحداتها شبه العسكرية من منطقة عمليات إلى أخرى".

يوم التدريب

وصل "كاباتشي" إلى غواتشينانغو، وهي عاصمة خاليسكو، دون أكثر من الملابس التي يرتديها. وكان ينام مع المجندين الصغار مثله، في مجموعة من الخيام. وكان بعض المدربين أعضاء سابقين في القوات الخاصة المكسيكية (الحكومية)، فيما كان الآخرون، عناصر فعّالة في الجيش المكسيكي، ويحصلون على مرتب سخي من التنظيم الإجرامي. وكانت أولى الأمور التي أخبروها لـ"كاباتشي"، هي أنه لا يملك الحق في المغادرة.

ووصف "كاباتشي" شعوره في تلك الفترة: "في البداية، اشتقت لأسرتي، وأردت الهروب. لكنني كنُت سأُلاحق وأُقتل في حال حاولت الهرب. لقد رأيت آخرين يحاولون الهرب، ودائما ما كان يُقبض عليهم". وأضاف أن بعض من حاول الهرب، كان يُصب عليه الوقود ويُحرق، بينما كانت تُلصق المتفجرات في أجساد آخرين، ويتم تفجيرها.

"لم يكن هناك سبيل للعودة"، قال وهو يجلس أمام الطاولة الخشبية في المنزل الآمن.

في البداية، تلقى "كاباتشي" تدريبا عاما على طراز الجنود المشاة، وذلك شمل بعض التكتيكات الخاصة بالوحدات الصغيرة، والتدرب على إطلاق النار من البنادق الهجومية، ومدافع الرشاشة وقاذفات القنابل، وتجريد الأسلحة ميدانيا، بعينين معصوبتين.

وبحسب بونكر، فإن العصابات الضخمة مثل "الجيل الجديد في خاليسكو"، اعتبرت أن هذا النوع من المنهاج التدريبي، يستحق تكلفة الاستثمار، لأن "الجماعات الإجرامية التي تنشر مسلحين غير مدربين يتم مضغها في مواجهات مسلحة مع أفراد من العصابات الذين حظوا بمستويات تدريب شبه عسكرية وعسكرية أفضل".

بالإضافة إلى هذا التدريب التقليدي، قال "كاباتشي" إنه أُجبر مع رفاق آخرون، على الخضوع لتجارب شاقة تهدف إلى تعويدهم على الألم. وتضمنت إحدى هذه التمارين إجبار المتدربين على خلع ملابسهم تحت أعشاش الدبابير الموجودة في الأشجار.

واستذكر: "كانوا (المدربون) يضربون الأعشاش بعُصيّ وكعوب البنادق إلى أن تهاجمنا الدبابير. وكان علينا الوقوف هناك لمدّة عشر دقائق دون أن نتحرك على الإطلاق. وكانوا يضربون كل من يصيح أو يتحرك. لذا كان من الأفضل لنا تحمل الألم".

وبعد مرور ثلاثة أشهر على التدريب، جاء موعد "الامتحان النهائي"، والذي تضمّن "تقطيع الناس بطرق خاصة"، حيث شرح "كاباتشي"، أن المجندين تناوبوا على إدارة مجموعة معينة من أساليب التقطيع والطعنات على ضحايا أحياء، والذين عادة ما يكونون سارقين أو مجرمين صغار، ترى قيادة العصابة أنهم يستحقون التعرض لهذا العقاب. وكان يُفترض بالطعنات الأولى أن تُستخدم للتعذيب من أجل استخراج المعلومات دون قتل الضحية. بينما تكمن المهمة النهائية في تقطيع الجسد نهائيا، للتخلص منه.

وماذا يحدث في حال رفض البعض الانخراط بهذا الامتحان؟

قال "كاباتشي": "كنت أعلم أنهم سيقتلونني لمجرد الرفض. لقد كانت هذه طريقة لإثبات إخلاصي للعصابة".

مشهد متكرّر: ضحايا العصابات في الشوارع (أ ب)
مشهد متكرّر: ضحايا العصابات في الشوارع (أ ب)

وذكر بونكر أن هذه الطقوس أصبحت شائعة في عالم الجريمة في المكسيك: "إن تقطيعَ الضحايا أو أكلَ لحومها، عملياتُ قتل شنيعة، تهدف إلى تقوية العلاقات بين المجندين والعصابة، كما لو أنهم انضموا من فورهم إلى طائفة معينة. ويُنظر إلى هذه الممارسات على أنها طقوس عبور للحياة الجديدة، تحرق جسورك الأخلاقية والروحية مع المجتمع التقليدي".

من الأسر وإلى حركة الدفاع عن النفس

بدأ "كاباتشي" العمل لصالح العصابة جاسوسًا في مدينة أميكا، في خاليسكو، حيث وُضع في منازل قريبة من نقاط إستراتيجية في المدينة. وتلخصت مهمته، خلال عمله لمدة 12 ساعة، أن يُطلع مركز القيادة، عبر البث الإذاعي المُشفر، على حركة الشرطة والجنود وأفراد العصابات المنافسة. وخلال تلك الفترة، ساعد، أيضًا، في تعبئة وشحن المخدرات المتنوعة، بما في ذلك الكوكايين والماريجوانا والميثايين. وفي وقت لاحق، شغل منصب قاتل محترف، ويقول إنه شارك في "سبعة أو ثمانية" معارك نارية ضد العصابات المنافسة أو السلطات.

ولأن "كاباتشي" كان أكبر مما يُفترض أن يكون في عمره، فقد تفوّق في البرنامج التدريبي الخاص بالمنظمة الإجرامية، وخدم بشكل جيّد في المعارك، الأمر الذي مكّنه، خلال فترة قصيرة، من الانضمام إلى النخبة، وهي وحدة حراس شخصيين مؤلفة من 35 رجلا. وكان هذا الفصيل مسؤولا عن أحد القادة الإقليميين الذين عيّنهم "إل مينتشو"، وهو رجل غامض يُعرف باسم "090" فقط. وأوضح "كاباتشي" أن العصابة اختارت هذا التسلسل العددي ككنية للرجل، لأنه كان أيضا رمز الراديو الخاص بالشرطة الفيدرالية، والذي يعبر عن القتل.

وفي النهاية، أُعيد "كاباتشي" إلى غيريرو للمساعدة في تجنيد شبان جدد، ولتعبيد الطريق من أجل السيطرة التامة للعصابة على الولاية. وكان يعمل في بلدة تشيلبانسينغو لبضعة أشهر، قبل أن تقبض عليه مجموعة "حماية ذاتية"، أطلقت على نفسها اسم "الجبهة الموحدة للشرطة المجتمعية في ولاية غريريو". وهي إحدى أكبر المجموعات المماثلة في الدولة، ويصل عدد مقاتليها إلى 12 ألف رجل، نُشروا في أكثر من 30 بلدية. وبعد مرور نصف عام من خضوعه لـ"فصول إعادة التعليم"، كما يسميها "كاباتشي"، تمت دعوته للانضمام إلى الحركة المضادة للعصابات.

يعد جنود المشاة الذين يتركون العصابات وينضمون إلى الشرطة المجتمعية، شيئًا شائعًا نسبيًا. وعلى الرغم من أن قوات الدفاع عن النفس تقدر خبراتهم، إلا أن وجودهم يمكن أن يساهم في تشويش الخط الفاصل الذي يفصل الحراس المجتمعيين الحقيقيين عن جماعات الجريمة المنظمة التي يسعون إلى محاربتها.

في البداية، ساعد "كاباتشي" في تدريب المجندين الجدد في "الجبهة الموحدة للشرطة المجتمعية في ولاية غريريو"، ممرّرًا ما تعلمه في خاليسكو حول تكتيكات المناورة والتدريب على استخدام الأسلحة. كما أنه شارك في معارك مفتوحة في الجبال ضد عصابة محلية يُقال إنها متحالفة مع "الجيل الجديد في جاليسكو"، واسمها "عصابة من الجنوب" (كارتل دي سور). وفي النهاية، أُعيد إلى تشيلبانسينغو، كجزء من العديد من فرق النخبة المعينة في برنامج التطهير السري لدى "الجبهة".

وعقد قادة حركة "الحماية الذاتية"، مؤتمرا صحافيا، في آذار/ مارس الماضي، أعلنوا فيه أنهم سيبدأون باستهداف المجرمين في المدينة. وجاء التوسع في عمليات الحركة، بعد شنها حملة استمرت لعدة أشهر لتحرير البلدات والقرى الصغيرة في سييرا المحيطة بها، من "كارتل ديل سور"، والتي يقودها رجل عصابات متوحش، يدعى إيزاك نافاريت سيليس.

وقال "كاباتشي" إن "كارتل ديل سور، تريد ترهيب السكان. هم يريدون السيطرة على تشليبو وكل شيء آخر. يسرقون ويبتزون ويخطفون ويقتلون. وإذا ما رأوا امرأة تُعجبهم في الشارع، فهم يأخذونها ببساطة. ويقودهم طموحهم إلى فعل أمور لا يجب أن يفعلوها. ولهذا نحن هنا من أجل تطهير المكان".

وتكمن بعض أجزاء عملية التطهير، في التعرف على أعضاء العصابات، للقبض عليهم أو اغتيالهم. وعندما تصدر أوامر لتنفيذ عملية قتل، فإن "كاباتشي" يتلقى رسالة بالتعليمات على جهازه الخليوي. وبعد ذلك بوقت قصير يصل رجل إلى المنزل الآمن، ليمنحه سلاح ناري غير قابل للتعقب، وعادةً ما يكون مسدسًا نصف آلي.

ويعمل "كاباتشي" ضمن طاقم مؤلف من ثلاثة رجال، حيث يرافقه سائق ومُستطلع، ويتناوبون على دور إطلاق النيران. ويقول إن الطريقة الأكثر أمانًا هي قتل الهدف المقصود من المقعد الخلفي في سيارة أو دراجة نارية.

ويصبح الأمر أكثر صعوبة عندما يكون الهدف مع مجموعة أو محميا بواسطة حراس شخصيين. في هذه الحالة، قال "كاباتشي": "لدينا نساء يساعدننا في الحصول عليه (الهدف) وحده". وبمجرد أن يصبح الهدف في موقفِ ضَعْف، تجد النساء ذريعة للابتعاد وإجراء مكالمة هاتفية لـ"يخبروننا عن مكان تواجدهن، وما يرتديه الهدف، وبعد ذلك يصبح الأمر سهلا". وفي حال كان الهدف مسلحا، يطلق النار عليه في الرأس أولا، ومن ثم في الصدر، بدلا من العكس.

تفشي القتل

تفيد التقارير الصحافية المحلية، بانتشار سلسلة من جرائم القتل غير المحلولة، التي سقط ضحيتها الكثير من الشبان الصغار في منقطة العاصمة الإقليمية والمناطق المحاذية لها، في ظل صعود نجم "الجبهة" التي يبدو أنها ركزت على أفراد عصابة "نافاريتي كليس" خلال الربيع الماضي.

يشيّعون ضحايا الإجرام (أ ب)
يشيّعون ضحايا الإجرام (أ ب)

وامتنع "كاباتشي" عن تسمية ضحاياه، وذلك لأنه يخشى من رد فعل قيادة "الجبهة"، والسلطات، في حال قدّم معلومات قابلة للتعقب، لكن التغطية الصحافية المستقلة في المنطقة أشارت، في الأشهر القليلة الماضية، إلى ارتكاب عدّة اغتيالات عامة في الأحياء والمناطق الحضرية التي يُقال إن خلايا تابعة لحركة "الحماية الذاتية"، مثل تلك التي ينشط بها "كاباتشي".

هذه التقارير تفصل عمليات اغتيال الشخصيات البارزة، مثل التقطيع وإجراء الاغتيالات بواسطة دراجة نارية.

أدعى "كاباتشي" أنه قتل خمسة أشخاص، كجزء من عمله مع الوحدة التابعة لـ"الجبهة"، لكنه قال إن العدد الإجمالي للأشخاص الذين قتلهم، يتعدى بكثير، هؤلاء الخمسة، وأنه قتل هؤلاء خلال مشاركته في معارك ضارية ضمن "الجيل الجديد في خاليسكو"، وقال إن مثل هذه التجارب القتالية تتسم بالفوضى، وهي "ليست مثل ما يبدو على شاشات التلفزيون"، حيث أنه من الصعب معرفة ما إذا كان هؤلاء الذين أطلق عليهم الرصاص في المعارك ماتوا بالفعل أو أصيبوا بجروح فقط، ولا يريد المبالغة في تقدير عدد القتلى الذي قد يكون غير صحيح، لمجرد أن يبدو أنه شخص قاس.

وفي الإجابة عن سؤال حول ما يشعر به خلال المعركة، أو أثناء قيامه بقتل هدف غير مشكوك فيه، يقول: "لا أشعر بشيء سوى بالأدرنالين".

وعندما سألته ما إذا كان يحب هذا الأدرنالين، الذي اعترف بأنه يشعر به، قال "تُحبط أيضًا عندما يتعرض أصدقاؤك للضرر أو القتل".

ومن ثم أبعد نظره عن النوافذ المفتوحة ليحدق في عينَيّ، وقال: "إن ألم أصدقائك يدفعك أيضًا إلى الاستمرار في القتال، لأنه يجعلك تشعر بجوع الانتقام".

سلام مُقلق

يدعي النقاد أن العمليات السرية التي تقوم بها "الجبهة"، لا تختلف كثيرا، إن كانت تختلف أصلا، عن التكتيكات التي تتبعها العصابات.

وقال مدير منظمة حقوقية غير حكومية في تشيلبانسينغو، مانويل أوليفاريس، إنهم "يطلقون على أنفسهم شرطة مجتمعية، لكنهم لا يختلفون جوهريا عن القتلة المحترفين (في العصابات)". كما يتهم مدير المؤسسة، الحكومة بالتواطؤ في السماح لـ"الجبهة" في العمل خارج سيادة القانون.

وقال إن الإجرام في "نهاية المطاف، يستمد قوته من السياسيين. فلا يمكن أبدا للمجرمين شن حملاتهم الإرهابية دون إذن ودعم السياسيين. فمستوى الفساد (في غيريرو) لا يصدق. لدينا حكومة تهتم بنفسها فقط".

ويتفق بونكر مع أوليفاريس، بأن السلطات "تغض البصر عن العدالة التي ينفذها الحراس (مجموعات الحماية الذاتية)"، في تشيلبانسينغو، حيث أوضح أنه "إذا ما انخرطت مجموعات الحماية الذاتية في عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، عبر طرق فرق الموت من أجل القضاء على مسلحي العصابات، وعناصرها الآخرين، فهذه هدية ترويجية للسلطات الغارقة. تتمتع 'كارتل ديل سور' بسمعة بربرية في ما يتعلق بعمليات القتل والتعذيب وغيرها من أشكال البؤس، لذلك، فإن عمليات 'الجبهة' تتخلص من بعض العناصر الإجرامية المتشددة التي تعصف بالمجتمع".

لكن بونكر حذّر، أيضًا، من الخطر الكامن في الاعتماد على الميليشيات المدنية، حيث لفت إلى أنه "بمجرد تشكّل مجموعات الحماية الذاتية، فإنها تُصبح على الفور عرضة لتأثيرات إجرامية خارجية... أو أنها قد تفسد بسبب موقع القوة التي حصلت عليه، وتُصبح عصابة مسلحة في حد ذاتها".

وكلمات بونكر ليس محض توقعات، فبالفعل، ربطت بعض وسائل الإعلام المحلية، بين "الجبهة" ومجموعة تعمل في الخفاء، يُطلق عليها اسم "سييرا كارتل"، وهي عصابة تعادي من "كارتل دي سور" منذ زمن طويل.

وفي العودة المنزل الآمن المطل على تشيلبانسينغو، يُصر "كاباتشي" على أن مهمة "الجبهة" ليست السيطرة على تجارة المخدرات، حيث قال: "نحن هنا لأن الناس طلبت مساعدتنا. وجئنا لمنع العصابات من القتل في هذه المنطقة. ولا نعارض بيع الكوكايين أو المخدرات الأخرى، طالما لا يتعرض أحد للأذى. جُل من نريده هو السلّام".

ويجني "كاباتشي" الآن، قدرا كافيا من المال مع عمله في "الجبهة"، لمساعدة والدته وأشقائه. وتزوج منذ فترة وجيزة فقط، ولديه ابنة تبلغ من العمر بضعة أشهر. ولا يمكنه زيارة عائلته بشكل دائم، لأنه لا يريد تعريضها للخطر.

وقبل انتهاء المقابلة بقليل، سألته إذا ما يخطر له إيجاد مجال عمل آخر.

أجابني "كاباتشي" أنه ينوي افتتاح مطعم خاص به في يوم من الأيام، لكن يُقر أنه من الصعب مغادرة مجموعة "الدفاع الذاتية".

وختم بالقول إن "العمل خطير، لكنه من أجل غاية سامية. إنني أشعر أخيرا أنني أقوم بشيء خيّر".


الكاتب مراسل حر يوثق حروب المخدرات وحقوق الإنسان في المكسيك وأميركا الوسطى وكولومبيا.