كيف عرّف الحكم الاستعماري إفريقيا على الاستبداد الهش؟

كيف عرّف الحكم الاستعماري إفريقيا على الاستبداد الهش؟
ميلانيا ترامب ترتدي قبع كولونيالية في زيارة لنيروبي (أ ف ب )

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب ٤٨" لمقال أستاذ الديمقراطية في جامعة برمنجهام، نيك تشيسمان، والقارئ في السياسة الأفريقية في جامعة برمنجهام، جوناثان فيشر، بتصرُّف:


لا يزال تأثير الهيمنة الاستعمارية على أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، موضوع نقاش وجدل حاد. ولا يكاد يمضي عام في بريطانيا، دون أن تتسبب شخصية عامة بغضب عارم، في أعقاب ادعاءات مشابهة، تفيد أن الاستعمار، أفاد الشعوب التي قمعها، بطريقة أو بأخرى.

لكن كتابنا الجديد "أفريقيا الاستبدادية: القمع والمقاومة وقوة الأفكار"، يوضح صورة مختلفة تماما عن ذلك، حيث نقوم بإعادة تقييم الإرث السياسي للاستعمار، لنجد تأثيراته عميقة على النظم السياسية الأفريقية.

وقد عزّزت الحقبة الاستعمارية، سلطة "الرجال الكبار"، أي القادة المحليين الأقوياء، على مجتمعاتهم. هذا قوض الضوابط والتوازنات التي تواجدت في المكان سابقا. وبهذه الطريقة ساعدت الحقبة الاستعمارية في إضفاء الطابع المؤسّساتيّ على الأشكال القمعية للحكومة.

وفي الوقت ذاته، كفلت الهيمنة الاستعمارية، إشعال صراعات كبيرة يواجهها قادة الدول في مرحلة ما بعد الاستعمار، لتأكيد سلطتهم. وقد فعلت ذلك من خلال إنشاء دول ذات قدرة محدودة على تقديم الخدمات والسيطرة على أراضيها.

ولم يكن المسار الاستبدادي غير المستقر، الّذي اتّبعته العديد من الدول بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية، محض صدفة. فقد عُبّد الطريق إلى ذلك، عبر الأساليب التي قوّضت بها الإمبريالية الأوروبية العناصر الديمقراطية داخل المجتمعات الأفريقية.

لذلك يُصبح فهم الأثر الأعمق للاستعمار، مهما للغاية، ليس فقط من أجل منحنا قدرة أفضل على فهم التاريخ، بل لأنه يساعد في وضع تطور السياسة الأفريقية منذ ذلك الحين، في سياق صحيح.

حكم الرجل الكبير

في المرحلة ما قبل الاستعمار، عاشت العديد من المجتمعات الأفريقية، وإن لم تكن جميعها، في مجتمعات صغيرة نسبيا، والتي كانت أصغر بكثير من الدول المركزية الحديثة. وفي بعض الحالات، لم تعترف هذه المجتمعات برموز سلطة مركزية قوية، على الإطلاق. فإن ذلك يضع قيودا على مدى إمكانية إساءة استخدام السلطة. وكان انخفاض الكثافة السكانية يعني أن المجتمعات قد تنتقل إلى العيش في مناطق أخرى، إذا ما أفرط الحاكم باستغلالهم.

لم تكن هذه النظم السياسية والاجتماعية تُعبر بالضرورة عن الديمقراطية. فغالبًا ما سيطر الرجال كبار السن، والأثرياء على السلطة. ولكن معظمها كانت بعيدة كل البعد عن الأنظمة السياسية المركزية القادرة على ممارسة القمع الجماعي.

لكن الاستعمار غير هذه الصورة بشكل أساسي بطريقتين. الأولى، أنشأ حدودًا وطنية محددة بوضوح، وهيكل سلطة مركزية، إلى جانب ممارسة نفوذ بيروقراطي وأمني، أكثر شمولًا. وهكذا، تمتع الرؤساء في مرحلة ما بعد الاستعمار بإمكانية التسلط على مساحة شاسعة ومجموعة متنوعة من المجتمعات.

ثانيا، كانت الحكومات الاستعمارية تفتقر عادة إلى عدد كاف من المسؤولين لإدارة أراضيها بفعالية. وبهدف الحفاظ على الاستقرار السياسي، تعاونت هذه الحكومات مع القادة أو هياكل السلطة القائمة. وفي العديد من الحالات، تضمن هذا تمويل وتسليح المتعاونين، لتمكينهم من ممارسة سيطرة إضافية على مجتمعاتهم، في مقابل أن يقوم هؤلاء الزعماء المحليين بإدارة مجتمعاتهم، ومنع التمرد على الحكم الاستعماري.

وبالنسبة لحكومات الاستعمار، فقد كان التعامل مع عدد قليل من الزعماء الذين يمكنهم السيطرة على أعداد كبيرة من الناس، الطريقة الأنجع للإدارة. بالإضافة إلى ذلك، افترض العديد من مسؤولي الاستعمار زورا، أن الأفريقيين يعيشون في ممالك قبلية. ونتيجة لذلك، ركز هذا المنطق على تركيز السلطة في أيدي عدد صغير نسبيا من "الرجال الكبار" والهويات العرقية الراسخة.

وقاومت بعض المجتمعات الأفريقية فرض ما اعتبروه هياكل سلطة غير شرعية. فيما قام رواد الأعمال السياسيون، في بلدان أخرى، بمنح الأنظمة الاستعمارية ما تطلبه في محاولة لمراكمة المزيد من السلطة. لكن في كلتا الحالتين، ضلعت الحقبة الاستعمارية في إضعاف ونبذ "رعاياها".

كما أنها وضعت الأسس السياسية للعديد من الدول الأفريقية التي سيطر عليها لاحقا، الصراع على السلطة بين زعماء المجتمعات المختلفة.

ولادة تزوير الانتخابات

وفي مرحلة الاستقلال، سلمت القوى الأوروبية هذه الدول، مؤسسات ديمقراطية معطوبة. فلم تقم حكومات الاستعمار بتهيئة الظروف التي يمكن للنظام الديمقراطي أن يتماسك من خلالها، ويزدهر. وفي بعض الحالات، رفضت هذه الحكومات إجراء انتخابات حتى عشية الاستقلال. وبدلاً من ذلك، سعت بشكل منهجي إلى حرمان الأفريقيين من حقوقهم السياسية والاقتصادية، وإعاقة نشوء أحزاب وطنية شعبية.

وبالطبع، انطوى ذلك عادة على قوانين في غاية القمعية. وقد مكّن ذلك الحكومات من فرض الرقابة على وسائل الإعلام، وحظر الاجتماعات العامة، واحتجاز الزعماء السياسيين بتهم واهية. وعندما تعرضت الأنظمة الاستعمارية للتهديد، كان رد فعلها الطبيعي، يتمثل بالتخويف والعنف.

آثار الاستعمار البريطاني في أفريقيا ظاهرة بعد 50 سنة من مغادرتها (أ ف ب)

وجميع هذه السياسات سُنت من قبل دول كانت مركزية للغاية والتي مارس فيها الحكم الاستعماري سلطة واسعة. وفي بعض الدول، ككينيا ونيجيريا، حاولت حكومات الاستعمار التلاعب بالانتخابات لضمان خروج حلفائها منتصرين. وكانت أول انتخابات مزورة أجريت في القارة هي تلك التي نظمتها بريطانيا أو فرنسا.

وإذا أمكننا الافتراض بأنّ الحكومات الاستعمارية علّمت النخبة السياسية الطموحة أي شيء، فإنه يكمن في كيفية استخدام الاستقطاب المشترك والإكراه لتفكيك الحركات الشعبية. وبالطبع، فرضت العديد من الحكومات الأفريقية قيودًا على الحريات الأساسية لمواطنيها من خلال استخدام تشريعات الحقبة الاستعمارية الّتي لا تزال موجودة في كتب القوانين.

ومنذ بضعة أعوام فقط، على سبيل المثال، قُبض على خمسة صحافيين في زامبيا بزعم أنّهم وصفوا سياسيًا حكوميًّا بأنه "عديم الفائدة"، بموجب المادة 179 من قانون العقوبات، وهي مادّة سُنت لأول مرة في ظل الحكم الاستعماري البريطاني.

صعود الاستبداد الهش

أدّى هذا الميراث الاستعماري المعقد إلى نشوء عدّة حكومات تتميز بالاستبداد الهش. فمن ناحية، كانت الهياكل الاستبدادية التي رعاها الاستعمار، تعني تقويض الدساتير الديمقراطية بسرعة بعد الاستقلال. أما من الناحية الأخرى، فقد أدّت الأثر الاجتماعي والسياسي الذي خلفه الاستعمار، إلى تصعيب سيطرة الحكومات على مواطنيها.

وأدّى هذا التوتر إلى ظهور عدّة أنظمة سياسية كافحت من أجل إقامة بديل مستدام للديمقراطية.

وكانت التحديات التي واجهها زعماء هذه الدول في مرحلة ما بعد الاستعمار، صعبة جدا، لأنها كانت متشعبة للغاية، فقد واجهوا تهديد المنافسين من الزعماء المحليين على نمط "الرجال الكبار"، كما أنهم ورثوا في الحقيقة، دولًا تفتقر إلى بنية أساسية فعالة أو خدمات عامة. كما أنهم تسلموا اقتصادات صُممت لاستخراج الثروة (وتصديرها لأوروبا) بدلًا من خلق فرص عمل جماعية.

وافتقرت معظم الحكومات الأفريقية إلى الأموال اللازمة لتعويض هذا العجز. وازداد هذا الواقع سوءًا، عندما شهدت أوائل سبعينيات القرن الماضي فترة تدهور اقتصادي. ونتيجة لذلك، كان بناء أنظمة شمولية فعالة، تستطيع الدولة فيه استخدام القمع والسيطرة على المعلومات لتنظيم جميع جوانب الحياة، مستحيلًا في الغالب.

(أ ف ب)

وبهذا المعنى، فإن الدول الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار، استنسخت الدول سمة أساسية من الحكم الاستعماري؛ وهو أنه في غياب دولة قوية، فإن الحفاظ على الاستقرار السياسي يعتمد على مزيج من الإكراه والاستقطاب المشترك. ويمكن للزعماء الذين يستوعبون أهمية هذا التوازن أن يهيمنوا على السلطة لعقود. أما أولئك الذين لا يتمكنون من فهم هذا المنطقة، فإن إطاحتهم من السلطة قد تتم خلال أسابيع معدودة.

الماضي والحاضر

بالطبع هناك أنواع أنظمة مختلفة في أفريقيا ولا يتلخص وصف جميعها بالاستبداد الهش. كما أن الطرق التي تفاعل بها الموروث الاستعماري لم تكن موحدة. فقد شُكلت بواسطة الاختلافات في القوى الاستعمارية والاستراتيجيات المختلفة التي اتبعتها كل من بلجيكيا وبريطانيا وفرنسا والبرتغال.

كما أن القرارات التي اتخذها الزعماء الأفريقيين، وطبيعة الحركات الوطنية التي ناضلت من أجل الاستقلال، لها أهمية كبرى. فعلى سبيل المثال، في بوتسوانا وموريشيوس، تمكنت الدولتان بناء ديمقراطيتين متعددتي الأحزاب، والمحافظة عليهما بعد الاستقلال.

لكن الاستثناءات تُثبت القاعدة الأساسية، بطريقة أو بأخرى. وبشكل عام، فقد عزز الاستعمار العناصر الاستبدادية داخل المجتمعات الأفريقية بينما قوض عناصر الإدماج والمساءلة التي لعبت دورا في موازنتها سابقا. وأدى الأثر التراكمي لهذه التغييرات، إلى منع الدول الأفريقية من صياغة مستقبل ديمقراطي.

وعند النظر إلى الإمبريالية الأوروبية بناء على هذا المنطق، فإن من الواضح أنه ما من سبب لديها للتفاخر بتاريخها الاستعماري.