في حروب مستقبلية... لن يتمكن الجيش الأميركي من الاختباء

 في حروب مستقبلية... لن يتمكن الجيش الأميركي من الاختباء

 

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"عن مقال للكاتب مايكل بيكلي، وهو أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة تافتس، ومؤلف كتاب "لا نظير لها: لماذا ستبقى أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم".


حظيت الولايات المتحدة في معظم مراحلها التاريخية، بترف خوض الحروب من مكان آمن، ولم تندلع معارك عالمية كبرى على أراضيها في قارة أميركا الشمالية، منذ أكثر من قرنين من الزمن، كما لم تتعرض المناطق الخاضعة لسيطرتها خارج القارة، لهجوم جدّي منذ أن فجرت اليابان "بيرل هاربر" في الحرب العالمية الثانية.

وحتى القواعد الأميركية الموجودة على أراضٍ أجنبية لم تواجه في العقود الماضية، سوى قليل من التهديدات العسكرية التقليدية. وقد تمكنت الولايات المتحدة عبر هذه الحصانة غير المسبوقة تاريخيا، من اتباع طريقة خاصة بها في الحروب، والتي تنطوي على تنفيذ هجمات عملاقة ، من ملاذات محصنة تقريبًا ونائية جغرافيًّا.

وعلى سبيل المثال، فإن الجيش الأميركي استخدم في حروبه الأخيرة في أفغانستان والعراق وليبيا وصربيا، قواعد آمنة وشبكات لوجستية تمتد من قلب الولايات المتحدة إلى حدود أعدائها. ومن هذه المساحات الآمنة الشاسعة، كان الجيش قادرًا على اختيار معاركه بشكل إستراتيجي وتوجيه ضربات جوية وصواريخ بكفاءة صناعية عالية. نتيجة لذلك، لم تكن نتائج الحروب المباشرة، ولا تداعياتها، موضع شك من الناحية العسكرية.

ومع ذلك، فقد تمكن التقنيات الحديثة في حروب مستقبلية محتملة، القوتين العظميَيْن المنافستين لها، المتمثّلتَين بالصّين وروسيا، بتنفيذ هجمات دقيقة ومدمّرة لقواعد الجيش الأميركي وشبكاته اللوجستية، وحتى تلك الموجودة داخل الولايات المتحدة.

إن التقدم في مجالات الفضاء، والروبوتات، والتعلم الآلي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والمواد النانوية، يخلق فئات جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة الفتاكة التي يمكن إطلاقها في تكتم تام، لتعبر مساحات هوائية شاسعة، وتحيد القوات المُزدحمة، مقابل جزء صغير من التكلفة التقليدية للأسلحة المأهولة.

نموذج للصواريخ الجوّالة (أ ب)

وعلى سبيل المثال، فإن الصواريخ الجديدة التي تسير في سرعات تفوق سرعة الصوت، تدمج سرعة الصواريخ البالستية ومداها، مع دقة الصواريخ الجوالة وقدرتها على المناورة. ولقد وصلت المركبات الجوية المسيرة، والمركبات التحت مائية المسيرة، إلى مدى عابر للمحيطات. ويمكن للخوارزميات تنسيق أسراب تضم أكثر من ألف مركبة مسيرة، كما يمكن لطابعات الكربون ثلاثية الأبعاد إنتاج ألف جسم بدون طيار يوميا بتكلفة تقل عن 10 دولارات لكل نسخة، ويمكن للمواد النانوية تزويد الطائرات برؤوس حربية تكون ضعف قوة المتفجرات التقليدية.

وستتحول طرق خوض الحروب التي تتبعها الولايات المتحدة حاليا، إلى أساليب عتيقة الطراز، في حال نشرت روسيا والصين مثل هذه التّقنيّات، فقد باتت الدّولتان المسلّحتان بترسانات كبيرة ومتنامية من الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة المسلحة، قادرة بشكل متزايد على حرمان الولايات المتحدة من الملاذ الآمن الذي تمتعت به في السابق لشن عملياتها العسكرية.

لقد تطلب ضرب القواعد العسكرية الأميركية في العصور التكنولوجية السابقة، جرأة بالغة، ولم يكن هذا النوع من الضربات عادة، سوى محض غارات صغيرة للغاية ومتقطعة، بحيث لم تستطع إضعاف القوة القتالية الأميركية، أو اللجوء إلى الصواريخ النووية التي كان استخدامها سيؤدي بالتأكيد إلى انتقام مماثل ومدمر من النوع ذاته. وبخلاف ذلك، فتستطيع كل من الصين وروسيا اليوم، إطلاق كميات كبيرة من الصواريخ التقليدية وإرسال الطائرات المسيرة الحربية، لتدمير الشبكات العسكرية الأميركية، وسحق منصات أسلحة الولايات المتحدة في قواعدها، وقطع وصلات الاتصالات الأميركية، ومحو مخزونها الضروري من الوقود والذخيرة.

ومن المتوقع أن يواجه الجيش الأميركي مشكلة حقيقية بسرعة الاستجابة لمثل هذه الهجمات لأنه غير مهيئ لها، فلا تملك معظم القواعد سوى عدد قليل، من أنظمة الدفاع الصاروخية أو الملاجئ الصلبة، إن وُجدت أصلا. وعادة ما تكون المواقف الخاصة بالآليات القتالية والسفن الحربية، مكشوفة وتتراص فيها المركبات.

وتعتمد الاتصالات بين مراكز القيادة والجنود في الميدان اعتمادًا كبيرًا على الأقمار الصناعية التي تتبع المدارات التي يمكن التنبؤ بها، وعلى الكابلات البحرية الموجودة في المصادر المفتوحة (ما يسهل استهدافها). وتتألف القوة اللوجستية الأميركية أساسًا من سفن غير مسلحة تعمل بالبخار، ومن المقرر أن تُخرج معظمها من الخدمة في غضون 15 عاما. ويُضاف إلى ذلك أنه لا يمكن إعادة شحن السفن الحربية والغوّاصات الأميركيّة في عرض البحر، لذا، تضطر الغواصات والسفن في أوقات الحرب، إلى التنقل بين ساحة القتال وبعض الموانئ التابعة للولايات المتحدة أو للأراضي الحليفة.

(أ ب)

ولقد نجم نوع من أنواع المفارقة عن مثل هذه الثغرات الأمنية الأميركية الهائلة المصحوبة بالتطور التكنولوجي السريع؛ فمن الناحية الأولى، تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم بفارق شاسع عن الجيوش التي تليه في قوتها، ولكن المحاكاة لحروب محتملة مع الصين أو روسيا، دائما ما تُشير إلى أن الجيش الأميركي قد يُدمَّر في حال أطلقت القوتان العظمَيان، صواريخهما وطائراتهما المسيرة.

بل أن المشكلة أكبر من ذلك، في محاولة لمواجهة قدرات الصين وروسيا، في نظام أسلحة "منع الوصول/ إنكار المنطقة"، وهو عبارة عن جميع الأسلحة والاستراتيجيات المخصصة لمنع الخصم من احتلال منطقة أو الدخول إليها، والتي في هتين الحالتين ستستهدف نظريا، القوات الأميركيّة الأمامية، فإن الجيش الأميركي أصبح يزيد تدريجيا، اعتماده على أنظمة القتال التي تتطلب قواعد آمنة وشبكات لوجستية لتنفيذ عملياته.

وعلى سبيل المثال، تُنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات لإنتاج قاذفة القنابل الجديدة "بي 21 رايدر"، المخصصة لاختراق شبكات الأنظمة الدفاعية على نمط "منع الوصول/ إنكار المنطقة". لكن هذه الطائرة الحربية الفاخرة، لن تكون جاهزة للعمل إلّا بعد نحو عقد من الزمن، بينما قد تمتلك روسيا والصين، اليوم القدرة على تدمير هذا النوع من الطائرات من الأرض. فربما تكون الدولتان قد وضعتا صواريخ جوالة متطورة في حاويات شحن يمكن أن تضرب القاعدة المستقبلية لقاذفات "بي 21 رايدر"، وهي قاعدة "وايتمان" الجوية في ولاية ميسوري، عبر إطلاقها من خليج المكسيك.

الجيش الأميركي في أفغانستان (أ ب، أرشيفية)

وفي مثال آخر؛ تخطط البحرية الأميركية لبناء مئات السفن الحربية الجديدة على مدار العقود الثلاثة المُقبلة، وتوزيعها على مجموعات صغيرة. وستعمل هذه العمليات البحرية الموزعة على تقليل تعرض الولايات المتحدة لأنظمة "منع الوصول/ إنكار المنطقة" الخاصة بأعدائها، ولكن ذلك سيؤدي إلى تشغيل رثٍّ للقوات اللوجستية الأميركية، حيث سيتحتم عليها نقل الإمدادات إلى مئات السفن المنتشرة على ملايين الأميال المربعة. وأعدت الصين وروسيا، خططا لضرب هذه الخطوط اللوجستية بالصواريخ والألغام الذكية.

لقد حان الوقت لكي يستعدّ الجيش الأميركي للقتال بدون استخدام ملاذاته الآمنة، وبدلاً من انتظار اندلاع الحروب ومن ثم إرسال حاملات الطائرات الضعيفة والألوية المدرعة عبر البحار، ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع قاذفات الصواريخ والطائرات المسلحة على الأراضي الحليفة والسفن التجارية في مناطق النزاع المحتملة.

وإذا كان الحديث عن اندلاع حرب مع الصين أو روسيا، فإن ذلك يعني أن هذه المناطق الحليفة ستكون قرب دول البلطيق، وبحر الصين الشرقي والغربي. وستكون هذه الصواريخ والطائرات المسيرة الأميركية في حال نُشرت في هذه المناطق، بمثابة حقول ألغام ذات تقنية عالية، باستطاعتها تدمير قوات فرض الهيمنة الصينية والروسية في هذه المناطق، وسيكون من الصعب على أي من الدولتين التخلص منها ولن يتطلب الأمر وجود أطقم كبيرة أو ذيول لوجستية.

ويستفيد هذا النهج، في حال نُفذ، من عدم التناسق الأساسي في أهداف الحرب للولايات المتحدة وخصومها؛ ففي حين أن الصين وروسيا بحاجة إلى السيطرة على الأراضي (مثل تايوان أو جزء من دول البلطيق) لتحقيق أهدافهما الرئيسية، فإن الولايات المتحدة لا تحتاج سوى إلى حرمانهما من تلك السيطرة، وهي مهمة تُعد الصواريخ والطائرات المسيرة مناسبة تمامًا لأدائها.

وتملك الولايات المتحدة القدر الكافي من التكنولوجيا اللازمة لجعل هذه الإستراتيجية حقيقية وناجحة، لكن اللاعبين المحليين الأقوياء يترددون في الالتزام بها، فإن إدارة البحرية الأميركيّة ترغب بسفن حربية كبيرة، وليس زوارق صواريخ، بينما تريد إدارة سلاح الجوّ، المزيد من الطائرات المأهولة، وليس تلك ذاتية التحكم. بينما تريد شركات الأسلحة المتعاقدة مع الجيش الأميركي، تشييد منصات فرض هيمنة باهظة الثمن، وليس منصات صغيرة.

ناهيك عن أن أعضاء كُثر في الكونغرس يشاركون شركات الأسلحة، بهذا الطموح، لأن المنصات المُكلفة التي تتطلب عقود لإنهائها، وشراء المنتجات في سبيلها، تنتج أيضا وظائف كثيرة في دوائرهم الانتخابية.

وسيحتاج الخروج هذا المأزق وتحديث الطريقة الأميركية لخوض الحروب لملائمة عصر تكنولوجي جديد، التزاما قويا من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع والضغط المستمر من الجمهور المثقف. تاريخيا، لم تقم الولايات المتحدة بإصلاح موقفها العسكري إلا بعد تعرضها لصدمة كبيرة. سيكون من المأساوي أن تنطوي الصدمة التالية على خسارة الحرب لخصم أضعف ولكن أكثر ذكاءً من الناحية التكنولوجية.