الهند تدخل عصرًا مظلمًا جديدًا

الهند تدخل عصرًا مظلمًا جديدًا
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"، لمقال للكاتبة شيخا داليما، محللة سياسية تعرف نفسها على أنها ليبرالية تقدمية.


اعتُبرت الهند عندما كانت دولة ذات اقتصاد هش وغير ممأسس، بقعة مضيئة سياسيا وروحانيا وفّرت لسكانها حرياتهم الأساسية، وشكلت ملاذا للغربيين الباحثين عن السلام والحكمة الروحانية. لكن ذلك يتغير في عهد رئيس الوزراء الحالي، نارندرا مودي، حيث باتت الهند في تراجع على جميع الأصعدة؛ فاقتصادها في هبوط حر، حيث أن نموه يهبط للعام السادس على التوالي، كما وصلت البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ 45 عاما. أما نظامها، فقد أصبح مستبدا، بينما يزداد التعصب لدينها المهيمن، الهندوسية.

لكن الأمر الأكثر إحباطا بما وصلت إليه أحوال الهند، هو أنها فقدت إرادتها لمحاربة هذا الهبوط المظلم. وقد يكون أكثر مثالا صارخا وحديثا لذلك، هو الصمت المُطلق تجاه تطورين كبيرين حدثا في الأسابيع القليلة الماضية؛ الأول يتعلق بنفي صحافي من البلاد، والآخر هو الحكم الصادر عن المحكمة العليا في قضية مسجد بابري، القضية المستمرة منذ 27 عامًا، والتي تتعلق بأرض يدعي كل من المسلمين والهندوس ملكيتهم لها.

(أ.ب.)

وفي خطوة استبدادية صريحة، جردت حكومة مودي الصحافي آتيش تيسير، من وضعه كمواطن هندي "أجنبي"، الموازية لـ"غرين كارد" في الولايات المتحدة، وذلك يعني نفيه من البلاد التي نشأ فيها. وتزعم الرواية الرسمية أن تيسير الذي ولد في بريطانيا لأم هندية وأب باكستاني، احتال على المنظومة لكونه "لم يكشف" عن خلفية والده العرقية عندما قدم طلب المواطنة، وهو اتهام سخيف بالنظر إلى أن تيسير ينحدر من عائلة تتمتع بتاريخ بارز للغاية ومعروفة على نطاق واسع منذ عقود.

في الحقيقة، فإن آتيش لم يلتق بوالده سلمان تيسير، إلا بعد أن بلغ 21 عاما من العمر، وكان والده حاكم محافظة بنجاب في باكستان، قبل اغتياله عام 2001، على يد متطرفين رفضوه لكونه رجل إصلاحي تقدمي، ولمعارضته الشديدة لقوانين التجديف في دولته، في واقعة تصدرت عناوين الصحف العالمية.

أما والدة آتيش، تافلين سينغ، والتي لم تتزوج والده قط، وجلبت ابنها للهند عندما كان طفلا، فتُعد صحافية هندية لامعة، دعمت بشدة حصول مودي على منصب رئيس الوزراء. وهي "ليبرالية" تنتمي لديانة السيخ، ومع ذلك، فقد حطمت قواعد مجتمعها وزملائها الصحافيين، ودعمت مودي منذ بداية مسيرته نحو السلطة. ولقد كتبت مقالا تلو الآخر، مؤيدة دعاية مودي بأن حزب "المؤتمر" الحاكم السابق، كان مرتبطا بإرث ملكي، وفاسدا، ومتحيزا، ويجب طرده من السلطة. وزعمت أن مودي، الذي أخذ قضية التنمية الاقتصادية شعارا لحملته الانتخابية، يستحق فرصة رئاسة الوزراء، متجاهلة أنه كان قد أشرف على مذبحة ضد المسلمين في ولاية غوجارات، عندما كان رئيسها في عام 2002.

(أ.ب.)

إذن ما الذي فعله آتيش تيسير، الذي يقسم وقته بين نيويورك ونيودلهي، ليستحق المنفى؟ لقد عارض نهج والدته وكتب مقالا نُشر على غلاف مجلة "تايم" الأميركية، عشية إعادة انتخاب مودي في أيار/ مايو الماضي، تحت عنوان "مُقسّم (طائفي) في السلطة"، انتقد فيه مودي، لتغذيته نهجا هندوسيا انتقاميا (وحشيا)، وغض الطرف عن العنف الهندوسي المتزايد ضد المسلمين الهنود.

أما والدته الغاضبة، فقد باتت الآن تدين حكومة مودي واصفة إيها بأنها "ليست خاطئة فقط، بل شريرة أيضا". لكن مودي استهدف ابنها على وجه التحديد لإرسال رسالة تذكيرية، مفادها بأنه ما من شخص محصن ضد غضبه.

ودفع طرد تيسير 260 شخصية بارزة خارج الهند، إلى التوقيع على عريضة تطالب حكومة مودي بالتراجع عن قرارها، لكن الرد في الهند كان صامتا نسبيا. وصدرت بعض المقالات النقدية، معظمها مناهض للمؤسسة الحاكمة، ولكن ليس بما يستحقه الحدث من قلق حقيقي. ويبدو الأمر كما لو أن وسائل الإعلام الهندية اعتادت التعرض للأذى الشديد، أو الخوف في حال عبرت عن معارضة قوية لمودي، في أعقاب الاغتيالات الوحشية والاعتقالات لمعارضي الهندوسية وصحافيين آخرين، وهو هدف رئيس الوزراء بالضبط.

لكن إذا كانت ردود الأفعال الهندية الضعيفة لقضية تيسير مثيرة للقلق، فإن رد الفعل على القرار الصادر عن المحكمة العليا في وقت سابق من الشهر الجاري، في قضية مسجد بابري، أمر مخيف/مُجزع حقًا.

(أ.ب.)

بدأت هذه القضية عام 1992 عندما قاد قادة حزب "بهاراتيا جاناتا" (الحاكم اليوم)، في موكب تحريضي من المتطوعين الهندوس إلى بابري، وهو مسجد أُسس في القرن السادس عشر، ودفعوهم إلى هدم المسجد بأيديهم العارية. وكان مودي، السياسي الجديد يركب في إحدى عربات الموكب. واحتج حزب "بهاراتيا جاناتا" على المسجد بزعم أنه شُيّد مكان مسقط رأس الإله راما، أحد أكثر الآلهة الهندوسية تبجيلًا، على يد حاكم مسلم قام متعمدا بهدم أحد المعابد الهندوسية.

ويُمكن اعتبار أن النتيجة القانونية الأخلاقية الوحيدة لقضية كهذه، ستتمثل بإعادة الأرض إلى مجلس إسلامي كان يملك المسجد قبل تدميره، لكن هذا لم يحدث، بل رفض القرار المتخذ بالإجماع، والمؤلف من 1000 صفحة، حكم محكمة أدنى أوصى بتقسيم الأرض بين الهندوس والمسلمين لأن ذلك سوف يتعارض مع "السلام العام والهدوء". وسلم الموقع بأكمله إلى حكومة مودي للإشراف على بناء المعبد. وبعبارة أخرى، سمحت المحكمة العليا لاعتبارات سياسية وليس قانونية بأن تؤثر على رأيها.

وكان يُفترض أن ينجم عن ذلك غضبا شعبيا، لكن، وبشكل ملحوظ، حتى الليبراليين العلمانيين الذين يُفترض أنهم يعارضون القومية العرقية الهندوسية بدوا مرتاحين من الحكم أكثر من غاضبين عليه، لأن المحكمة اعترفت على الأقل بأن التدمير الأصلي للمسجد كان عملاً من أعمال "التخريب السياسي" الذي يستحق التعويض. واستخدمت المادة 142، وهو القانون الذي يمنح المحكمة صلاحيات كاسحة لتنفيذ "العدالة"، لتأمر بمنح الهيئة الإسلامية، أرضا بضعف الحجم الأصلي لبناء مسجد في مكان آخر.

(أ.ب.)

وتعاملت المحكمة مع القضية باعتبارها نزاعًا على الممتلكات، مدعية رفض فكرة أن الهندوس يستحقون الحصول على الموقع بسبب أهميته الدينية لهم. لكن ما أهدأ الليبراليين حقًا هو أن المحكمة قامت بجهود للتأكيد على أن قضية مسجد بابري لن تشكل سابقة لمصادرة المساجد في المستقبل، بالنظر إلى أن الهندوس يعارضون حرفيا، وجود الآلاف من الأماكن الإسلامية، بما في ذلك تاج محل.

كيف ذلك؟ أشارت المحكمة إلى أن قانون أماكن العبادة لعام 1991 يتطلب من البلاد احترام الوضع الراهن الذي كان قائماً في الوقت الذي نالت فيه الهند استقلالها عن بريطانيا عام 1947. ومع ذلك، فقد أخرج هذا القانون بابري من نطاق اختصاصه لأنه كان موضوعًا قضائيا طويل الأمد. ومن الحماقة الاعتقاد بأن مودي، الذي يمتلك حزبه أغلبية قوية في البرلمان، سيواجه صعوبة كبيرة في إلغاء قانون عام 1991 لتمهيد الطريق لنزع ملكية أماكن العبادة الإسلامية بشكل منهجي.

بمعنى آخر، لا تشكل القوانين الدائمة عائقًا أمام طموحات القوميين الهندوس المتطرفين في عهد مودي. فلننظر مثلا إلى أنه في الأشهر الستة التي أعقبت إعادة انتخابه، ألغى الحكم الذاتي الذي مُنِح دستوريًا للأغلبية المسلمة في كشمير، ولا يزال قادة الإقليم رهن الإقامة الجبرية. كما أطلق حملة غير مسبوقة لتجريد ملايين المسلمين في ولاية آسام من جنسيتهم. وقد صرح وزير الداخلية عميت شاه، هذا الشهر بشكل قاطع بأن خطط حكومته تجعل هذه الحملة وطنية قبل انتخابات 2024.

وتدل ردود الفعل الوطنية، إن وُجدت أصلا، تجاه قضيتي تيسير، ومسجد بابري، على أن الرادع الوحيد لطموحات الهندوسية في الهند تحت حكم مودي ليس قانونينا أو سياسيا، بل بما يرتضيه مودي ويصممه. وإذا كان تيسير غير قادر على صون حقوقه في حرية التعبير والمواطنة، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن لأي مواطن من مواطني الهند المسلمين، البالغ عددهم 140 مليون نسمة، المحافظة على حقوقهم.

كانت هناك لحظة قصيرة في التسعينيات عندما بدا أن الهند ستحرر اقتصادها لتتماشى مع نظامها الليبرالي، لكنها تشهد عكس ذلك اليوم، وأصبح ليبراليو الهند أضعف من إيقافه. الاستبداد يفوز في جميع أنحاء الهند.