الصهيونية، تاريخ طويل من التقارب مع اللاسامية

الصهيونية، تاريخ طويل من التقارب مع اللاسامية
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتبة Hadas Thier، ناشطة واشتراكية تعيش في نيويورك، ومؤلفة كتاب "دليل الشعب للرأسمالية: مقدمة للاقتصاد الماركسي"، في مجلة Jacobin Magazine.


قد يثق البعض بدونالد ترامب، ويدعمونه في التصدي لارتفاع معاداة السامية، ففي الولايات المتحدة فقط، وقعت أكثر من 100 حالة اعتداء ضد اليهود عام 2018، تراوحت بين الاعتداء الجسدي، والحرائق المتعمدة، والتخريب، والتهديدات، بما في ذلك حادثة إطلاق النار في كنيس في بيتسبورغ، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته، والتي أودت بحياة 12 شخصًا.

ويبدو أنّ إطلاق النار الذي وقع يوم الثلاثاء الماضي، في سوق مخصص للطعام الكوشر، في مدينة جيرسي، كان آخر اعتداء معادٍ لليهود.

لقد أطلق ترامب مرّة على نفسه وصف "الشخص الأقل معاداة للاسامية، الذين سوف تصادفونه بحياتكم"، لكن القرار الذي أصدره في الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، والذي يُزعم أنه يستهدف اللاسامية في حرم الجامعات، يكرس، ولسخرية القدر، مجازًا لاساميًا؛ فعبر تعريف اليهودية كقومية، فإن اليهود (الأميركيين)، بحسب هذا المنطق، أجانب بطبيعتهم. ولا ينبغي لذلك أن يفاجئ أحد، بالنظر إلى المأوى التي وجدته الفوقية العرقية البيضاء، ومعاداة السامية في البيت الأبيض تحت إدارة ترامب.

ليس هذا بأمر جديد على ترامب، الذي رفض تعريف مسيرة "توحيد اليمين"، سيئة السمعة، عام 2017، في شارلوتسفيل في فرجينيا، على أنها مسيرة تمجد الفوقية العرقية البيضاء، واللاسامية، كما أنه صرّح مؤخرًا أمام غرفة مليئة باليهود، في "المجلس الإسرائيلي الأميركي":

"أنتم قتلة وحشيون، ولستم بأناس لطاف البتّة، لكنكم مضطرون للتصويت لصالحي، ليس أمامكم خيار آخر، فلن تصوتوا لبوكاهنتس بالتأكيد، ولن تصوتوا لصالح فرض ضريبة على الثروة، بعضكم لا يحبني، وفي الواقع، أنا لا أحب بعضكم على الإطلاق، وستكونون أكبر مؤيدين لي، لأنكم ستخسرون أعمالكم خلال 15 دقيقة، في حال (الديمقراطيون) فازوا بالرئاسة، لذا، لست مضطرًا لإمضاء وقتٍ طويل في ذلك (الإقناع)".

لكن النية من وراء الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب مؤخرًا، ليست الحماية الواضحة والمباشرة لليهود، بل إسكات الحراكات الداعمة للقضية الفلسطينية. وكما قال الكاتب الأميركي، بيتر بينارت: "إنه لزمن محير ومثير للقلق أن تكون يهوديًا، لأن معاداة السامية آخذة في الارتفاع والكثير من السياسيين يستجيبون لها ليس بحماية اليهود بل بإيقاع الفلسطينيين ضحية".

ويتبنى الأمر التنفيذي، تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" (IHRA) لمعاداة السامية، والذي يحدد هذا المصطلح بشكل عام، على أنه يتضمن عناصر مثل "حرمان الشعب اليهودي من حقه في تقرير المصير، على سبيل المثال، من خلال الادعاء بأن وجود دولة إسرائيل هو مجهود عنصري".

وبتعريف اليهودية كقومية، يتمتع القرار الجديد بسلطة حجب الأموال الفيدرالية عن المؤسسات التعليمية التي لا تكافح بشكل كاف لقمع هذه التعريفات المهينة والتهكمية على نطاق واسع، ولا يحاول ترامب بقراره هذا، محاربة اللاسامية، بل يسعى للقضاء على الانتقادات الموجهة نحو سياسات إسرائيل البربرية، في أحدث فصل من فصول تحالف الصهيونية ومعاديي السامية، الذي بتاريخ الحركة.

"نقاش يعلمون أنهم لن يفوزوا به"

ليس قرار ترامب سوى أحدث "رشقة صاروخية"، في حملة استمرت لأعوام عديدة، تهدف لإعادة تعريف معاداة السامية لغرض منع انتقاد إسرائيل.

وكما قال المدير التنفيذي لـ"الحملة الأميركية لحقوق الفلسطينيين"، يوسف منير، لصحيفة "نيويورك تايمز": "من العصب للغاية بيع مُنتج الفصل العنصري الإسرائيلي، في الولايات المتحدة، وخاصة في الأماكن التقدمية. إدراكاً لذلك، فإن العديد من المدافعين عن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، بمن فيهم ترامب، يتطلعون لإسكات النقاش الذي يعرفون أنهم لن يتمكنوا من الفوز به".

وعلى الضفة الثانية من المحيط، مرر البرلمان الفرنسي مؤخرا، قرارا يساوي بين معاداة الصهيونية واللاسامية. وفي بريطانيا، تعرض حزب العمال برئاسة جيرمي كوربين، لحملة تشويه مزيفة، تزعم أن معاداة السامية متفشية في الحزب. وقد تعرضت عضو الكونغرس الأميركي صومالية الأصل، إلهان عمر، إلى هجوم مشابه، لمحاولة إسكاتها لكونها إحدى النقاد الصريحين للعدوانية الإسرائيلية.

ويشن مؤيدو إسرائيل هجوما مضادا منسقا وممولا بشكل جيد، لتشويه سمعة الحراكات الفلسطينية. وتُعد تهمة معاداة السامية، السلاح المفضل لهم، والحرم الجامعي هو ساحة المعركة المُثلى في مسعاهم هذا.

وكما ذكرت صحيفة "ذي غارديان" مؤخرًا، فإن هذه الاستراتيجية كانت واضحة تماما، وتدفعها مجموعة متنوعة من القوى اليمينية. في مؤتمر عقد هذا الصيف لـ"المجلس الأميركي للتبادل التشريعي"، وهو شبكة تجمع المحافظين من أجل تعزيز السياسات اليمينية، التقى جمهوريون مع جماعات الضغط الداعمة لإسرائيل.

وكان الهدف من لقائهم، دفع مشاريع قوانين، تفضي بأن تُعامل "اللاسامية كالعنصرية تماما. والتعامل مع الطلاب في حركة طلاب من أجل العدالة في فلسطين، كما تُعامل حركة كو كلوكس كلان (وهي حركة إرهابية بيضاء كارهة للسود)، وهذا ما يُفترض بها"، على حد تعبير راندي فاين، وهو ممثل جمهوري عن فلوريدا.

وقال العضو في المجلس الإسرائيلي الأميركي، جوزيف ساباغ، وهي المجموعة التي استقبلت دونالد ترامب مؤخرا، وصفقت بحرارة لخطابه المعادي للسامية المذكور أعلاه:

"تُعد (حركة الطلاب من أجل العدالة في فلسطين) إحدى أبرز الجماعات الأميركية، المروجة للدعاية المناهضة لإسرائيل، وتحظى بصلات مادية بالمنظمات التي تعرفها وزارة العدل الأميركية كمتآمرة في الإرهاب. وفي سياق التسويق لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS)، أو التمييز القائم على الأصل القومي ضد إسرائيل، يوظف أعضاء حركة الطلاب من أجل العدالة في فلسطين، عادةً موضوعات معادية للسامية وتشهيرا دمويا".

وفي الواقع، تتمتع جماعات الضغط الأميركية بتاريخ طويل من العمل مع وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، وجهود "الهسباراه" في تخريب النشاط الفلسطيني في الجامعات، ولقد استهدفوا بشكل خاص التقدم الذي أحرزته حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS) لإصدار قرارات لإخراج الشركات التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي، من الجامعات.

أصغر فصيل "مواجه" لمعادة السامية بين اليهود

لحسن الحظ، تتزايد الأصوات التي تؤكد على أنه ما من تشابه بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، بما في ذلك عدد كبير ومتزايد باستمرار من اليهود والمنظمات اليهودية.

ويختار بعض التقدميين التمييز بين نقد السياسات الإسرائيلية (الإجرامية) التي لا يمكن الدفاع عنها، والاعتراضات الأعمق على المشروع الصهيوني ككل. لكن هذا تنازل خاطئ لمشروع استعماري، وليس للتحرر اليهودي، بغض النظر عن ادعاءاته. فإسرائيل ليست المتحدثة باسم يهود العالم فحسب، بل لا يوجد أي ترابط بين دعم الصهيونية أو إسرائيل من ناحية، ورفض معاداة السامية من جهة أخرى.

كانت الصهيونية حركة هامشية بين اليهود، حتى تصاعد الفاشية في أوروبا. ولم يكن غالبية اليهود مهتمين بالهجرة إلى فلسطين، ناهيك عن طرد سكانها الأصلانيين. وبين الأعوام 1880 و1929، هاجر نحو أربعة ملايين يهودي، من روسيا ودول شرق أوروبا، لكن 120 ألف شخص منهم فقط، هاجروا لفلسطين، بينما انتقل أكثر من ثلاثة ملايين منهم للعيش في الولايات المتحدة وكندا.

وفي عام 1914، بلغ عدد المنتسبين لمؤسسات صهيونية في الولايات المتحدة، 12 ألف شخص فقط، وكان لدى الحزب الاشتراكي العديد من الأعضاء اليهود في الجانب الشرقي الأدنى من نيويورك وحدها.

ونشأت معاداة السامية المعاصرة، من الفترة التاريخية المضطربة التي شهدتها أوروبا الشرقية وروسيا، عندما أفسحت الإقطاعية المجال لتطور الرأسمالية، وفي روسيا، استُخدمت اللاسامية ككبش فداء منظم واستفزازي، من قبل القيصر، كطريقة لتفتيت وإضعاف نضالات العمال.

وتفشت موجة من المذابح، وأعمال الشغب المعادية لليهود، في أنحاء روسيا منذ عام 1881 فصاعدًا، لتمتد إلى بولندا ودول أوروبا الشرقية الأخرى، ووصل اندلاع آخر للعنف ضد اليهود إلى أبعاد أكثر همجية في عام 1903، وليس من قبيل الصدفة، شهد كل من عامي 1882 و1904 موجات من الهجرة إلى فلسطين وبلدان أخرى.

وكانت الصهيونية منذ ظهورها، حركة علمانية وليست دينية، ولذا، فإنها لم تكن أبدًا بمثابة فكرة "يهودية"، بل عارض معظم المتدينين اليهود، نشوء الصهيونية في ذلك الوقت، ولا تزال بعض المجموعات المحافظة (الأرثودوكسية)، تعارض ذلك حتى يومنها هذا، على أساس الشريعة اليهودية.

وتشير الطقوس الدينية اليهودية، إلى العودة إلى الأراضي المقدسة، على المستوى الروحي، وهاجر بعض الحجاج اليهود إلى فلسطين في الماضي، لإنشاء مجتمعات دينية، لكن ليس لإنشاء دولة، أما الصهيونية السياسية، التي سعت إلى تشكيل دولة حصرية لليهود، فقد كانت ظاهرة جديدة نشأت في أوروبا الشرقية استجابة لنمو معاداة السامية الحديثة.

لكن الصهيونية لم تكن سوى رد فعل صغير نسبيًا، على اللاسامية، من بين ردود أفعال أخرى، فقد توافد الكثير من اليهود على الحركات الاشتراكية والشيوعية، والتي لعبت دورًا في غاية الأهمية في الحرب ضد الفاشية، وفي المقابل، كانت الصهيونية عبارة عن استسلام لمعاداة السامية، بل وتواطأت معها في بعض الأحيان.

لقد تلخصت الفكرة الأيديولوجية الأساسية في تأسيس الصهيونية، بأنه لا يمكن الانتصار على اللاسامية أبدًا، وقد وصل الأمر بالصهاينة إلى إيجاد طرح "علميّ" للفكرة القائلة بأنه لا يمكن لليهود وغير اليهود العيش سويًا، فقد زعم إحدى قادة الصهيونية، ليون بنسكر، أن معاداة السامية كانت بمثابة "كارثة نفسية، وأنها وراثية، وأنها مرض غير قابل للعلاج ممتد منذ ألفي عام".

وكتب ثيودور هرتسل، الذي يشار إليه عمومًا على أنه "والد الصهيونيّة"، عن تجربته مع معادة السامية، خلال قضية دريفوس سيئة السمعة في فرنسا، وكيف مكنته من تحقيق "موقف أكثر انعتاقا من معاداة السامية، الذي بدأت أفهمها الآن تاريخيًا، وأن أسامحها، فقبل كل شيء، أدركت الفراغ والعقم في محاولة مكافحة معاداة السامية".

محاكمة درايفوس، (للرسام هنري مير)

وكما يصفها عضو في المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية (المنتهية صلاحيتها اليوم)، فإن الصهيونية "تقبل على الأقل ضمنيًا الافتراضات الأساسية للعنصرية"، أيّ أنّ هناك شيئًا متأصلًا في اليهود أو غير اليهود يستدعي بالضرورة انفصال المجموعتين عن بعضهما البعض.

والتقت أفكار عدد من الصهاينة البارزين من نظيرتها العنصرية الشعبية التي تستهدف اليهود أنفسهم، فقد وافق هرتسل مثلا، على أن اليهود شكلوا عبئًا اقتصاديًا على غير اليهود، ما أدى إلى استدعائهم معاداة السامية بأنفسهم أينما ذهبوا، وهكذا، كان هناك دائمًا اتساق مقلق بين الصهيونية ومعاداة السامية.

ويمكن القول إنه حتى لو لم تتفق الصهيونية مع اللاسامية، فإنها استسلمت لها على أقل تقدير، فقد عبرت بعض المسارات الرئيسية داخل الحركة، عن اهتمام مشترك بين الصهيونية، من جهة، ومعاداة السامية، والفاشية من جهة أخرى، وتتمثل إحدى الأمثلة المروعة بشكل خاص، على هذا النهج، بما عبّر عنه إحدى قادة الصهيونية في ألمانيا في الثلاثينيات، يواكيم برينز، فقد كتب تعليقًا على هتلر، الذي دفع حينها إلى إقامة فصل تام بين اليهود وغير اليهود، ولا سيما حظر التزاوج:

"لقد انهارت نظرية الاستيعاب، لم يعد لدينا أي ملجأ، نريد استبدال الاستيعاب، بالاعتراف الواعي بالأمة اليهودية والجنس اليهودي، هؤلاء اليهود الذين يعترفون بخصوصياتهم هم وحدهم القادرون على احترام دولة قائمة على مبدأ نقاء الأمة والعرق... ويُسحب اليهود من كل مخبئ للعماد والزواج المختلط، هذا لا يجعلنا غير راضين، فبهذا الإكراه للاعتراف بمجتمع خاص والوقوف إلى جانبه بوضوح، نرى في نفس الوقت تحقيق أحلامنا".

ومن الناحية العملية، فإن الدافع الأكثر شموليّة، الذي مكّن الكثير من الصهاينة من رؤية الأنظمة المعادية للسامية، بطريقة إيجابية إلى حدٍ ما، لا يكمن بالضرورة، بكونهم اتفقوا مع معاداة السامية (رغم أنّهم فعلوا ذلك في بعض الأحيان)، بل بأن المشروع الصهيوني كان، وما زال، يعتمد على دعم القوى الإمبريالية، بدءًا بالإمبراطورية العثمانية، ومن ثم بريطانيا، والولايات المتحدة اليوم.

فلم تكن الأقلية المتمثلة بمجتمع استيطاني في فلسطين، قادرة على استعمار السكان الأصلانيين الذين يشكلون أغلبية، دون الدعم العسكري من القوى الكبرى، لم يكن الصهاينة، بمن فيهم أولئك الموجودون في معسكر "العمل" التقليدي، يميزون من أين جاء هذا الدعم، حتى عندما كان الدافع من وراءه هو ازدراء اليهود.

وعلى سبيل المثال، اتفقت النخبة البريطانية الحاكمة مع الصهاينة، على أن دعم إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، سيعود بنتائج مثمرة على الطرفين، لأن الدولة الصهيونية باستطاعتها أن تعمل كثقل مضاد للقومية العربية المتصاعدة في المنطقة، وكمعيق لميل العديد من اليهود في بريطانيا للانضمام إلى الحركات الراديكالية والثورية.

وقدم ونستون تشرشل، هذه الحجة في مقال بعنوان "الصهيونية مقابل البلشفية"، زاعما أنه من المهم "تطوير وتعزيز أي حركة يهودية ذات بروز قوي" مثل الصهيونية التي "يمكن أن تقود مباشرة" باتجاه معاكس لـ"المؤامرة العالمية" التي يقودها "اليهود الدوليون" (وهنا يذكر كارل ماركس وليون تروتسكي، وإيما جولدمان، وروزا لوكسمبورغ)، بهدفة "الإطاحة بالحضارة".

وفي عام 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور، معلنة رسميًا دعمها لإنشاء وطن لليهود في فلسطين، واشتهر اللورد بلفور، الذي كتب الإعلان، بمعادة السامية، ورعى تشريعًا ضد الهجرة اليهودية إلى بريطانيا.

وبدأ المسؤولون البريطانيون في تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للدولة الصهيونية الناشئة في فلسطين، على سبيل المثال، مُنحت 90 في المئة من التنازلات الاقتصادية، لليهود على الرغم من أنهم يشكلون نسبة ضئيلة من السكان، وبينما طرد المستوطنون الفلسطينيين من أراضيهم وأماكن عملهم، نمت القومية العربية ردا على ما كان كارثة مرتقبة واضحة.

ومع صعود الفاشية في أوروبا، شهد تعداد السكان اليهود في فلسطين أكبر نمو، ولكن في هذه الفترة أيضًا، أظهرت الصهيونية وجهها الأقبح فيما يتعلق بيهود أوروبا، ففي غضون أشهر من وصول هتلر إلى السلطة، أرسلت إليه المنظمة الصهيونية الألمانية الرائدة مذكرة لتقديم التعاون، وبينما كان النازيون يحطمون منظمات المقاومة الاشتراكية واليهودية، فقد سمحوا للصهاينة بمواصلة العمل، وفي المقابل، عملت المنظمات الصهيونية الرائدة، على تقويض المقاطعة العالمية المناهضة لألمانيا النازية.

وآمن قادة الصهيونية بأن محاربة معاداة السامية في أوروبا، كانت محض إلهاء عن الفوز بدولة لليهود في فلسطين. ومرة تلو الأخرى، اختاروا التفاوض مع الأنظمة المعادية للسامية، على زيادة هجرة اليهود لفلسطين، بدل مجابهتها. وحددوا في هذه العملية، نوع المهاجرين المرغوب بهم. فقد أعلن حايم وايزمان، على سبيل المثال:

"أريد أن أنقذ اليافعين من أعماق هذه المأساة، الكبار سيموتون، إما يتحملون مصيرهم أو لا يتحملوه، إنهم غبار اقتصادي وأخلاقي في عالم قاسي... فقط فرع من الشباب سوف يبقون على قيد الحياة".

وبالمثل، رفضت "الوكالة اليهودية"، وهي المنظمة الصهيونية المركزية في فلسطين، تخصيص أموال لإنقاذ اليهود الأوروبيين، وقررت إنفاق الأموال على شراء الأراضي في فلسطين.

وعارض ديفيد بن غوريون، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس للحكومة الإسرائيلية، مخططًا يسمح لأطفال اليهود الألمان الهجرة لبريطانيا، وهذا كان تبريره لذلك:

"لو علمت أنه سيكون من الممكن إنقاذ جميع الأطفال في ألمانيا عن طريق إحضارهم إلى بريطانيا، أو جلب نصفهم فقط إلى إسرائيل، فسأختار البديل الثاني، لأننا يجب ألا نزن حياة هؤلاء الأطفال فحسب، بل يجب أن نزن أيضًا تاريخ شعب إسرائيل".

وبحلول عام 1947، أي عشية تأسيس إسرائيل (النكبة)، شكل اليهود ثلث تعداد السكان في فلسطين. ولم تكن المستوطنات وحدها قادرة على خلق دولة يهودية، لذا يجب أن يكون الذراع الآخر للاستراتيجية هو "نقل" السكان العرب (تعبير ملطف مطهر عن التطهير العرقي).

وتبنت غالبية قيادة الصهيونية هذه الفكرة، من هرتسل إلى بن غوريون، وكما قال يوسف فايتز، رئيس قسم الاستعمار في الوكالة اليهودية:

"يجب أن يكون واضحًا بيننا، أنه لا يوجد مجال لكلا الشعبين معًا في هذا البلد، لن نحقق هدفنا إذا كان عربًا في هذا البلد الصغير، لا توجد وسيلة أخرى سوى نقل العرب من هنا إلى الدول المجاورة، جميعهم ولا يجب الإبقاء على قرية واحدة، ولا أي قبيلة".

وقسمت الأمم المتحدة فلسطين عام 1947، مانحة 55 في المئة من الأراضي لدولة يهودية، تاركة الأغلبية العربية مع 45 في المئة فقط من بلدهم، وقبلت القيادة الصهيونية علنًا التقسيم، لكنها وضعت سرًا خططًا لاحتلال بقية البلاد وطرد السكان العرب، وفي الأشهر بين قرار التقسيم وانسحاب الجيش البريطاني، انتهزت المليشيات الصهيونية الفرصة لترويع السكان العرب، في هذا الوقت، ارتكبت فظائع مثل مجزرة دير ياسين سيئة السمعة، التي قتل فيها كل رجل وامرأة وطفل في القرية، بعدد إجمالي بلغ 254 شخصًا.

والمفارقة الأخيرة في الصهيونية هي أنها حولت الأقلية اليهودية المضطهدة في أوروبا إلى أغلبية قمعية في فلسطين، وبدلاً من تحدي الهيمنة، قبل الصهاينة التمييز والفصل العنصري كمبادئ طبيعية للإنسانية، لم يخلص صعود الفاشية الأوروبية قوة دفع هائلة للهجرة إلى فلسطين فقط، بل أيضًا، في نظر العديد من الصهاينة، شرّع التطهير العرقي للعرب، وتبنت معظم فروع الصهيونية اليمينية أفكار الطهارة العرقية كأفكارها الخاصة، وفي نهاية المطاف، يجب أن ترتبط مكافحة معاداة السامية بالنضال الأوسع ضد القمع، لهذا السبب، فإن القتال ضد قمع الفلسطينيين له قواسم مشتركة مع النضال ضد السامية أكثر بكثير من الصهيونية، يجب أن يتجنب هذا الصراع المساومة مع الفاعلين ضده، سواء أكانوا من أمثال دونالد ترامب أو من الهسبراه الإسرائيلية.

إن الحركة التي تضم "صوت اليهود من أجل السلام" وبيرني ساندرز، بقدر ما تفعل مع إلهان عمر، وجيرمي كوربن، يمكن أن تقربنا خطوة من عالم حيث يتم نقل وحشية المذابح والمهن إلى مزبلة التاريخ.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة