"علمانية" الهند تحرك عشرات الآلاف

"علمانية" الهند تحرك عشرات الآلاف
من المظاهرات ضد تعديل قانون المواطنة الهندي (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48":


خلال الأسبوع الماضي، عجّت شوارع المدن والبلدات في جميع أنحاء الهند، بالمحتجين على قانون الجنسية الجديد والخلافي. لقد سار المتظاهرون بأعداد هائلة برغم فرض السلطات قانون حظر التجمع العام، المُستمد من الحقبة الاستعمارية. وبدأ هذا الغليان، بالتبلور في عشرات الجامعات الهندية، مشعلا حملة قمع عنيفة شنتها الحكومة ضد المحتجين، معتقلة الآلاف منهم.

لكن المظاهرات استمرت بالتوسع والانتشار، لتخلق إحدى أكبر الحركات الاحتجاجية التي تشهدها كافة البلاد، منذ عدة عقود. وعلى الرغم من لجوء الحكومة إلى إيقاف خدمة الإنترنت والهاتف المحمول في العديد من المناطق (بما في ذلك في نيودلهي)، فإنها لم تتمكن من احتواء النطاق الهائل للاحتجاجات.

رسومات في الشوارع للاحتجاج على القانون (ا ب)

واتبعت حكومة رئيس الوزراء نارندرا مودي، القومية الهندوسية، منذ إعادة انتخابها في أيار/ مايو الماضي، سلسلة من السياسات والإجراءات التفريقية، بجهارة أكبر، شملت تجريد كشمير من وضعها شبه المستقل. وأصبحت حكومة مودي أكثر استبدادية، مما دفع حتى مجتمع رجال الأعمال الهنود، الذين يتسمون بصمتهم المعتاد تجاه سياسات الحكومة، إلى التذمر من نمو مناخ سام وخلافي في البلاد. لكن قانون "تعديل الجنسية" الذي يبدو أخلاقيا، والذي أقره البرلمان الهندي في 11 كانون الأول/ ديسمبر، كان خطوة تجاوزت كل شيء.

وبحسب ما ينص عليه القانون الجديد، فسيُمنح أبناء الأقليات الدينية في الدول المجاورة، مثل أفغانستان، وبنغلادش، وباكستان، وهم الهندوس، أو السيخ، أو البوذيين، أو المسيحيين، الذين دخلوا الهند بطريقة غير شرعية، فرصة للحصول على المواطنة الهندية.

لكن الحكومة تُعيد بهذا البند البسيط، تعريف الهوية الوطنية الهندية على أساس الدين، ما أدخل دستور البلاد العلماني في أزمة جدية. وبالتزامن مع الامتداد المقترح على المستوى الوطني للسجل الوطني للمواطنين، أي مسح حالة المواطنة لجميع الأفراد في الهند والتي تم تطبيقها حتى الآن في ولاية آسام فقط، أوجد قانون الجنسية إحساسًا متغلغلا بالخوف. أم الاحتجاجات التي تلت ذلك، فقد أثارت في المقابل، التحدي الأشد لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، منذ وصوله إلى الحكم.

إعادة تعريف الهند

يتحدى قانون "تعديل الجنسية" علمانية الهند، فعلى الرغم من أنه يحق للمجموعات المذكورة، أن تحصل على بند قانوني، يمنح أفرادها القدرة على تحصيل على الجنسية الهندية، إضافة إلى أنه من الشرعي أن تختار أي دولة نوعية اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين الذين ستمنحهم الأولوية في التجنيس على أساس عوامل متعددة، مثل تقييم المخاطر، ومتطلبات القانون الدولي، والعلاقات التاريخية، والواقع العملي للهجرة. لكن البرلمان، ربط، وللمرة الأولى منذ اعتماد دستور الهند في عام 1949، الهوية الدينية بالمواطنة بشكل واضح.

من الاحتجاجات في الهند (أ ب)

وتصر الحكومة على أن هذه الأقليات تواجه مخاطر جمّة في أفغانستان، وبنغلادش، وباكستان، وأنه من غير المرجح أن يجد أفرادها ملجأ في أي مكان آخر. لكن هذا الادعاء يحمل في طياته نوايا سيئة على صعيدين: الأول، يتغاضى هذا الافتراض عن المجموعات المسلمة المضطهدة بهذه البلدان، كالأحمديين في باكستان مثلا؛ والثّاني، لم يُذكر في القانون سوى بلدان ذات أغلبية مسلمة، في استثناء واضح للمصادر المحتملة الأخرى للاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، مثل ميانمار (بورما)، وسريلانكا.

ويستثني القانون على سبيل المثال، مسلمي الروهينغا، من احتمال حصولهم على مواطنة هندية في المستقبل. وتزعم الحكومة، من حيث المبدأ، أن المجموعات التي لا يشملها القانون يمكن لأفرادها أن يتقدموا دائما، لطلب الحصول على جنسية، بموجب آليات التجنيس الحالية. لكن هذه الحجة كسيف ذي حدين، فلماذا لا يحق لأعضاء جميع الجماعات المضطهدة المرور بالآلية القانونية ذاتها؟ في ضوء هذه الاعتبارات، هناك استنتاج واحد فقط يمكن استخلاصه، ويتلخص بأن الغرض من القانون الجديد ليس فقط حماية المجموعات المسماة. بل استبعاد المسلمين من حق الحصول على تعامل متساو من قبل الدولة، وهذا يجعل القانون غير دستوري.

ويعيد القانون أيضًا تعريف الهوية الوطنية الهندية، ما يجر الهند بالتأكيد للتحول إلى دولة عرقية (إثنوقراطية). في عام 1947، قسم البريطانيون الهند المستعمرة إلى بلدين مستقلين: باكستان، التي صُنعت كوطن لمسلمي شبه القارة الهندية، والهند، كدولة علمانية وتعددية. وليس ما يميز الهند كدولة هندوسية، سوى الحقيقة التافهة بأن غالبية سكانها من الهندوس. وهي دولة تحتوي على ثاني أكبر عدد من المسلمين في العالم وحضور كبير لكل الأديان الأخرى تقريبًا. ولم يحدث قط أن تحدد الهند هويتها بناء على الدين أو العرق.

(أ.ب.)

لكن القوميين الهندوس، لطالما أرادوا تحويل الهند إلى وطن للهندوس، متبنين فكرة الأمة على غرار النموذج الإسرائيلي. وباستبعاد المسلمين، يتخذ قانون الجنسية خطوة أخرى في ذلك الاتجاه. بل أن مسعى التقسيم غير المكتمل الذي يرغب القوميون الهندوس بإتمامه، لا يقتصر فقط على منح اللجوء للأقليات من الدول ذات الغالبية المسلمة المجاورة بل بالتعامل مع المسلمين الهنود، على أنهم لا يملكون حقا متساويا (مع الهندوس) بالانتماء لها.

سجل المواطنين

تزعم الحكومة أن القانون الجديد لن يؤثر على حقوق المواطنين المسلمين في الهند. ويُمكن اعتبار ذلك حقيقة بحسب المنطق القانوني الرسمي، لكن من أجل استيعاب مكر قانون الجنسية، يجب على المرء أن ينظر إليه بالتوازي مع الإجراءات الحكومية الأخرى، مثل "سجل المواطنين"، وهو فهرس شامل يحدد الوضع القانوني لجميع الأفراد في الهند. مرة أخرى، من الصعب الطعن في فكرة أنه ينبغي السماح لبلد ما بصياغة سجل لمواطنيها. ولكن كيف ستحدد السلطات من هو المواطن في بلد يفتقر فيه الكثير من الهنود الفقراء إلى وثائق تحديد الهوية؟

وإذا كان يُمكن اتخاذ تجربة ولاية آسام نموذجا لذلك، حيث نفذت الحكومة شكلا محدودا من هذا التسجيل، فإن عملية التأكد من المواطنة، تذكرنا بالصفات القمعية أو الكوابيسية لعالم فرانز كافكا الخيالي؛ فقد كافح ملايين الفقراء الذين لا يحملون شهادات ميلاد أو أي توثيق آخر (شهادات الميلاد منتشرة على نطاق واسع في الهند خلال الثلاثين عامًا الماضية) لإثبات مواطنتهم. . هذه العملية بيروقراطية وتعسفية، مما يترك الكثيرين يعانون في المخيمات. في الوقت الحالي ، يواجه 1.9 مليون شخص احتمال انعدام الجنسية في ولاية آسام.

وهنا بيت القصيد، لنفترض أنه طُلب من شخصين أحدهما مُسلم والآخر هندوسي، أن يثبتا ادعائهما بأنهما مواطنان، ولنفترض أيضا أن السلطات تقرر أن وجودهما غير قانوني في الهند. فإنه بعد سن تشريع الجنسية الجديد، سيحظى الهندوسي بتفضيل يُسرع عملية الحصول على حقوق المواطنة، بينما لن يتمتع المسلم بذلك في غالب الظن.

وبوجود قانون الجنسية، فإنه لا بد لـ"المسجل الوطني للمواطنين"، أن يترك ملايين البشر بدون مواطنة ولا دولة تحميهم، نتيجة الأخطاء الإدارية أيضا. حتى لو افترض المرء أن الدولة الهندية لديها قدرة عالية على الأداء البيروقراطي ولن تميّز بشكل تعسّفي بين الجماعات الدينية المختلفة (كلاهما افتراضان متنازع عليهما)، فإن معدل خطأ يبلغ خمسة في المئة فقط، سيجعل عشرات الملايين من الأشخاص عديمي الجنسية، كما أشار الباحث شروتي راجاجوبالان. لكن المخاطر التي يواجهها المسلمون ستكون أعلى بكثير، حتى لو كانت الدولة لا تستهدفهم صراحة.

(أ ب)

وتروّج الحكومة لخطابين حول العلاقة بين قانون الجنسية و"المسجل الوطني للمواطنين"، لكن العلاقة واضحة. فالقانون يتيح للحكومة طمأنة أي هندوسي تجد السلطات أن وجوده غير قانوني، بأنه لن يكون فاقد للجنسية. لكنه لا يعطي أي ضمانات مماثلة للمسلمين، وبعبارة أخرى، فإنه يخلق نظامًا تمييزيا عنصريا، مُصادق عليه قانونيا، ما يمثل إهانة للديمقراطية العلمانية في الهند.

فصل الغضب

لقد أشعل قانون الجنسية، مقاومة غير مسبوقة في البلاد. وتأتي هذه المقاومة على شكلين مختلفين، الأول، يتمثل بالمعارضة الإقليمية المحددة في ولاية آسام، التي شهدت احتجاجات متواصلة منذ صدور القانون في وقت سابق من هذا الشهر، وحتى اليوم. فمعارضة القانون هناك، تتجذّر في السياسات الإثنو-قومية التي تتبعها الولاية المحلية. فعلى مدار عقود، ادعى الكثير من الناشطين والسياسيين في الولاية، أن هجرة البنغاليين، من بنغلادش، تهدد هوية آسام.

وفي عام 1985، وقعت حكومة الهند على "اتفاق آسام"، الذي تعهد بإطلاق خطة حكومية لتحديد المهاجرين غير الشرعيين في الولاية. ونشرت السلطات أخيرًا النتائج التي توصلت إليها بخصوص آسام هذا العام، وليس من المستغرب أن غالبية الذين عُرّفوا على أنهم استقروا بصورة غير قانونية في آسام كانوا من البنغاليين الهندوس. ومن المرجح أن يحصلوا على الجنسية بموجب القانون الجديد، في انتهاك لـ"اتفاق آسام". لذلك اندلعت الاحتجاجات في جميع أنحاء الولاية، حيث انتقد المتظاهرون القانون الجديد باعتباره خيانة من قبل الحكومة المركزية وتهديدًا للديموغرافية في الولاية.

أما الشكل الآخر للاحتجاجات، فقد اتخذ طابعا هنديا عامًّا، منتشرا في شتى مناطق البلاد، حيث كانت المظاهرات ضد قانون الجنسية أكثر انسجاما مع دستور البلاد ومبادئ المساواة. وشهدت الهند أكبر هبة طلابية منذ فترة "حكم الطوارئ" الديكتاتورية، في سبعينيات القرن الماضي برئاسة رئيسة الوزراء أنديرا غاندي. وهزت الاحتجاجات حرفيا كل جامعة كبرى. وفي جميع أنحاء البلاد، قام المتظاهرون من مختلف المجموعات الدينية والاجتماعية الهندية بمسيرات مؤيدة لإلغاء القانون. وتعهدت العديد من حكومات الولايات، بما في ذلك بعض الولايات المتحالفة مع حزب "بهاراتيا جاناتا"، بعدم تطبيق إجراءات السجل الوطني للمواطنين.

(أ ب)

لدى هذه الاحتجاجات القدرة على إدخال الهند في أزمة عميقة. وقد بدأت الحكومة الهندية بالفعل، باستخدام ترسانتها من أوامر الحظر لاحتواء هذه الاحتجاجات المشروعة. وبلغ حجم قمع المعارضة، حدا غير مسبوق، فقد فرضت ولايتا كارناتاكا وأوتار براديش، العملاقتان، واللتان يحكمهما حزب "بهاراتيا جاناتا"، ويبلغ عدد سكانهما مجتمعين أكثر من 260 مليون شخص، إجراءات تحظر التجمع لأكثر من خمسة أشخاص، مستمدة من قوانين الحقبة الاستعمارية. وتعرضت العديد من المناطق في الهند لقطع شبكة الإنترنت. وتذكرنا هذه الإجراءات بسياسات الهند القاسية ضد سكان كشمير.

وتُشكل الحركة الناشئة ضد قانون الجنسية، علامة حيوية على تجديد دستوري محتمل. لكنها قد تكافح من أجل التغلب على الرياح المعاكسة للقومية الهندوسية الحازمة التي يروجها مودي. وتعكس أولويات سياسة حزب "بهاراتيا جاناتا" في الأشهر الأخيرة تحولًا أيديولوجيًا صعبًا؛ وتمثلت بالقضاء على الحكم الذاتي الشكلي لكشمير والحملة الأمنية واسعة النطاق، التي تلت ذلك في الإقليم المضطرب؛ والتفاخر بتجاوز قرار المحكمة العليا، والسماح ببناء معبد رام الذي يحمل في طياته ترميزا قويا (للهندوسية) في أيوديا؛ والحديث عن تشريع مكافحة اعتناق الأفراد لديانات أخرى، والسيطرة على السكان.

وحتى على مستوى الخطاب العام، فإن التضييق على الأقليات وشيطنتها بات أكثر وضوحًا. وفي خطاب ألقاه مودي مؤخرا، في ولاية جهارخاند وسط البلاد، أشار مودي إلى حد ما إلى حقيقة أن أولئك الذين يحتجون على قانون الجنسية يمكن "تمييزهم بحسب بملابسهم"، وهي عبارة واضحة عن إشارته للمسلمين.

لن يُهزم نهج مودي الواضح في الخلط ما بين استغلال أغلبية الهندوس في البلاد، والاستبداد، بسهولة. لكن إقرار قانون الجنسية أيقظ الهند على الأخطار التي تهدد قيمها الدستورية الأساسية. سيكون الطريق لاستعادة هذه القيم وحمايتها طويلًا وشاقا ومليئًا بالصراعات. لكن أصوات شرائح واسعة من الهنود، تصدح بكلمة "كفى"، وأخيرا.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة