الإلكترونات قد تكون واعية

الإلكترونات قد تكون واعية
توضيحية (Pixabay)

الكاتب: Tam Hunt، وهو باحث وكاتب من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، مختصّ في الفلسفة الروحية الشاملة بمجالاتها المتعدّدة.


في وقت سابق من أيار/ مايو الجاري، تساءلت مجلة "نيو سانتست" العلمية في عنوان صفحتها الرئيسية: "هل الكون واع؟". إذ أجرى المؤلف مايكل بروكس مقابلة مع عالم الرياضيات والفيزيائي يوهانس كلاينر، في مركز "ميونخ للفلسفة الرياضية" في ألمانيا، والذي أخبره بدوره أن التّعريف الرياضي الدقيق للكون، قد يعني أنّه مليء بالاختبار الذاتي، مضيفا في إشارة إلى بحث يعمل عليه مع آخرين، أن هذا قد يؤدي إلى "بداية ثورة علمية".

ويركز كلينر وزملاؤه في بحثهم على نظرية المعلومات المتكاملة للوعي، وهي إحدى أبرز النظريات المنتشرة حول الوعي اليوم. وكما يشير كلاينر، فإن هذه النظرية تتماهى مع فلسفة الروحية الشاملة (مذهب فلسفي يقول إن الوعي أو العقل أو الروح هي خاصية أساسية عامة في جميع الأشياء)، لأن جميع المعلومات المتكاملة تحتوي على جزء واحد على الأقل من الوعي.

قد يرى البعض صعود الروحية الشاملة جزءا من خطاب ساد في عصر النهضة تأثر بأفكار الفيلسوف نيكولاس كوبرنيكوس، القائلة بأننا لسنا مميزين، فالأرض ليست مركز الكون، والبشر ليسوا مخلوقات قديرة أكثر من غيرها، ولا يمثلون ذروة التطور حتى. وإذا كان ذلك صحيحا، فلماذا نعتقد أن المخلوقات ذات العقول، مثلنا، هي وحدها من تحمل الوعي في داخلها؟ في حقيقة الأمر، أوُجدت فلسفة الروحية الشاملة منذ آلاف السنين كإحدى الحلول المختلفة لمعضلة العقل مقابل الجسد. ويقدم كتاب ديفيد سكربينا لعام 2007 "الروحية الشاملة في الغرب"، تأريخا ممتازا لهذا التقليد الفكري.

وفي حين أن هناك صيغا عديدة للروحية الشاملة، فإن النسخة التي أجدها ذات جاذبية خاصة تُعرف باسم "الروحية الشاملة التأسيسية". والتي تنص ببساطة، على أن جميع أشكال المادة تجمع بين العقل أو الوعي، والعكس صحيح. بحيث أينما وُجد العقل توجد مادة، وأينما وجدت المادة فيوجد عقل. فهما يتماشيان مع بعضهما البعض. وكما ادعى علماء الروحية الشاملة الحديثون مثل ألفريد نورث وايتهيد، وديفيد راي جريفين، وجالين ستراوسون وآخرون، فإن جميع أشكال المادة تمتلك شيئا من القدرة على الشعور، وإن تمثّل ذلك بشعور بدائي للغاية في معظم تكوينات المادة.

وعندما يتمعن علماء الروحية الشاملة في الدرجات العديدة لسلّم تعقيد الطبيعة، فإنهم لا يرون أي خط واضح بين ما هو عاقل وما ليس عاقلا. ويحضرنا هنا السؤال الشهير للفيلسوف توماس ناغل في عام 1974، عندما قال: "كيف يشعر الخفاش؟ وما شعور تحديد المواقع عبر الصدى أو شعور الطيران؟"، مؤكدا أنه لا يمكننا أن نعلم ذلك علم اليقين/يقينا، ولكن يمكننا أن نستنتج بمعقولية ما، بناء على مراقبة سلوكيات الخفافيش المعقدة والقرابة الوراثية الوثيقة بين جميع الثدييات والبشر، وحقيقة أن التطور يتقدم بشكل تراكمي، أن الخفافيش تتمتع بحياة باطنية غنية (مشاعر وأفكار وخيال). وبالمنطق ذاته، يمكننا أن ننظر باطراد إلى أشكال السلوكيات الأقل تعقيدا التي تتيح لنا أن نستنتج بصورة معقولة، وجود شكل من أشكال العقل المرتبط بجميع أنواع المادة. وذلك يشمل حتى الإلكترون بالغ الصغر.

ورغم أن المادة الجامدة لا تتطور مثل المادة الحية، إلا أنها تمارس سلوكيات وتقوم بأمور معيّنة، وتستجيب للقوى المختلفة. إذ أن الإلكترونات تتحرك بطرق معينة تتنوع بحسب الظروف التجريبية المختلفة. ودفعت هذه السلوكيات علماء فيزياء قديرين لافتراض أن الإلكترونات قد تمتلك نوعا من أنواع العقل البدائي للغاية. وعلى سبيل المثال، ادعى الفيزيائي الأميركي الشهير، فريمان دايسون، في كتابه "إزعاج الكون" الصادر عام 1979، إن "سيرورات الوعي البشري تختلف من حيث درجتها فقط، وليس في نوعها، عن عمليات الاختيار بين حالات الكم التي نصفها بـ'الصدفة' عندما تصنعها الإلكترونات". فالأدقّ أن نؤطر الصدفة الكمية، بالخيار الكمّي، أي أن الاختيار، وليس الصدفة، هو الذي يقود كل مستوى من مستويات الطبيعة. وجادل ديفيد بوم، وهو فيزيائي أميركي معروف آخر، بالمثل، قائلا إن "قدرة الشكل على أن ينشط هي السمة المميزة للعقل، وفي حالة الإلكترون، فنحن بصدد شيء يشبه العقل بالفعل".

لقد أدرك العديد من علماء الأحياء والفلاسفة أنه لا يوجد خط فاصل بين الأشكال الحيّة والجماد. وأيد عالم الأحياء البريطاني البارز، جيه بي إس هالدين، الرأي القائل بأنه لا يوجد خط واضح بين ما هو حي وما هو ليس حيا، إذا قال: "لا نجد دليلا واضحا على الحياة أو العقل بما يسمى بالمادة الخاملة...؛ ولكن إذا كانت وجهة النظر العلمية صحيحة، فلا بدّ أن نجدها في النهاية في جميع أنحاء الكون، بشكل بدائي على الأقل".

أما الفيزيائي الدنماركي الذي برز بتطويره لنظرية ميكانيكا الكم، نيلز بور، فقال إن "معاني الحياة والميكانيكا... هي مسألة ملاءمة في النهاية... وسيخسر السؤال عن محدودية الفيزياء في علم الأحياء أي معنى إذا قمنا، بدلا من التمييز بين الكائنات الحية والأجسام الجامدة، بتوسيع فكرة الحياة لتشمل جميع الظواهر الطبيعية".

وفي الآونة الأخيرة، تساءل عالم الأحياء الفلكية بجامعة كولورادو بروس جاكوسكي، والذي عمل مع وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، في البحث عن حياة خارج كوكب الأرض، بشكل مجازي: "هل كانت هناك لحظة فاصلة بين تحوّل كوكب الأرض من اللاحياة إلى الحياة، كما لو أن ذلك حدث بضغطة زر؟ الجواب لا على الأرجح".

واتخذت عالمة الفيزياء النظرية سابين هوسينفيلدر، مؤلفة كتاب "ضائع في الرياضيات" الصادر عام 2018، موقفا مخالفا في هذا الصدد، مشددة في منشور بعنوان "الإلكترونات لا تفكّر" على أنه "إذا كنت تريد أن يكون الجسيم واعيا، فيجب أن تتوقع بأدنى حدّ، أن الجسيم قادر أن يتغير. ومن الصعب أن تمتلك حياة باطنية عبر فكرة واحدة فقط. لكن إذا كانت للإلكترونات أفكار، فكنا سنشاهدها منذ فترة طويلة في تصادمات الجسيمات لأنها ستغير عدد الجسيمات المنتجة في التصادمات".

ومع ذلك، فإن فكرة "التغيير" التي تطرقت لها هوسينفيلدر، تحمل معاني كثيرة ومتنوعة، بما يشمل التموضع في المكان على مرّ الزمن. والأمر الذي يشير إليه دايسون في ملاحظته حول الإلكترونات ونظرية ميكانيكا الكم (المذكورة أعلاه)، هو أن التفسير الأفضل للتوزيع الاحتمالي لمخرجات/نتائج التجارب الكميّة (مثل تجربة الشق المزدوج) هو أنها ناتجة عن خيارات غزيرة بدائية للغاية، "يتخذها" كل إلكترون في كل لحظة حول مكان وكيفية ظهوره، وليس نتيجة الصدفة البحتة (وهي طريقة أخرى لنقول "لا نعلم كيف يحصل هذا").

ولا تزال نظرة وايتهيد المتنوعة لفلسفة الروحية الشاملة، الصيغة الأكثر نجاحا لهذه الفلسفة اليوم، فهو يعيد تصور طبيعة المادة بطريقة جذرية. وبالنسبة لوايتهيد، فإن جميع الكيانات الفعلية، بما في ذلك الإلكترونات والذرات والجزيئات، هي عبارة عن "قطرات من الاختبار" من حيث أنها تتمتع بقليل من الاختبار وقليل من الوعي. وللوهلة الأولى، قد يكون منظوره غريبا، ولكنه منطقي إلى حدّ كبير.

وبدلا من وجهة النظر الحديثة التي تتلخص بالتعامل مع الأشياء والأجسام المتحركة في وعاء الزمكان على أنها غير متغيرة، يتصور وايتهيد الجسيمات مثل الإلكترونات، كسلسلة من تكرارات متراكمة لإلكترون واحد، تحمل تشابها قويا مع بعضها البعض في كل تكرار، ولكنها لا تتطابق مع بعضها البعض، فيختلف كل تكرار قليلا عن التكرار الذي سبقه. بحيث أنه ما من إلكترون ثابت وغير متغير. والدرجة التي يختلف فيها كل تكرار بشكل أو بآخر عن التكرار الذي سبقه، هي عبارة عن مكان وجود "ذرّة" الاختيار والعقل. وتتراكم ذرة الاختيار هذه إلى أعلى، ومن خلال مسار التطور البيولوجي، ينتج عنها أنواع معقدة من العقل والاختيار الذي نتمتع به نحن البشر والثدييات الأخرى.

وفصّل وايتهيد، الفيلسوف الرياضي، عملية "التلاحم" هذه، والطبيعة المتذبذبة للكيانات مثل الإلكترونات لحظة بلحظة، في أعماله الفلسفية "العلوم والعالم الحديث"، و"العملية والواقع"، و"أنماط الفكر". وقد يرى البعض صعوبة في فهم أعماله المعقدة هذه، ولكنها تستحق بذل المجهود من أجل فهمها إذا ما كان المرء مهتما في إسناد الفيزياء إلى أساس ميتافيزيقي تجريبي.

وتبنى مفكّرون معاصرون عدّة، أفكار وايتهيد والروحية الشاملة بدرجات متفاوتة، بما في ذلك بوهم، والذي تشير أعماله حول الفيزياء الحديثة وطبيعة الواقع، إلى وايتهيد كمصدر إلهام.

أنا أقوم من خلال عملي، بمراكمة المعلومات حول كيف يمكننا تحويل هذه الاعتبارات الفلسفية "البحتة" حول طبيعة العقل في الطبيعة، إلى مجموعة تجارب قابلة للاختبار، مع بعض الأفكار التي استعرضناها هنا. وتنقل مثل هذه التجارب، النقاشات حول الروحية الشاملة من عالم الفلسفة، إلى في عالم العلوم بدقة أكبر.

لذا، فالجواب هو نعم، تتيح الفيزياء الحديثة مساحة كبيرة لفكرة أن الإلكترونات "تفكّر".